[حوار] الشاعر الفلسطيني زكريا محمد:الانخراط في الميثولوجيا حماني من الموت الشعري

في السنوات الأخيرة انبثق داخل المشهد الشعري الفلسطيني صوت شعري مميز و مختلف كليا. صاحب هذا الصوت هو الشاعر زكريا محمد الذي عرفته الساحة الإعلامية منذ الثمانينيات في المشرق كصحفي بارز عمل في العديد من المنابر و المجلات الفلسطينية، كانت ضمنها مجلات “الحرية” و “الفكر الديمقراطي” و “الكرمل” التي اشتغل فيها رفقة الشاعر الكبير محمود درويش. 

ما هو ملاحظ عن استثنائية تجربته الشعرية التي شقها لنفسه، منذ الوهلة الأولى لبحثه عن جدوى الشعر بعد مجموعته “قصائد أخيرة” إلى كتابة ديوانه الثامن “زرواند”، أنها مسكونة بحرفية عالية في توظيف لغة شيد بنيتها الفنية بإبداعه الشخصي الذي يعود فيه الفضل لأبحاثه العميقة في حقول كثيرة تتجاوز مجال الشعر نحو الرواية و الرسم و و المسرح و أدب الأطفال و ونقوش عربية قبل الإسلام و الديانات القديمة و الميثولوجيا.

حاوره: المصطفى روض

  •  يبدو زكريا محمد شاعرا مختلفا من حيث الأسلوب واللغة المعتمدة في شعره مع ما يطرحه هذا الشعر من إشكالية في تصنيف هويته. فهل تعتبر شعرك حاملا لهوية ما؟

لا أستطيع تصنيف ما أكتبه. لكنني لا أحب أن أصنف في مطلق الأحوال ككاتب قصيدة نثر. أنا أكتب شعرا غير موزون. لكنه شعر يبحث عن الإيقاع أيضا. فوق ذلك، فقد حصل تحول جوهري في شعري منذ مجموعتي الشعرية (كشتبان، 2014). وقد زاد هذا من صعوبة التصنيف بالنسبة لي. وباختصار أنا أكتب شعرا ليس له اسم. كما أنني لا أبحث له عن اسم أيضا.

ويظن بعض أصدقائي أن التحول الذي حصل في شعري يتعلق بسيطرة الطبيعة، بكائناتها كلها، عليه. لكن هذا ليس صحيحا. فشعري غارق في الطبيعة منذ البدء. إنه شعر استعادة لها من جهة، واعتذار ورثاء لها من جهة أخرى. وأعطيك مثلا: أذكر أنني شاركت في أمسية شعرية في (مقهى الفينيق) بعمان في الأردن في منتصف التسعينات. وحين أنهيت وصلتي ونزلت، نهض أحدهم في آخر القاعة وناداني: “زكريا، يا زكريا”. وظننت أنه أعجب بما قرأت، لكنني كنت مخطئا. فقد وقف ليحتج على امتلاء شعري بالحيوانات. قال لي: “ما بقي غير القرود”. أي أنك حولت شعرك لحظيرة حيوانات، ولم يبق خارج الحظيرة سوى القرود. فلماذا لا تدخلها فيها؟

ولم أكن قد فكرت قبلها أن الكائنات، وعلى الأخص الحيوانات، تزدحم في شعري. لقد نبهني الرجل إلى هذه الحقيقة. كنت في الواقع (شامانا) يرقص بأقنعة الحيوانات والنباتات. 

بذا فلم تكن الطبيعة هي ما جد على شعري. ما جد عليه هو تغير عميق في بنيته وإيقاعه، وفي طريقة تناوله للأشياء. كانت قصيدتي في السابق تلتم على نفسها مثل (منحوتة الكتلة) بحيث أنها لن تكسر لو أنك أسقطتها ودحرجتها. العنق والأطراف والجذع جزء من الكتلة، وليست خروجا منها وعنها. هكذا كانت قصائدي قبل مجموعة (كشتبان): كتلة متماسكة ملتمة على نفسها، يمكنك أن تدحرجها من دون أن تتضرر. تبدأ القصيدة من نقطة محددة ثم تصعد إلى أن تبلغ ذروتها. 

هذا انتهى مع كشتبان. لم يعد هناك صعود. لم تعد القصيدة سهما يتجه نحو الأعلى. بل صارت تنمو في اتجاهات متعددة. تنبثق من نقاط مختلفة تضارب على بعضها بعضا. كل جملة تعاند أختها وتعاكسها، بحيث يبدو وكأنه لا يمكن السيطرة عليها للوصول إلى نتيجة. لكن القصيدة تتمكن في النهاية من السيطرة على ذاتها وعلى هذا التشتت، وقيادته إلى نقطة ما تنتهي إلى ما وصفه صديق شاعر في تعليقه على قصائد مجموعتي الجديدة (زراوند)، بأنه (نشوة غامضة) تبدو وكأنها هي هدف القصيدة.

هذا هو التغير الذي طرأ على قصيدتي. فهي بنت التضارب والتشتت. والوحدة التي تصل إليها في النهاية هي بنت هذا التشتت. 

  • وكيف تتمكن من قراءة مثل هذه القصائد أمام جمهور محدد، إذن؟

في الماضي، أي قبل كشتبان، كنت أحفظ قصائدي كلها تقريبا، وألقيها غيبا. وكان هذا يساعدني في أمسياتي الشعرية. ذلك أن عدم انشغال يديك بكتاب أو أوراق يحرر ذهنك، ويجعلك تنظر في أعين الناس في القاعة أمامك وتتواصل معهم. وبالمناسبة أنا لا أفهم كيف يفكر بعض من ينظمون الأمسيات الشعرية بإطفاء الأضواء في القاعات، ويحرمون الشاعر بالتالي من رؤية سامعيه. الشعر ليس مسرحا حتى يحصل ذلك. وإلقاء الشعر يستند إلى التواصل البصري بين الملقي والمستمع. على كل حال، فقد كان إيقاع وتماسك ما في قصيدتي يقوداني من يدي منذ البدء حتى النهاية. هذا انتهى مع كشتبان. لم أعد أحفظ قصائدي، أو مقطوعاتي كما أحب أن أسميها. لم أعد قادرا على إلقائها من دون وجود الكتاب في يدي، بكل الإرباك الذي يخلقه هذا. هذا لا يعني أن الإيقاع انتهى في مقطوعاتي الجديدة. لا، لقد تغير وأصبح أكثر تعقيدا. من ناحية ثانية، فقد حل التضارب والتشتت، محل فكرة الصعود.

كان الصعود فكرة مركزية في مجموعاتي الأولى. القصيدة تصعد وتصعدني معها. كنا نمضي في الفضاء أنا وإياها إلى هدف ما ندركه بلحمنا ودمنا. إلى فكرة صغناها معا. ولدي قصيدة اسمها الشجرة في مجموعة (الجواد يجتاز إسكدار) ربما تصلح أن ترمز لهذا:

الشجرة تصعد في الفضاء

وتقضمه مثل جمل يقضم الشوك

الفضاء يتقصّف، ويُكسح كالجليد

وهي تصعد ببطء

مثل أعمى يصعد درجا

يضرب بعصاه، ويخطو بقدمه

إلى أين يا عمياء؟

إلى أين أيها الجمل الذي يقضم فروع الهواء؟

الشجرة تصعد

والفضاء يفتح لها معبرا

ويصِرّ كباب صدئ لم يفتح منذ عقود.

الحركة الصاعدة هذه تكسرت. صارت القصيدة تخبط شمالا ويمينا، وفي الجهات الست، مثل أعمى بلا عصا في يده. وصار هذا الخبط هو مولّدها. هو أبوها وأمها.

  • أهذه هي المرة الأولى التي تشعر فيها أن شعرك قد تغير؟

لا، لقد حدث هذا معي مرة أخرى من قبل، وأدركته بقوة. حدث هذا في مجموعة (الجواد يجتاز إسكدار، 1990). في تلك المجموعة أحسست وقتها أنني حصلت على ما كنت أبحث عنه: البساطة والعمق، وأنني ملكت حريتي. لهذا نشرت في تلك المجموعة قصائد مع بروفاتها، وقصائد مع مختصراتها. لم يعد يهمني رأي الآخرين. أنا أفعل ما يحلو لي. وبدءا من تلك اللحظة انفتحتُ على الأشكال الكتابية الأخرى. لم أعد شاعرا فقط. وهكذا كتبت الرواية والمسرح وقصص الأطفال والبحوث، وجربت الرسم والنحت. وكان بودي أن أذهب للسينما. لكن الفرصة لم تتح لي.

في تلك المجموعة حصلت المصالحة النهائية بيني وبين الشعر. لم يعد هناك ما يعكر صفو ما بيننا.

أما المرة الثانية فقد حصلت مع كشتبان كما قلت لك، واستمرت في (علندى) و(زراوند). لذا فأنا أعتبر أن هذه المجموعات معا تشكل (ثلاثية). إنها في النهاية كتاب واحد يمكن أن تتابع كيف ابتدأ وكيف انتهى. يمكن لك أن ترى فيها التعرجات والتصحيحات، والطرق الفرعية، والطرق المركزية. تُقرأ المجموعات الثلاث معا. وهي بشكل ما إنجيلي الخاص، الذي كتبه تلامذة ثلاثة في داخلي. الوحي واحد لكن الخط بيد ثلاثة تلامذة.

  • في الثمانينيات كنت غير واثق من أنك ستصبح شاعرا، و لذلك أعطيت مجموعتك الأولى اسم (قصائد أخيرة)، ظنا منك أنك سوف لن تستمر في الكتابة الشعرية. والآن لديك ثماني مجموعات شعرية ذات قيمة مميزة. فكيف تفسر هذا التطور الذي طبع مسار تجربتك الشعرية؟

علي أن أصحح الأمر قليلا: الأمر لم يتعلق بأنني لم أكن واثقا بأنني سأصير شاعرا، بل يتعلق بأنني لم أكن وقتها واثقا أن للشعر جدوى. كان على الشعر أن يكشف لي عن جدواه كي أستطيع أن أمضي وإياه في سفرنا الطويل. وقد تحدثت عن هذا في مقالة لي بعنوان (الشعر والبندورة). والبندورة هي الطماطم. عليه، فقد كان السؤال: هل أكمل طريقي مع الشعر أم أذهب لزراعة البندورة؟ أنا متأكد أن للبندورة جدواها. جدواها هي ثمرتها الحمراء التي تخرج بعد أشهر قليلة من زراعة بذرتها أو شتلتها. أما الشعر فأين هي جدواه؟ أين هي ثمرته؟ لم أكن متأكدا من وجود الثمرة في تلك الأيام.

لكن بالتدريج، حُلّ الصراع بيني وبين الشعر، وبيّن لي الشعر جدواه، ثم مضينا في سفرنا الطويل. وقد تبدى ذلك في مجموعة (الجواد يجتاز إسكدار)، كما قلت لك.

  • يلاحظ بعض قرائك تخليك، في مجموعتك الشعرية (كشتبان) و (علندى)، عن عنونة قصائدك. وهو الشيء الذي اعتمدته أيضا في مجموعتك الأخيرة (زرواند)، علما أن القصيدة كالمقالة الصحفية و النثرية تقرأ من عنوانها، أليس كذلك؟ بالتالي، فما هي دوافع اختيارك لهذا الأسلوب؟

التخلي عن العناوين دليل آخر على ما أقوله لك عن التغيرات في بنية شعري. فلم تعد للقصيدة، أو المقطوعة، قصة صارمة تقولها، ويمكن اختصارها بالعنوان. هناك قصص تتنافس وتتضارب، كي تخرج القصيدة في النهاية بنشوة غامضة. ومن أجل هذا فشلت في العثور على عناوين لمقطوعاتي. ولعل العنوان صار حمولة زائدة على القصيدة ذاتها فأسقطته عن ظهرها. فوق ذلك، فالعنوان هو، في نهاية الأمر، تفسير الشاعر لمقطوعته. والشاعر لم يعد قادرا على تفسير هذه المقطوعة. كما أنه يجب أن يترك للقارئ أمر تفسيرها. وهذا أدى إلى أن يصير تاريخ كتابة القصيدة هو عنوان القصيدة كما لاحظ الشاعر والناقد تحسين الخطيب في ملاحظة له حين كتب عن مجموعة (زراوند).

وعليّ أن اذكرك أن تقليد عناوين القصائد حديث في الشعر العربي. فقصائد الشعر القديم كانت بلا عناوين. وفي الواقع كان رويّ القصيدة هو عنوانها الفعلي. فنحن نقول (لامية الشنفرى) و (سينية البحتري)، وهكذا. 

وقد فكرت في لحظة أن أترك مجموعة (زراوند) ذاتها بلا عنوان. لكن ذلك كان مستحيلا تقريبا. يمكنك أن تلغي عنوان القصيدة، لكنك لن تستطيع إلغاء عنوان المجموعة. وأبو العلاء المعري هو من بدأ تقليد إعطاء المجموعات الشعرية أسماءها. قبل ذلك لم تكن هناك مجموعات شعرية أصلا. بذا فهو أيضا منشئ تقليد (المجموعة). قبله كان شعر الشاعر يجمع بيده أو بيد غيره ويسمى (ديوان فلان). وكان الديوان تتويجا لحياة الشاعر. أبو العلاء خرج عن هذا التقليد، وأرسى تقليدا جديدا هو تقليد المجموعات. فقد كانت لديه مجموعتان أعطى لكل واحدة منهما اسما خاصا: (سَقط الزند) و (لزوم ما لا يلزم). بل لعله يصح القول أن لديه ثلاث مجموعات شعرية إذا أضفنا (الدرعيات). وهي مجموعة خاصة، وإن لم يجعلها أبو العلاء في كتاب وحده. وأنا أتبع في (ثلاثيتي) تقليد أبي العلاء: المجموعة بعنوان، والقصائد غفل، بلا عناوين.

  • اشتغلت مع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش بمجلة “الكرمل” عندما كنت سكرتيرا لتحريرها، لكن كتابتك الشعرية تبدو غير متأثرة بشعره مثلما عليه الأمر بالنسبة لشعراء آخرين. بما تفسر عدم تأثرك بشعرية درويش؟

أنا شعريا لست ابنا لمحمود درويش بكل تأكيد. وهو رحمه الله كان يعرف ذلك. وحين عرض علي أن أعمل معه في الكرمل، قال لي ما معناه: أنا أعرف أنك تختلف معي، لكنني أحب أن أعمل مع من أختلف معهم. 

وهناك قصة بائسة في فلسطين، تسمى قصة (خلافة محمود درويش). أنا خارج هذه القصة نهائيا. وكيف يمكنني أصلا أن أخلف درويشا وأنا لست من صلبه شعريا؟ غيري يمكن أن يرثه أما أنا فلا. أنا بالكاد أخلف أبي الذي ولدني. حتى أنني تخليت عن اسمي الذي أعطاني إياه أبي، وسرت باسم غيره، كي أكون خليفة نفسي، وخِلْقة يدي. شعري نهض في معاكسة شعر محمود درويش. هذه حقيقة أولية. لكن هذا لا يعني أنه ليس لمحمود درويش فضل على شعري. على العكس له فضل، وقد بينت هذا الفضل في مقالة لي في ذكرى وفاته. فدرويش رفع سقف الشعر الفلسطيني إلى مدى بعيد. ولم يعد مقبولا أن تكتب شعرا بعيدا عن هذا المستوى. هذا أولا، أما ثانيا، فإن محمود درويش بسيطرته الشعرية دفعني إلى البحث عن طرق أخرى. لقد سيطر على الطرق الممهدة كلها، فاضطرني إلى صعود الجبال الوعرة. وبصعودي للجبال الوعرة وصلت لما وصلت إليه. وصلت إليه تحت ضغط محاولة الاختلاف عن شعر درويش. وهذا بحد ذاته تأثير، بل وتأثير عميق. وهناك طريقان للتأثر بشاعر كبير: أن تتشبه به، أو أن تهرب من تأثيره ومن التشبه به كي تعثر على طريقك الخاص. الطريق الأول ينتج (خلفاء)، والثاني ينتج (شعراء).

فوق هذا كله، فأنا شاعر عربي. لا يصلح لشاعر جيد أن يتصرف في الشعر على مستوى قطري، إن صحت كلمة قطري هنا. مجال الشاعر لغته وكتابها والناطقون بها، لا حدوده السياسية الوطنية.

  • تثير غزارتك في الكتابة في حقول كثيرة الانتباه، فأنت لم تبق أسير الكتابة الشعرية وحدها، بل اقتحمت مجال الرواية بروايتين هما: “العين المعتمة” و “عصا الراعي”، كما دخلت حقولا عديدة مثل المسرح، أدب الأطفال، الرسم، الميثولوجيا العربية، دراسة الأديان القديمة، والتاريخ والنقوش. فما الذي دفعك إلى التوجه إلى هذه الحقول؟ وماذا أفادتك على مستوى المعرفة و الكتابة الشعرية؟

أريد أن أتحدث لك عن الشعر هنا أولا. قياسا بالماضي فأنا الآن غزير الانتاج شعريا. لكن كل ما أنتجته كان فقط ثماني مجموعات شعرية على مدى أكثر من أربعين عاما. وهذا ليس غزيرا جدا. هناك من أنتجوا عشرين أو ثلاثين مجموعة في مثل هذا الوقت. لكن قياسا بما مضى فقد غزر إنتاجي بالفعل. كان الشعر في الماضي يأتيني متقطعا. كنت أحيانا أمضي عاما أو عاما ونصف العام من دون أن أكتب حتى سطرا شعريا واحدا. كنت أنتظر الوحي الشعري حتى يأتيني. وحين يأتي أكتب دفعة من المقطوعات، عشرة أو عشرين مقطوعة. منذ العام 2012 أو 2013 تغير هذا. لم أعد أنتظر الشعر ووحيه. صرت أذهب إليه. أنهض صباحا بين الرابعة والسادسة، وأجلس قدام شاشة الحاسوب، أفتح الصفحة الوورد وأكتب. سنوات الشحة والتقطع الشعري انتهت فجأة. لقد انفجر نبع تحت قدمي، وكنت أغرف بيدي منه كل صباح. 

لا أعرف ما الذي حدث. ولا أعرف كيف حصل ذلك. كأنني لست أنا من يكتب. كأن أحدا ما كان يضع الكلمات في فمي، وينطق بلساني. ولست أدري من هو.

لكن ربما لا يكون الأمر هكذا. ربما أن نضوجي الشعري النهائي تأخر. لقد اكتمل نضوجي على حدود الستين. وأنا أعتبر نفسي محظوظا بهذا. كثير من الشعراء يموتون شعريا في ستيناتهم. أما أنا فلم يحدث معي ذلك، كما أظن. وقد كتبت عن هذا بشكل ما في إحدى مقطوعات زراوند: 

أثمرت في عامها الرابع جمّيزتي. أثمرت في الستين لغتي. سوف أكتب على كرنوفة النخل مطلعا، وعلى الصخرة مطلعا. الحياة مطالع… 

زرعت في الستين جمّيزة طلعت ثمارها على جذعها مثل فئران صغيرة. هل رأيتم من قبل أحدا في الستين طلعت الكلمات ثمارا على جذعه وهو يدخل للهاوية”.

هذا ما حدث معي، ولست أدري بالدقة لم حدث وكيف حدث.

  • أنت لا تنشر ما تنتجه من شعر في الصحف والمجلات، بل تكتفي بنشره على صفحتك في الفيسبوك. فهل كان للفيسبوك تأثيرا على شعرك؟

نعم، لعل للفيسبوك دخل في التغيرات التي حدثت في شعري. وقد عرضت لهذه القضية في مقدمة كتبتها لمجموعة (كشتبان)، حيث قلت:

كتبت أغلب قصائد هذه المجموعة – وليس كلها – ثم نشرت مباشرة على صفحتي في الفيسبوك. فقد اعتدت خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة على كتابة قصائدي على الحاسوب، ثم رميها على صفحتي [في الفيسبوك] فورا. أي أنني لم أترك مساحة من الوقت بين الكتابة والنشر. ولم يكن بإمكان هذا أن يحدث قبل الفيسبوك. فقد كانت هناك دوما مساحة من الوقت لا بأس بها بين الكتابة والنشر. مع الفيسبوك تقلصت هذه المساحة إلى الحد الأدنى. بل تم حذفها نهائيا في الحقيقة. فما إن كنت أضع النقطة الأخيرة في القصيدة حتى تكون القصيدة على صفحتي في الفيسبوك. عليه، فقد صارت الكتابة والنشر كما لو أنهما عملية تتم بضربة واحدة. حتى أنني في أحيان كثيرة كنت أقوم بالتدقيق النهائي للقصيدة بعد نشرها على صفحتي. فأنا في ما يبدو أكون أقدر على رؤية أخطائها الطباعية، أو اللغوية، أو الفنية، حين أراها منشورة أمامي على صفحة الفيسبوك…

غير أن ما فعله الفيسبوك يتخطى هذا. فهو لم يلغ الزمن الفاصل بين الكتابة والنشر، بل ألغى تقريبا الزمن الفاصل بين لحظة الكتابة وبين القارئ. فبعد ثوان من كتابة القصيدة تكون قد وصلت إلى قارئ ما. وهو من جهته يكون قادرا على أن يبدي، وخلال أقل من دقيقة، رد فعله على القصيدة، لكي يلتقطه الكاتب من ثم مباشرة. وهكذا صرنا أمام دورة إنتاج واستهلاك لم يسبق لها مثيل. دورة في منتهى العجالة…

في كل الأحوال، علي أن أقول أنني أملك شعورا بأن انعطافة ما قد حدثت في شعري خلال السنوات الثلاث الأخيرة، وفي السنتين الأخيرتين على وجه الخصوص. فقد حل مناخ مختلف في قصائدي: السطور طالت، الإيقاعات تغيرت إلى حد لا بأس به، الموضوعات اختلفت، كما أن قاموسي أدخل كلمات جديدة إلى متنه. فوق ذلك، فقد أخذت نغمة (متصوفة!) ما تتسلل إلى قصائدي. وظني أنها نغمة لا علاقة لها بمناخ التصوف السائد، الذي ظللت دوما أتجنبه، وأمقت قاموسه…

غير أن ما لا أدريه إنما هو مقدار تأثير الفيسبوك على هذا كله. أكانت التغيرات في قصيدتي على علاقة ما بدورة الإنتاج الغريبة في الفيسبوك؟ أم أنها تغيرات حدثت ببطء، ثم أعلنت عن نفسها على صفحتي الفيسبوك؟ لست أدري. ربما حدث الأمران معا بطريقة لا أستطيع فهمهما حتى الآن. على كل حال، فأنا أظن أنه سيمضي زمن قبل أن نتأكد من تأثيرات النشر الإلكتروني على كتابتنا عموما، وعلى الكتابة الشعرية خصوصا. إذ يبدو أن الشعر كان هو الأكثر استعدادا للتعامل مع الفيسبوك. كما أنه ربما كان الأكثر استفادة منه. وأيا كان الأمر، فأنا على استعداد للإقرار بما فعله الفيسبوك أيا كان مقداره، إن كان قد فعل شيئا في الحقيقة.

في كل الأحوال، لم تكن الكتابة على الفيسبوك بالنسبة لي حدثا إلكترونيا فقط. بل كانت تصعيدا كاملا لعزلتي. إنها العزلة وقد بلغت منتهاها. صحيح أن (الأصدقاء) على الفيسبوك كثيرون، لكن وجودهم (الوهمي!) ضرورة من ضرورات تمرير العزلة، بل ولتصعيدها. فلكي تمر عزلة بهذه القسوة، كان لا بد من وجود ضجيج ما يوحي بأن العزلة غير موجودة. كأنك تشعل جهاز التلفزة وحدك في وِحْدتك لكي يبدو لك وكأن أصوات الملء تسيطر على أصوات الخلاء. بهذا المعنى، فهذه القصائد بنات العزلة: ولدت في العزلة، تغنت بها، وارتدت حجابها، وهي تحمل قسوتها” (مقدمة كشتبان، 2014).

  •  لكنني أردتك أن تحدثني أيضا عن إنتاجك في الميثولوجيا، فلديك عدة كتب فيها. فما الذي أفادك هذا الحقل في كتابتك الشعرية؟

هناك نظرية سائدة بشأن علاقة الشعر والشاعر بالبحث. تعتقد هذه النظرية أن انشغال الشاعر بالأبحاث يؤثر سلبا على شعره ويجعله جافا. بذا فالأفضل للشاعر أن لا يطمح في أن يكون باحثا. تجربتي أنا تعاكس هذا السائد. فقد انخرطت مطولا في بحوثي عن ديانة العرب قبل الإسلام وعن أساطيرها. وقد أنتجت عدة كتب في هذا المجال. وأظن أنني تمكنت فيها من فك شفرة ديانة العرب قبل الإسلام. كما أظن أن هذا الانخراط في حقل الميثولوجيا هو ما حماني من الموت الشعري المبكر. لقد استند شعري إلى هذا الحقل في تغيره وتطوره. شعري غارق في الأسطورة وعالمها. وهو غارق في الأسطورة العربية على وجه الخصوص. لكنه غرقه فيها لا يشبه غرق شعراء الخمسينات في العالم العربي، حين كانت الأسطورة اليونانية قطعة خشبية تطفو على سطح الشعر عندهم. في شعري لم يعد الأمر هكذا. فهو شعر معجون عجنا بالأسطورة. بل إنه هو ذاته يكاد يصير أسطورة. ويمكنني أن اقول، بشكل ما، أن الميثولوجيا أنقذتني وأنقذت شعري.

وأنا مدين لصديقي الروائي المصري (سعد القرش) في توضيح العلاقة بين البحث والشعر عندي. إذ كتب يقول: “واحد من بضعة شعراء عرب، قلائل جدا ونادرين، ممن لديهم همّ معرفي أصيل، ولع بالبحث الذي يصير معه الإنسان كيانا عقلانيا محضا. وحين يخلو إلى الشعر، فإنه يتحول ويعود سيرته الأولى، بريئا مندهشا، على صورة آدم وهو يختبر خطواته ومشاهداته على الأرض بعد الهبوط من الجنة”. وبصراحة لا يوجد أفضل من هذا للتعبير عن علاقتي بالبحث والشعر. إنه اختصار لا أستطيع أن آتي بمثله. فأنا حين أذهب للشعر أنسى كل شيء، البحث والسياسة، وأمضي نحو الشعر كما لو أنني آدم الذي هبط إلى الأرض للتو، وبدأ يلفظ أسماء الأشياء للمرة الأولى.

فوق ذلك، فعلي أن أذكرك بأن العلاقة بين الشعر والأساطير عميقة جدا. فنحن لا نعرف عن غالبية الأساطير العربية إلا من خلال الشعر الجاهلي والأموي. فقد كان الشعر في هذه الفترة شقيق الأسطورة. ولولا الشعر لضاعت هذه الأساطير. أما في اليونان القديمة فلم يكن هناك فرق كبير بين الشعر والأسطورة. كان شعر هوميروس أسطورة أو صدى للأسطورة. لم تكن كتابة الشعر ممكنة عند اليونان والرومان من دون الأسطورة.

  • قلت لي أنك تمكنت في أبحاثك عن ديانة العرب قبل الإسلام من فك شفرة هذه الديانة. هلا وضعتني في صورة عملية الفك هذه؟

* هذا يحتاج إلى مقابلة خاصة. لكنني أود أن اقول لك أنه يجب نسيان ما يقوله الباحثون الغربيون عن ديانة العرب قبل الإسلام. فهم لا يفهمونها، وهم يشوشون البحث فيها بدل حل مسائله. من ناحية ثانية، . لدينا صنمان جاهليان مجهولان، لكنهما في الحقيقة أهم أصنام مكة قبل الإسلام. وقد نصبا على الصفا والمروة، وكان السعي الجاهلي يجري بينهما. الصنم الأول هو (مجاوز الريح). لكن تصحيفا حل به فصار اسمه (مجاور الريح). واسم هذا الصنم يعني (ساقي الخمر). وكان هذا الصنم منصوبا على الصفا. أما الصنم الثاني فاسمه (مطعم الطير)، وكان منصوبا على المروة. ويبدو أن عبد المطلب، جد الرسول، كان كاهنه لأنه كان يحمل لقب (مطعم الطير). صنم الصفا يمثل الصيف الفيضي الخمري الفوار، وصنم المروة يمثل الشتاء البارد القار. والسعي بينهما هو (رحلة الشتاء والصيف) التي وردت في سورة قريش. لم تكن هذه الرحلة رحلة تجارية، بل كانت رحلة دينية رمزية تمثل ترنح الكون بين صيفه وشتائه. وهو ما يعني أن ديانة الجاهلية كانت ديانة الانقلابات الفصلية. هذا هو جوهر ديانة مكة في الجاهلية بأقصى درجة من الاختصار.

  • بمناسبة زيارتك الأخيرة للمغرب ما هي رؤيتك للحركة الشعرية في المغرب؟

* هذا أيضا سؤال ضخم عريض لا يوفى حقه بكلمات قصيرة. مع ذلك أقول أن الشعر المغربي شهد في العقود الأخيرة تطورات دفعت به إلى المراكز الأولى للشعر العربي. هناك أصوات عديدة متنوعة ومدهشة، وأنا أستمتع بها وبنتاجاتها. ولعلني أقول أن المفاجآت الشعرية العربية مغربية في الحقيقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.