الأنثروبولجي حسن رشيق: هذا ما قاله لي والدي عن مصائِب عصره. [عودة إلى زمن والدي]

- الإعلانات -

في هذا الوقت من الأزمة الصحية 23/3/2020 ، تذكرت ما قاله لي والدي عن مصائب عصره (1926 ، 1940-45):

كان عمر الوالد ستّ سنوات عندما ضرب داء الجذري القرية سنة 1926. و لم يكن أهل القرية يقبلون الغرباء المصابين بهذا المرض. فكان هؤلاء يلجؤون إلى المقبرة، و كان بعضهم يظلّ هناك إلى آخر نفس في حياته. وبالمقابل، لم يحدث أن طُرد أحد من أهالي القرية المصابين. يتذكّر الوالد التّلقيح المضاد للجدري الذي كان يقوم به أحد موظّفي الصّحة الفرنسيين. و لا يزال أثر هذا التلقيح، الذي كان أوّل اتّصال له مع فرنسي و مع الطّب الحديث، واضحا على ركبته. و كانت سنة 1926 أيضا سنة جفاف و مجاعة. فالعديد من العائلات التي لم تعد تملك ما به تسدّ رمقها، هجرت القرية ليلا خوفا، أو على الأصّح تجنّبا لما قد يلحقها من عار إن رآها أحد. كان النّاس يمشون على الأقدام في اتّجاه المناطق الأقل تضررا. و كان هناك آخرون، ضعاف جائعون، يصلون إلى القرية. يصف والدي هذه المشاهد اليومية حيث كان الغرباء، و هم يقاومون الموت، يتوسّلون السّاكنة، و هم ينوحون : “أعتقوا الروح”. و بسبب القحط، كان العديد من البؤساء يتقاسمون جبأنية عصيدة من الشعير. و الحال هذه، كانت قرية والدي ميسورة نسبيا، و كان النّاس، رغم العوز الشديد يجدون ما به يسدّون رمقهم.

كانت منطقة سوس تشكّل تاريخيا بؤرة إيكولوجية لوباء الطاعون. ففي سنة 1940، تمّ التعرف على العديد من المساكن المصابة (ريفي، 1992، ص 94 – 97). فقد انتشر وباء الطاعون المعروف باسم “الولسيس” في القرية ما بين سنتي 1940 و 1945. و من المعلوم أنّ الطاعون يظهر أوّلا عند الفئران التي يتضاعف عددها إثر محصول جيّد. و من تمّ ينتقل إلى الإنسان عبر لسعات براغيث الفئران. و يتميّز هذا الوباء بظهور دملة أو مجموعة دمل (عقدة كبيرة الحجم) متقيّحة، قد تكون تحت الإبط، و في أعلى الفخد، أو في ثنيته. لقد كان أمرا لا يحتمل، و أنا أسمع وصف أطراف الجسد المتضررة و المتعفّنة. و كان الطاعون يكشف عن نفسه أيضا من خلال الحمى الشديدة. و كان الشخص المصاب يهذي و يصبح تقريبا في دائرة المجانين. و مع هذا الوباء، سكن الرّعب القرية. و لم يعد لأحد الجرأة ليستسقي ليلا. إذ كان يتراءى له في كلّ مكان أشباحا و عفاريت تخترق برؤوسها السماء.

لم تكن المراقبة الصحية تتجاوز عزل القرية المعنية. هكذا تمّ وضع ممثل للسلطة المحلية في القرية. و كان عليه أن يصرّح بالمرضى الذين نُقلوا إلى مستوصف متواجد بسوق الثلاثاء، على بعد عشرة كيلومترات. و كان هذا المستوصف يُسيّر من طرف طبيب فرنسي. و قد تمّ ترحيل ابن الشيخ و عائلته إلى هذا المستوصف. و كان رجل السلطة يعقّم المنازل، و يغلق أبوابها بحواجز (زرب). و كان أهالي القرية يظلّون أحيانا أكثر من شهر دون أن يتمكّنوا من الذهاب إلى السوق. و لكي يسدّوا حاجاتهم من اللحوم، كانوا يلجؤون إلى “توزيعت”، و هي مؤسّسة تقليدية تسمح بتزويد ساكنة الجماعة باللحوم الطرية. فهؤلاء يشترون البهيمة جماعة، يذبحونها تمّ يقطّعونها أجزاء متساوية توزّع حسب نسبة مساهمة كلّ فرد. و قد كانوا يلجؤون لنفس الطريقة لمساعدة كلّ شخص من أهالي القرية تكون بهيمته محكوم عليها بالموت بسبب حادث ما.

كان الوالد يعتقد أنّ العدوى قد أصابته. فزيادة على الحمى الشديدة، كان يحسّ  بوجود دملة في عضلة ذراعه. غير أنّ مرضه، و دونما استبعاد حدوث استشفاء طبيعي، كان عابرا. و قد أقعد المرض معلّمه أيضا لمدة ثلاثة أيام. و كان ذلك هو الحدّ، لآنّ المريض الذي يتجاوز ثلاثة أيام، يُقال عنه أن لا أمل في شفائه. لم يكن النّاس يحصون أمواتهم، إذ حدث أن تشتّتت عائلات بأكملها. و الوالد نفسه، فقدَ العديد من أقاربه، منهم أخته سنة 1943، و والدته سنة 1945.

و خلال نفس المرحلة، كانت المنطقة بأسرها تعرف، على غرار البلد بأكمله، عوزا شديدا. تلك سنوات تقنين الاستهلاك. كان كلّ شيء يخضع للتقنين، بدءا من الثوب و السكّر المدقوق (سكر أسود لا يرغب فيه أحد) إلى مسحوق الحليب…كان الأغنياء و الأعيان يستحوذون على الثّوب. و قد كان للوالد فرصة الاستفادة ثلاث مرّات من ثوب بطول أربعة أمتار. و كان هناك شخص تابع للقايد هو من يتولّى لائحة تضمّ أسماء العائلات و حجمها. و كان كلّ عضو في العائلة يتلقّى، حسب العرض، 900، أو 800، أو 500، بل و حتّى 250 غرام من الطّحين. و قد تمّ تكليف والدي مرّات عدّة بهذا التّوزيع. و كانت مثل هذه الأمور تخلق أوضاعا يصبح فيها كلّ الناس، و حتّى يتمكّنوا من العيش، شركاء في خديعة جماعية. هكذا، كان أمرا جاريا أن يدفع شخص ميسور السّعر الإجمالي لحصّة يأخذ نصفها، و يهب النّصف الباقي لأحد الفقراء.

مقتطف، من كتاب : حسن رشيق، عودة إلى زمن والدي، النّكبات مقاربة أنثروبولوجية ص 50-52، ترجمة عز الدين العلام، جامعة ابن زهر، 2014.

تعليق 1
  1. AHMED NAOUI يقول

    ذ رشيق المحترم ما قلته صحيح عاشه والدك ،لكن إذا أردت التفاصيل الموثقة فارجع الى كتاب ذ لمؤرخ البزازامين بعنوان :تاريخ المجاعات والأوبئة بالمغرب خلال القرنين 18 و19 لترى تفاصيل أكثر عما حكاه المرحوم والدك وبالوثائق الناذرة. وأخبرك أني شخصيا الان بصدد قراءة هذا الكتاب ،وعرض أحذاث الأوبئة على صفحتي في الفايسبوك AhmedNAOUI، لهذا أدعوك أستاذ لتتبع هذه الحلقات الشيقة والحجر الصحي بالمغرب أو ما كان يسميه أجدادنا ( (الكارنتينا ) أو الربعينية وأن الان في الحلقة الثانية – تحياتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.