نور الدين الزاهي: السوسيولوجيا والتوجه نحو المجتمع في غليانه.

- الإعلانات -

لا يمكن اختزال المجتمع ببنياته وصرعاته وحركيته، فوقية كانت أم تحتية، في الصراعات ذات الأساس الإقتصادي الإنتاجي. بل إن المجتمع بقدر ما تسوده علاقات القوة المبنية على أنماط إدارة وتوجيه المصالح الاقتصادية، تسوده كذلك وبنفس القوة علاقات المعنى، مثلما أن رهانات الصراع الاجتماعي لا تستهدف المصالح الاقتصادية فقط بل أيضا أنماط الشرعية. 

يعتبر السوسيولوجي بيير أنصار أن سؤال علاقات المعنى وكذا سؤال الشرعية المرتبطة به، قد شكل النواة الأساسية لتيار كبير وجديد في مجال العلوم الاجتماعية، موضوعه هو البحث في الممارسات الرمزية، اما خلفته النظرية تمكن في الإنزياح عما سطرته ورسخته الماركسية من اعتماد على مقولة، في آخر المطاف، تقود دائما إلى النزعة الاقتصادية في التفسير والتحليل ويعتبر نفس الباحث كل من جوروج بلاندي وآلان تورين وبيير بورديو من بين أعمدة هذا التيار والذين فكروا المجتمع عبر الكشف عن الدور الكبير الذي تلعبه الثقافة بشكل عام والممارسات الرمزية والتخيلية بشكل خاص في بلورة وتشكيل أنماط الصراع والدينامية داخل المجتمعات المعاصرة وليس العتيقة فقط. 

يبرز تحليل العلاقات الاجتماعية بأدوار ومفاهيم جديدة من مثل الرأسمال الرمزي وحقل الإنتاج الرمزي والعنف الرمزي… إن رهانات الصراع الاجتماعي ليست اقتصادية محضة مثلما أن إنتاجات الأفراد والفئات الاجتماعية للتمثلات والأفكار والصور وممارستهم للطقوس والشعائر لا تنم عن موسوم بالضلال والخطأ والانحراف، بل إن الأمر يتعلق بإنتاجات رمزية حاضرة في صلب هاته الصراعات، بل إنها ما يثبت أن علاقات القوة غير مفصولة عن علاقات المعنى. 

تريح الأيديولوجيا الأفراد  مثلما تنزاح نحو تحويل ممارساتهم الاجتماعية إلى ممارسات شرعية في وجه جماعات أو طبقات أخرى، ولأن العلاقات الواعية هي بعد أساسي من الممارسة الاجتماعية، فإن الصراعات والمواجهات الإيديولوجية هي مواحهات واقعية لأجل ترسيخ الشرعية وليست انحرافا بالصراع الاجتماعي نحو مناطق موهومة. 

في سياق الاهتمام العام العام بالحركات الاجتماعية، يرسخ ألان تورين الزحزحة التي مارسها بورديو على مقولة الاقتصادي محدد في آخر المطاف، والتي سيطرت لمدة طويلة على العلوم الاجتماعية، وذلك عبر إرساء تصور للمجتمع تحتل فيه الثقافة والثقافي موقعا أساسيا. يدور السؤال الأساسي لهذا السوسيولوجي حول الفعل الذي يمارسه المجتمع على ذاته وعلى كيفيات اشتغاله الخاص، وذلك قصد تطوير ذاته وتجاوزها. الأمر الذي مفاده أن المجتمع ينتج ذاته بفضل قدرته على إنتاج حقله الاجتماعي والثقافي الخاص. ولأجل بيان فعل القدرة الذاتية للمجتمع على إنتاجه الذاتي لآليات اشتغاله وكذا لتاريخيته الخاصة، يقترح تورين ثلاثة مكونات أساسية مترابطة وإن متمايزة تخترق العلاقات الاجتماعية، أولها مكون التراكم، وثانيها نمط المعرفة، وثالثها النموذج الثقافي.

يقصد بالأول جني منتوج العمل المنجز تحت رقابة الطبقة المسيطرة، وبالثاني مجموع المعارف مثل العلوم، والثالث يعني صورة المجتمع حول إبداعاته. وإذا مكان المكون الأول يستحضر الاقتصادي، فإن المكونين الآخرين يستحضران الثقافي سواء في البعد المعرفي العلمي أو في البعد الاجتماعي والرمزي العام. يتجلى حضور الثقافي ضمن العلاقات الاجتماعية في كون رهانات الصراع الاجتماعي ليست قائمة فقط حول إدارة وتدبير الملكية، بل إنها قائمة وبشكل أساسي وتدبير ومراقبة التاريخية، بما هي مراقبة للفعل الذي يمارسه المجتمع على ذاته وعلى ممارساته الثقافية والاجتماعية، وكذا نوعية ووجهة هذا الفعل.

تكمن أهمية هاته السوسيولوجيا في فتح باب البحث في المجتمع على منافذ ظلت مهملة وغير معتبرة بل مبعدة. وبفضلها يقول بيير أنصار تم التوجه نحو المجتمع في تحولاته وإبداعاته. أي تم التوجه نحو المجتمع في غليانه حسب جورج غيرفيتش وابتكاراته التحليلية، الأمر الذي يضع موضع شك التغيرات المفروضة والمهدمة للدينامية الاجتماعية. 

لم تعد الآفاق الرمزية والدلالات الجمعية والمضامين التخيلية مجرد استهامات متعالية على التاريخ والمجتمع لا تنتج سوى في لحظات الضعف والعجز الواقعيين، بل أصبحت معترفا بها بوصفها متخيلا اجتماعيا معبرا عن علاقات بالتناقض والحركية متخيلا قابلا للوصف والتحليل. لقد أصبح المجتمع وديناميته لا تتمحور فقط على توسيع حق الملكية بل أيضا حول توسيع التاريخية وأسس الشرعية. وهو ما جعل رهانات علاقات القوة والسيطرة لا تنفك عن رهانات التحكم في أسباب ومصادر انتاج المعنى، وكذا كيفيات تصور المجتمع لذاته. هاته المكتسبات التي لم يكن ممكنا للتصور الوضعي والماركسي بين نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين أن يأخذها بعين الاعتبار، تستدعي، كما يقول ميشيل مافيزولي، ضرورة إحداث سوسيولوجيا المتخيل. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.