صحافة البحث

فيلم بائع الأدوية للإيطالي مورابيطو: الربح هو كل شيء والصحة سلعة.

- الإعلانات -

بائع وسيم أنيق مُتعجّل في عمله، مهمته إقناع كل مشتري بأن الدواء الذي يعرضه للبيع هو الأفضل إلى أن يكتشف بالصدفة أن اقرب الناس إليه يستهلكون ذلك الدواء. هكذا يقدم فيلم – “بائع الادوية” Il venditore di medicine 2013 للمخرج الإيطالي أنطونيو مورابيطو – سوق الصحة في إيطاليا. 

لكل شيء ثمن، العرض والطلب يضع القوانين، المرضى مجرد زبناء يجب أن يشتروا. هكذا يقدم الفيلم المشهد وهو مزيج من التوثيق والتخييل على خلفية قضية مثارة عالميا. 

يعكس الفيلم قدرة المخرج على إمساك لب اللحظة الحارقة في إيطاليا اليوم. هناك انتقاء للحدث الدال الذي يراكم التوتر. بذلك أمسك المخرج أزمة مجتمع بكامله وهو يحول الصحة إلى سلعة دون وعي بالمخاطر. ساعتان إلا ربع من التوتر المبني خطوة خطوة والمتفرج يتبع حقيبة تتسكع في المدينة… حقيبة بائع يجب أن يلتقي أكبر عدد من الزبناء…

بفضل حذقه يتمكن الممثل الكبير كلاوديو سانتا ماريا من النجاح والحفاظ على وظيفته في التنافس الشرس بين البائعين والأطباء السماسرة.  ينجح لكن كل ذلك الخراب يرتد على حياته الشخصية، على علاقته بزوجته. صار حبه وأولاده خاضعين للعرض والطلب.  

 وقد عرض الفيلم ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان سينما المؤلف بالرباط والممتد بين 29 يناير و5فبراير 2016.

تمكنت الكاميرا المحمولة (في وضعية تبئير داخلي) من رفع توتر المتفرج وجعله يعيش نفس توتر الشخصية الرئيسية. يصور المخرج بطله في أمكنة ضيقة، بين جدران أشبه بنفق. ويزيد قرب الممثل من الكاميرا من توتر المتفرج. فكل حركة من يده تبدو كأنه تتجه لوجه المتفرج. 

حتى لحظة الأكل صورت بطريقة متوترة لأن الفرد لا يحصل على لحظة راحة. يأكل في أسرع وقت، لا يمضغ فتتضرر معدته. 

لقد ادى الممثل الكبير دوره دون ارتجال ودون تذبذب المستوى. حسب ممثل في الفيلم كان هناك شهر من تجارب التصوير قبل بدء التصوير الفعلي. النتيجة هي أن الممثل الرئيسي في توتره، كل انتباهه مع هاتفه. فهو عالمه. سكن منطق الشركة قلبه وعقله، شعاره هو “المال الطبيب الدواء”، بالنسبة له الحياة مغامرة والإنجاب مغامرة. يرفض ان تنجب زوجته وهي في سن الخامسة والثلاثين… إنها أزمة الإنسان البائع التي سبق لإيليا كازان أن عرضها في فيلم “التسوية”.  

 تقول شركات الدواء للناس بأن الصحة هي كل شيء، لكن في السوق الربح هو كل شيء. على كل طبيب أن يدمج أدوية الشركة السخية معه في كل وصفاته. تريد شركة تصنيع الأدوية مقابلا لرشاويها لا يقل عن أحد عشر ضعفا، لذلك تعمد للإغراء والبحث عن نقط ضعف الأطباء لبدأ المساومة والابتزاز أو تقديم رشاوي عينية وهي رحلات فنادق فخمة وعاهرات وسيارات للأطباء المطيعين… وهكذا تضمن الشركة ربحا أكبر بإشعال تنافس شرس بين موظفيها. وهي تستغني عن من تعب. 

تلقي به كحمار توقف عن جر عربة. 

أنت أيها القارئ البائع هل تعبت؟ ماذا تبيع؟ هل يفيد أم يضر؟ وكيف تقنع نفسك بما تفعل؟ 

لا مكان لهذه الأسئلة لدى البائع، المهم ان يطيع مديرة التسويق وهي تصرخ لأن الأرباح قلّت. لذا على كل موظف أن يجري أكثر من غيره،من كثرة الضغط فقد بطل الفيلم البوصلة، وصارت حياته تشبه دهاليز مرآب سيارات مظلم تحت عمارة عملاقة. وهذه الحفرة هي الاستعارة الأولى في الفيلم، الاستعارة الثانية لفئران جائعة في مختبر وأمامها أكل مكهرب.

 إما أن تموت جوعا أو تتكهرب. 

في الأخير تتوتر ويفترس بعضها بعضا. 

ينطبق ذلك على تنافس موظفي تسويق الدواء…

لا تهم صحة الناس، المهم هو الربح. لقد تمت السيطرة على أطباء القطاع الخاص وجار ترويض أطباء القطاع العام. الفساد في الفيلم  هيكلي وليس فقط فساد تفاحة واحدة في صندوق سليم. الفساد في كل مكان، وهذا ما يتأكد حين يحضر  بائع الأدوية حملة انتخابية لمرشح يعد بأن يحارب الفساد. البعد السياسي حاضر في الفيلم الإيطالي، والسياسة جد متصلة بالحياة الشخصية. لذا فالفساد يدمر الدولة والفرد، وقد فهم البطل ذلك حين اكتشف ان صديقا مريضا يأخذ أدوية شركته فصعق.

هذا البائع، وكل بائع سمسار لا يزعجه موت الغرباء. لكن الدواء الذي يبيعه حطمه هو وزوجته وصديقه.

 لا يمكننا أن نؤذي الآخرين دون أن نتأذى.

 الأذى لا يتجزأ.

عندما ينزف عدوك فأنت تنزف أيضا. لا يوجد أذى مربح.  

السينما الإيطالية حية قوية. وأحفاد فيليني يتبعون نهجه، بوسائل محدودة وميزانية صغيرة وقوة إبداعية وممثل موهوب وقصة متماسكة ولمسة سياسية عميقة… يمددون عمر الواقعية الجديدة.