“بوكليب”، طاعون وجوع… شذرات من تاريخ الأوبئة والمجاعات في المغرب.

 المخابز تبيع خبزة السميد الصغيرة بثلث دولار، أي ضعف ثمن خبز الفقراء، الحكومة المغربية تشتكي من ارتفاع كلفة دعم الدقيق، المحللون يقولون إن الأسعار العالمية ترتفع وإن الطلب يفوق العرض لأن الصينيين والهنود صاروا أكثر غنى، لذا يستهلكون قمحا وحليبا ولحما أكثر… المغرب يعيش بوادر جفاف للعام الثاني على التوالي. الناس يتطلعون إلى بورصة القمح في شيكاغو بخوف ويتطلعون إلى السماء بقلق، ويزداد هذا القلق كلما كان الأكل مكلفا ونادرا. ولهذا سوابق في تاريخ المغرب.

تحكي امرأة عجوز من منطقة زمور عن جفاف مروع عاشه المغرب، وفيه لم يزد طول الزرع عن شبر فجف، بدأ الفلاحون ينتفونه بدل حصده، وسمي ذلك العام بعام “بونتاف”، ويقال إن الذين ولدوا في ذلك العام مناحيس، وفيه استبدل الناس القمح بالبصل المعجون مع دقيق الشعير، يتناولون وجبة واحدة في اليوم، الفقراء يعملون مقابل الطعام، يوم يأكلون ويوم يجوعون، كثرت السرقة، صارت الرحى عاطلة، امتد الجفاف منذ أكتوبر حتى أكتوبر، كان الجياع ينتفخون ويتقيأون، في ذلك العام، أي 1944، جاع المغاربة وتصدقت عليهم أمريكا وغيرها من الدول بالحبوب والسكر والثوب، حينها عرف المغاربة القمح الطري (فارينة) لأول مرة، بعد الجفاف هطل المطر مدرارا وبدأ الناس يأكلون الحشائش، وتحكي أغنية أمازيغية عن النساء ذوات الأحزمة المزركشة يأكلن البقول… كانت تلك هي المجاعة الأبرز في القرن العشرين، مجاعات مغرب القرون السابقة كانت أقسى، أخطرها استعرضه محمد الأمين البزاز في كتابه المرعب “تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في ق 18-19”. كلية الآداب الرباط سلسلة رسائل وأطروحات رقم 18 بتاريخ 1992. من تلك المجاعات المروعة:

1- المجاعات الكبيرة في سنوات 1776 و 1779 و 1782.

سببها الجراد والجفاف وتصدير الحبوب، وقد ازداد الوضع سوءا بسبب انتشار الكوليرا التي رافقت الحجاج والتجار والجيوش. ومن نتائج تلك المجاعات ارتفاع أسعار الحبوب وموت الناس والدواب والنزوح نحو المدن والتسول والفناء من شدة الجوع حتى قدر الناصري في الاستقصى أن نصف المغاربة ماتوا جوعا. 

ومن نتائج ذلك أيضا تلاشي مداخيل الدولة بسبب انهيار التجارة الخارجية وعجز القبائل عن دفع الضرائب فكثرت الاصطدامات واللصوصية وزحفت القبائل الجبلية على المدن.

2- مصيبة 1867-1869

سببها الجفاف والجراد والغلاء والكوليرا. وقد تسببت في كساد حرفي وفي القضاء على الثروة الحيوانية وفي فراغ بشري كبير، كما تسببت في فرض ثقل ضريبي على الأحياء، وذكر الناصري أن الناس باعوا أثاثهم وحليهم بالبخس، واقترضوا بفوائد فاحشة. وقد اقتصرت المعاملات التجارية على الحبوب والخبز واستفادت البرجوازية الفاسية باحتكارها الأقوات والمتاجرة فيها. 

3- كارثة 1878-1883

وسببها قلة الأمطار وانتشار الكوليرا (كانت العامة تسميها بوكَليب، لأن لون المريض يتقلب أي يتغير بسرعة) والتيفوئيد واحتكار الأقوات والانهيار النقدي، وقد تسببت في موت ما بين ربع وثلث سكان المغرب.  

خلال المجاعات أكل المغاربة الخروب والنبق والبلوط وورق الأشجار وإيرني (جذور نباتية بيضاء اللون يتم طحنها لصنع خبز شديد المرارة)، كما أكلوا السمك والجراد والحمير والخيول والكلاب والجيف ولحم البشر. 

وقد تسببت تلك الجوائح في موت العلماء واطر الدولة والفلاحين والحرفيين، في الارتداد عن الدين وفي القضاء على المعارضين للسلطة. استفاد المخزن من أموال المنقطعين الذين لا وارث لهم وسهل التسلط على العقارات. واستفاد موظفو المخزن والأعيان والفقهاء والأجانب من القروض. وقد انتشرت اللصوصية والبغاء وبيع ووأد الأبناء، وقد كتب قنصل أوروبي يدعى ماثيوس “لقد نزل الخراب بعدد كبير من الفلاحين الذين اضطروا خلال المجاعة إلى طلب القروض بفوائد عالية لشراء الدقيق وقد باع الناس للزوايا نفائس ما يملكون بأرخص ما يكون” ص305.

 لقد غيرت هذه الفواجع مسار تاريخ المغرب وخلفت تلك المجاعات دروسا راسخة في الوعي الجمعي المغربي، فالمغاربة يجتهدون ليحولوا أي نبات إلى وجبة، فالفقر يجعل الناس حاذقين كما يقول ميكيافيلي، لذا احتاط المغاربة لتقلبات الزمان، كانوا يطمرون القمح في حفر، لم يكونوا يبيعونه، يعيرونه، بيع القمح عيب، ثم لا قيمة للنقود ما دام الخبز غير موجود، القمح هو المعاش، وهو غير قابل للتداول. أفضل دعاء مغربي هو “الله يعطيك ما تاكل”، وعندما يريد المغربي نصح نفسه بالصمت يقول “الثمرة لفمي”، ومن أسوء الشتائم وصف شخص ما بأنه “جوع”، وهذا معناه أنه نحيف وقبيح، والجوع نقيض السمنة، وكل ما لا يرد الجوع لا يغني ولا يسمن، وقد ورد لفظ الجوع في القرآن خمس مرات وغالبا ما قرن بالخوف والعري، لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر كما قال المفسر. والمغاربة يعتبرون السمنة علامة على الخير، المرأة الجميلة ليست الرشيقة الهيفاء الطويلة القامة، هذه معايير أوروبية تجعل الحمية وسيلة للجمال، الذوق المغربي يقدر المرأة العجزاء وليس الهيفاء، لذا فالرجل المغربي عندما يتحدث عن المرأة الكاملة يستخدم يديه ليبين موطن الكمال الذي يعنيه، وهذا الكمال علامة على الشبع، والشبع مرادف للفرح، فمعدة مملوءة تجعل القلب سعيدا، والمغاربة يقولون “عندما تشبع الكرش تقول للرأس غنّ”. هذه وظائف الشبع، لكن للجوع وظائفه أيضا، فقد قال ملك مغربي “جوع كلبك يتبعك”، بمعنى أن للجوع وظيفة تطويع الشعب، ليعلن ولاءه وإخلاصه، وفي هذا احتياط ممن قد يشبع فيثور، والمغربي يقول لشخص ساخط أو سليط اللسان “هل شبعت؟” ويقال أن الشبع يسبب الكسل. 

رغم تلك المجاعات الناتجة عن قلة القمح، فإن الكثير من الوجبات المغربية تستخدم السميد مثل الكسكس والبسطيلة والرفيسة والمرشوش والملوي والحرشة، وجل هذه الوجبات يكثر فيها الإدام، المغاربة يقدسون الإدام، حتى الشواء يدهنونه بالزبدة. وقد حصل أن الغذاء في إحدى الدورات التكوينية كان عبارة عن ثلاثة ديكة محمرة في كل صحن، حين بدأ أحد المشاركين الأكل رفع الديك الذي أمامه ثم وضعه خائبا، المشارك يريد أن يغمس الخبز في الإدام، لم يجد المرق لأن الديكة محمرة في فرن كهربائي وليس في طنجرة مملوءة بالزيت، فالمغربي لا يشبع إن لم يغمس، وقد بينت انتخابات سبتمبر 2007 أن المغاربة يصوتون ببطونهم، بدليل أن الأثرياء الذين “دفعوا الطعام” قد دخلوا البرلمان مطمئنين، أما السياسيين الذين دفعوا الخطب فقد خسروا خسرانا مبينا.

وسبب هذا الاختلاف ناتج عن تجاهل رواسب الجوع في الوعي الجمعي المغربي، في سنوات الجامعة، كان الرفاق ينفرون من المطالب الخبزية، كانوا يحلمون بمطالب سياسية عالية، لكن هذه المطالب تبددت فأصبحوا مجبرين على تدبير المطالب الخبزية، من دقيق وزيت ولحم وشاي وسكر وحليب وعدس ولوبيا، وهذه موضوع سخرية، كانوا يرددون في الكلية “انهض للثورة والثأر”، وفي الحي الجامعي يصبح الشعار “إنهض للوبية والغمس” فهذا شعب التغماس. 

لكن المتعلمون المتبرجزون يترفعون عن الخوض في هذه الأمور التافهة، يشترون خبز السميد من مخابز تقدم عجائن متنوعة، مخابز تبيع قرص ملوي بدولار، لكن هذه التفاهات الخبزية تفرض عليهم نفسها كل يوم، فمنذ الاستقلال وهم يرفعون شعار الاختيار الثوري، لكن الاختيار الخبزي يسجل عودة مظفرة هذه الأيام، ففي مصر مات شخصان بسبب الزحام في صفوف انتظار الحصول على الخبز، موريتانيا على أبواب المجاعة، في المغرب، وقبل انتخابات 2009، تلاشى النقاش السياسي لصالح الجدل الخبزي، صار الأكل غاليا ويقال أن بركته قلت، الحكومة تمن على الشعب بدعم ثمن الخبز، سيكتشف المحللون السياسيون أن الشرعية الخبزية أهم من الشرعية الديمقراطية، فأي حكومة لا توفر الخبز لشعبها لا شرعية لها حتى لو انتخبت ديمقراطيا، كيف سيحصل حسني مبارك على دور إقليمي إذا لم يوفر “العيش”؟ كيف سيجلب المغرب السياح إن لم يطعم أطفاله أولا؟

الزعيم الأوحد في الشرعية الخبزية هو فيديل كاسترو، فقد وفر لشعبه تعليما وتطبيبا وغذاء وحرمه من الهاتف النقال. في المغرب الهاتف النقال متوفر، لكن الغذاء مكلف رغم أن المغرب بلد فلاحي حسب مقررات الجغرافيا في المدارس، وهو بلد لا ينتج ما يأكل.

الجوع المغربي الحالي لا يقتل، لكنه يخلف آثارا فزيولوجية ونفسية وسياسية. فزيولوجيا، يؤدي نقص وسوء التغذية إلى سهولة انتشار السل والتوفويد وبوحمرون والكوليرا وطبعا ضعف المناعة لدى المسنين والأطفال أساسا، فأنصاف الجياع يمكن لموجة برد عابرة أن تقتلهم. نفسيا، الجائع لا يثق بنفسه، تركيزه يقل، يشعر بالدوار وتزيد لديه ضبابية الرؤية، ينصرف اهتمامه لتدبير الطعام بكل الوسائل، وخاصة الدنيئة. سياسيا يعتبر الجياع الديمقراطية مجرد ترف وثرثرة، يتجاهلون الانتخابات، وإن اهتموا بها فلتدبير منافع فورية. والأخطر أن الحقل السياسي يعاني من كل الآثار السابقة، فهو هش، متقلب كحالة الطقس، وهو بلا منطق ثابت، مناعته ضعيفة أمام أي نعرة تطرف، تسوده الانتهازية وضبابية الرؤية، إنه حقل سياسي جائع، يعاني من أنيميا مزمنة.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.