صحافة البحث

“جوق العميين” سنوات البراءة والقمع بعين طفل عاشق +(رابط الفيلم).

- الإعلانات -

  بعد أربع سنوات عن فيلمه الطويل الأول “براق” يعود المخرج المغربي محمد مفتكر بفيلم “جوق العميين” الذي حصل على جائزة أحسن إخراج وأحسن موسيقى في الدورة السادسة عشرة للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة فبراير 2015. وقد جلب الفيلم الاهتمام لأنه يحكي ظواهر فردية تصنع حكاية مجتمع. فبفضل نفس روائي في السرد تمكن مفتكر في السيناريو الذي كتبه بنفسه من تشبيك مصائر الشخصيات بتفاصيل صغيرة دالة. وهذا التشبيك هو سبب لحمة وتماسك التغيرات والتحولات في الفيلم. 

يُحكى “جوق العميين” من وجهة نظر طفل يعيش ضمن أسرة عبارة عن فرقة موسيقية من الذكور العميان تحيي الحفلات الشعبية. وهذا تمرين إجباري لغض البصر يعفي الراقصات من الحرج. ففي عهد الفصل بين الجنسين، كانت الرقابة شديدة على النظر. يحتاج المجتمع جوقا موسيقيا من العميان ليطمئن الرجال على نسائهم. 

بين الموسيقى والرقص والعشق نكتشف قصة أسرة ممتدة. قصة تستعيد غراميات السطح ثلاثية الأبعاد للأب والعم والابن. قصص مركبة في قصة واحدة تتقدم بسلام. لكن في لحظة إفلات عين البصاص من الرقابة تقع الكارثة. تتدحرج الشخصيات نحو لحظة الحسم في غفلة منها. إذ تقع صدفة واحدة فقط فينكشف الموسيقي العاشق وكل ما يلي ذلك مبرر. تشكل الخيانة لحظة الحسم… ينكسر الحب ثلاثي الأبعاد دفعة واحدة. وهنا تتكشف فوائد وخسائر العيش في أسرة ممتدة تترابط فيها المصائر. 

 رغم كثرة التصوير الداخلي فقد يسرت طبوغرافيا ديكور البيت وطوابقه عمل الكاميرا.  ولم يبخل المخرج على فيلمه على مستوى الكاستينغ. فهناك يونس ميكري الخبير. محمد الشوبي الساخر. المرحوم محمد بسطاوي الحاضر بقوة. ماجدولين الإدريسي اللعوب ومنى فتو في صمتها المقهور عميقة ومؤثرة. وطبعا الممثل الظاهرة فهد بنشمسي الذي أدى مؤخرا دور المترجم في فيلم “القناص الأمريكي” لكلينت إيستوود. يؤدي بنشمسي دور يساري مندفع في سبعينات القرن الماضي. يتحدث ويأكل ولا يعمل. يُنظر للرفيق كديكور في البيت وهو معجب بالراقصة الحنون ويعبئها لتناضل رغم أميتها. يعيش معها رومانسية عرجاء وهي تنفض الغبار عن الكتب الحمراء وصور ماركس. مع ذلك يحرضها الرفيق على وضعها الطبقي لتثور فورا. لا يتورع الرفيق عن تحريض الطفل أيضا. 

الفيلم مزيج بين الفني والتاريخي. يشد المتفرج بعمقه السوسيولوجي، خاصة في عرض صورة المدرسة، حين كان التلميذ يحمل دفترا وكتابا واحدا يسمى “التلاوة”. كان ذلك عصر الإيمان المطلق بالمدرسة العمومية المغربية. حينها كان الالتحاق بالمدرسة عيدا. كان حدثا فرديا له بعد وطني. كانت سلطة المُعلم مطلقة وكان يربي ويُقوّم ويحاسب، يمنح النقطة ويحدد رتبة كل تلميذ في الفصل الدراسي لحفز المتنافسين. 

الفيلم مشبع بالمفارقات والاستعارات. يتضح أن للنبيذ الرخيص (الروج) دور كبير في تاريخ المغرب سواء في كان قارورة أو في إبريق للتمويه. نتتبع صمت مغني بين امرأتين، واحده توبخه وتحتقر فنه وثانية تقدره وتعانقه. ضابط متكبر يتزوج راقصة شعبية… إنها كوميديا الموقف التي تحمي المتفرج من الضجر. كوميديا مصبوبة في قصة متماسكة وليست عبارة عن سكيتشات متجاورة قسريا. كوميديا لم تنمّط الشخصيات للإضحاك كما يجري في الكثير من الأفلام المغربية. 

تخترق المفارقات الفيلم من أوله حتى آخره. من لقطات النهاية يتضح أن الطفل يحتمل أن يعيد سيرة عمه اليساري أكثر مما يحتمل أن يرث سر والده.

يحكي مفتكر في إحدى مداخلاته “تعاقد معي أبي كلما حصلت على نقطة جيدة يأخذني للسينما. لذا بالنسبة لي السينما هي التفوق”. يضيف لم أغفر لأبي أنه مات وسني أحد عشر عاما. كنت أحتاجه. إن فيلمي القادم هي تسوية حساب مع الأب. في فيلمي “جوقة العميان” تصالح مع الأب. 

الفيلم ثمرة لنهج مفتكر الذي يشتغل بأناة، يحاسب نفسه في كل لقطة لأنه يحترم المشاهد. فالسيناريو مكتوب كفسيفساء. يعكس جهدا يستحق الاحترام. كل فيلم يشبه مخرجه. 

يمكن مشاهدة الفيلم يومي 6 و7 أبريل 2020 على الرابط التالي:

https://vimeo.com/404421217/1272eee89a