صحافة البحث

[حوار].. نور الدين الزاهي: نعيش في زمن الجائحة معركة اليومي الذي يقتل برتابته وتكراريته.

- الإعلانات -

يتحدث السوسيولوجي نور الدين الزاهي في هذا الحوار حول كيف أن «التكبير والتهليل والصلوات والأدعية حق فردي، لكن التحريض بها على الموت الفردي والجماعي جرم أخلاقي، ذاك ما تشبعنا به». وأيضا يوضح كيف وقت الجائحة يدرسنا تجربة أن الموت ليس «ذاتا» وإنما هو موضوع، ذاته المفكرة هي المعرفة العلمية الطبية بكل أسسها العلمية البيولوجية والكيميائية، وليس المعارف الفقهية أو الكنسية. وفاعله الحي هم الفاعلون الاجتماعيون والمدنيون. تعلمنا كذلك أن الإصابة بالفيروس قدر لكن الموت لم تعد قدرا بل أصبحت اختيارا فرديا وجماعيا، للدول والشعوب…».

  • كيف تعيش الحجر الصحي بعد ظهور هذا الوباء الفتاك المستجد، وما هي قراءتك؟

اسمح لي بدءا أن أتحدث ولو قليلا عن الوضعية التي نعيشها جميعا كبشرية. نحن الآن أمام وباء ارتفع إلى مستوى الكارثة البيولوجية (جائحة). وباء لا يعرف أحد مبتدأه ومنتهاه، لا كيف حصل وكيف انتقل و عبر أية وسائط . وباء لا مرئي، سريع الحركة والتنقل والتوسع في الخفاء. هو وباء حامل لجميع خاصيات العولمة. وباء معولم موسوم بالسرعة في التنقل والقدرة الفائقة على عبور الحدود، لا يعرف أي تمييز اجتماعي أو عرقي أو ثقافي أو جغرافي أوجنسي أو عمري في استهداف الناس والإقامة في أجسادهم. وباء مسطح مثل العولمة، استطاع ومازال يفكك ويهدم كل مقومات وأركان وخطابات حضن أمومته (العولمة). فهل يتعلق الأمر بوباء قاتل بمساواته لظلم وتظلمات واستبدادية قياديي النظام العالمي المعولم؟ هل يتعلق الأمر بثورة مضادة للعولمة يقودها فيروس فتاك؟

غير الفيروس المعولم الخطاب حول جغرافية العالم. لا شمال ولا جنوب، بل مناطق موبوءة وأخرى غير موبوءة، دول متخاذلة في سياستها الحيوية ضد الفيروس والأخرى حازمة وحاسمة في خوض فعل مجابهته، مثلما انزاح بالمؤسسات السياسية والدينية إلى منطقة الهامش وجعل المؤسسات العلمية الطبية في المركز. العالم الآن قرار تدبير حياته يوجد تحت سلطة منظمة مدنية (منظمة الصحة العالمية) وليس للمؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية سوى دور تنفيذ خططها وخطط رجالاتها ونسائها، وضمان تنزيلها ماديا وقانونيا وعمليا إن رغبت في ضمان بقائها وبقاء شعوبها. السياسة الآن تدبر كسياسة حيوية بالدرجة الاولى وليس كسياسة للرأسمال. أكبر اقتصادات العالم يعيش الآن «حكرته» أمام «هاته الثورة المضادة» غير المحسوبة وغير المرتقبة وغير العاقلة وغير الناطقة وغير الخاضعة وغير الساكنة …لا موقع سلطة وتحكم لجلالة الكبر والعظمة في الحياة والرأسمال والتكنولوجيا العسكرية .. فالسلطة الآن للأصغر في الصغر وللامرئي داخل اللامرئي .نحن كبشرية نحيا الآن خارج التاريخ (وليس الزمن ) والأديان، بعيدين عن بلاغة صراع الحضارات، كلنا يعيش اليوم يومه ولا يعرف غده. اليومي الآن هو تاريخنا المشترك.

الوباء في شكله الحالي حدث كبير بلغة المؤرخين، شبيه بالحروب والمجاعات والخرابات الكبرى، لذلك فهو يمتلك القدرة على الانتزاع والانتشال. ينتزعنا وينتشلنا جميعنا من تاريخنا الطويل والعريض المشترك والخاص، ليقذف بنا في اليومي الصغير والضيق والقصير. نعيش كلنا عسر الانتزاع العنيف والمباغت، وكأننا فطمنا قبل الأوان، وبعدها نعيش شتات الانتشار في الوعي والحركة و العلاقات والكلام داخل مرحلة انتقالية قصيرة الأمد. كيف سنعيش؟ كيف سنحيا؟ كيف سنرتب علاقتنا بالزمن داخل زمن جديد؟ كيف سنرتب علاقتنا بالمكان والجسد واللغة والأقارب والأصدقاء واللحظات والضرورات الحياتية؟ أسئلة الوجود والحياة والموت والخوف والمشاعر والحب والكراهية … تنبعث في سيلانها وتدفقها المتواتر داخل الوعي وفي حركات الجسد. داخل حياة الانتقال من يومي تكراري وأليف وروتيني وآمن ومنظم واجتماعي واضح .. إلى يومي مغاير مقلق وغامض ومخالف، نكتشف أننا محافظون حتى العظم وإن كنا من طلائع المناشدين والعاملين على التغيير.

يومي الحياة في ظل هذا الوباء المعولم أصعب وأشد على كل المحافظين، وعلى كل من يعتقد أن الموت آتية من الزمن القادم (حينما نولد نكون قد كبرنا بما فيه الكفاية لكي نموت، مارتن هايدغر). الموت ليس قدرا، ومن يحيون اليوم يومه (اليومي) يعيشون ذلك. حياة العزل والحجر هي ما يميز يومي فيروس كورونا.

الآن ندخل ونلج يومي كورونا، يومي آخر بزمنية أخرى تفرض، أبينا أم لا، قواعدها. فاليومي طبقا لكل الكبار الذين فكروه (ميشال دي سيرتو، مافيزولي، لوفيفر، جورج بلانديي، هايدغر…)، سواء كيومي اجتماعي أو يومي حروب أو يومي مخيمات .. يمحو الحدث، ويغلف ويقنع ويسكت التواريخ الكبرى. إنه، حسب تعبير بلانديي «شاشة كبرى تتوسط الفرد والموت، الرمزي والفعلي». لذلك يصف نفس المفكر العيش في اليومي «بمعركة اليومي». اليومي عادة ما نصفه، مثل فيروس كورونا، بكونه قاتل (اليومي يقتل برتابته وتكراريته ..). نعم إنه يقتل في حالة ما غاب بوصفه «شاشة» تتوسط علاقات الفرد بذاته وبالزمن والآخرين. نعم إن اليومي يقتل بألفته الأليفة (نألف نفس الأمكنة ونفس الأوجه ونفس الطقوس ونفس الحركات ونفس السكنات ..) لكن، حسب هايدغر، المعرفة تقتل الألفة الأليفة القاتلة.

العيش في يومي الوباء، نحياه جميعا في حجر طبي مشترك، وبعضنا يحياه داخل مهنته ومقرات عمله، كل في كوخه الفعلي أو البديل. وفي عزلته وسط أسرته، إن كان صاحب أسرة، أو وسط أشيائه المحيطة به إن كان وحيدا أووسط زملائه. وكلنا يخوض معركته اليومية الصغيرة لتأمين مؤونة وعاطفة ومشاعر وكلام وحركات العيش اليومي. وكلنا يبعث من تحت الرماد «فينيقه» الصغير الملون بالرماد كي يعبث مع وبالألفة الجديدة (استهلاك الخبر والنكتة والفيلم واليوتوب والمكالمات والقراءة والبحث والطبخ والأحاديث ..). لا أحد أفضل من الآخر، بل نختلف فقط، حسب وضعياتنا، ورساميلنا الرمزية، في تدبير معركة اليومي داخل فضاءات الحجر.

  • ماهي الدروس والعبر التي استخلصتها الدولة والمجتمع من هذا الوباء؟ هناك مجموعة من الخرافات والبدع والظواهر الشاذة التي انمحت داخل المجتمع المغربي، ماهي السبل التي يجب اتباعها للحيلولة دون عودتها؟ 

العبور من يومي إلى يومي آخر مغاير يخلخل كل ما كان عاديا وساكنا ومستقرا، لدرجة يجعل من اليومي الجديد عبارة عن فعل خروج من اليومي والعادي إلى «ما فوق اليومي والعادي»، إلى «الخارق» extra-ordinaire.

هذا «المافوق» و«الخارق» لليومي المعتاد هو البعد الثقافي الذي يكشف عن اختلافية الأفراد والمجتمعات في العبور من يومي إلى آخر، وكذا تبرير وتفسير وتأويل عملية الانتقال والعبور تلك . في مجتمعنا، والمجتمعات التي نتقاسم معها كثيرا من أسسنا الثقافية، اللغوية والدينية والطقوسية والقدسية، يبدو العبور خارج أفق اليومي المعتاد عبورا نحو «قيام الساعة» ونهاية عالم الدنيا واستشراف عالم الآخرة. حينما تهدم قوة الحدث، وتجلياته المأساوية، الحياة اليومية العادية، وحينما لا تكون محفزات علل وجود الحدث كامنة مدبرة من طرف الفاعل البشري، مثلما هو عليه الأمر مع الفيروس – الجائحة، يسهل العبور من الاجتماعي إلى الميتا- اجتماعي، ومن اليومي إلى الميتا –يومي، للتبضع واقتناء كل مشتريات الصلاح(الصلحاء والأولياء) والمهدوية (نسبة إلى المهدي المنتظر) لخوض معركة قائمة في اليومي.

تقدم مقتنيات وبضائع المتخيل القدسي أفضل العروض لزبنائها (بحكم بساطتها وسحريتها) في تحقيق الانتصار على كل الجوائح والأزمات كانت فردية أو جماعية، مثلما تؤمن لهم نفسيا على الأقل مراكب النجاة وربح رساميل الدنيا والآخرة.

لا يستوجب الأمر في وضع كهذا من الباحثين، على الأقل، وصم من يستهلكون بضائع مماثلة، بل مراقبة ومتابعة الكيفية التي يستغل فيها هؤلاء الزبناء من طرف «العارفين» الفرادى والتنظيمات الدينية السياسية، لتجييشهم ودفعهم نحو القتل الخاص (إماتة أنفسهم) والقتل العمومي (إماتة الآخرين). يتعلق الأمر في هذا المقام بالتجارة والمتاجرة الرمزية والثقافية في «الموت المقدس».

تدرسنا تجربة هاته الأيام من يومي كورونا أن الموت ليس «ذاتا» وإنما هو موضوع، ذاته المفكرة هي المعرفة العلمية الطبية بكل أسسها العلمية البيولوجية والكيميائية، وليس المعارف الفقهية أو الكنسية، وفاعله الحي هم الفاعلون الاجتماعيون والمدنيون. تعلمنا كذلك أن الإصابة بالفيروس قدر لكن الموت لم تعد قدرا بل أصبحت اختيار فرديا وجماعيا، للدول والشعوب، على الرغم من كل إكراهات عدم العدل الحاصل في خوض معركة اليومي ضده بين مكونات البشرية جمعاء. التكبير والتهليل والصلوات والأدعية حق فردي، لكن التحريض بها على الموت الفردي والجماعي جرم أخلاقي. ذاك ما تشبعنا به يوما بعد يوم تجربة العيش في يومي فيروس كورونا. السعي وراء المعلومة العلمية الطبية وتعميمها فرديا وإعلاميا، تجربة التملك الجماهيري الواسع للمعرفة الطبية العلمية لم نعشها من قبل، مثلما لم نعش كبشرية جمعاء تحت ظل سلطة منظمة مدنية واحدة، يقودها عالم إفريقي من إثيوبيا، بلد الألف وجع والألف وباء.

سؤالنا وسؤال العالم الآن هو العلم ومنجزاته، والعلم لا يمكن إنتاجه وغرسه خارج مجال التربية والتعليم، مثلما لا يمكن غرس التربية والتعليم في مجالات اجتماعية مهترئة وسياقات سياسية عمياء. يبرز المدني سلطان فعاليته الآن في استمرارية الحياة، مثلما تبرز جلالة الاجتماعي في ترسيخ استمرارية العيش المشترك، عبر تلاقح المسؤولية الفردية والجماعية على الذات والذوات الأخرى .

  • سقطت مجموعة من المفاهيم والقيم أمام جائحة كورونا، وبرز العلم/الطب، ماهي قراءتك؟

تتحدث وسائل الإعلام الوطنية في كل العالم عن الوضع الحالي بكونه وضع أزمة، وفي ظله يجب الانضباط لكل ما يصدر عن الدول ومؤسساتها، والالتزام بالحجر والتباعد الاجتماعي. كل ذلك لمحاصرة تفش أكثر للفيروس.

نعم، نحن كبشرية في وضع أزمة، لكن الأزمات، وخصوصا من هذا النوع، لا تخلق فقط «التأزمات» والاختناقات والاحتقانات، بل إن أيام يوميها تستنهض طاقاتها على التربية والتنشئة المغايرة لأيام اليومي الذي اندحر تحت ظل قوة الحدث. الآن الكل يخوض فرديا أو جماعيا تجربة التربية على التغيير الاجتماعي، سواء تحت ظل الخوف أو الزجر أو الاقتناع والتطوع. تجربة التربية على المساواة وعلى المسؤولية الفردية، وعلى علاقات السلطة المؤسسة على الانضباط عوض القمع، وعلى الفردانية القاتلة للأنانية (الفردانية المواطنة)، وعلى العطاء النبيل، وعلى نبذ وحشية الاحتكار، وتوحش الغنى، والتسامح مع القريب والغريب، وعلى ضرورة القراءة، ومتعة الفيلم، والحذر من التهور، والعناية الصحية بالجسد، وتقديم الخدمة من دون مقابل (العطاء النبيل) … تجربة تظهر أن إمكانيات التغيير الاجتماعي قائمة لدى كل الفئات والمجتمعات. نعم علينا كلنا الانضباط لأمر الحجر الطبي، وعليه سنعيش عزلتنا عن الآخرين، لكن كيف يدبر المجتمع إعادة بنائه للصلات والروابط الاجتماعية التي لا يمكن لأي مجتمع أن يحيا بدونها، بحكم كونها أس كل وجود اجتماعي؟

تخضع المجالات العمومية لقاعدة التباعد المجالي. (لا أعرف من ابتكر جملة التباعد الاجتماعي لكي يقصد المسافة المجالية؟؟، فالتباعد الاجتماعي هو تمييز وتمايز اجتماعيين) الأمر الذي لا يعدم إمكانيات التواصل الاجتماعي، لكن في المجال الخاص نحن محجور علينا كأسر.

إننا داخل الأسرة وأصبحنا تحت ظل هذا الحجر نعيش وجها لوجه كجماعة صغيرة. لا تعيش الأسر في يومي كورونا نفس الصلات الاجتماعية التي كانت عليها قبل ذلك. إنها صلات مغايرة من حيث تقسيم العمل، واقتسام المسؤوليات وتشارك القرارات وتبادل المحكيات وتدبير النزاعات والضغوطات ودمقرطة توزيع الفضاءات .. وهي بالموازاة مع كل ذلك مدرسة بالمعنى الكامل للمدرسة ( تتعلم الأسر الآن مع أبنائها وفي نفس الآن تراجع صورتها عن القيمة الاجتماعية للمدرسة . فالمدرسة لا تعلم فقط بل تتقاسم مع الأسرة زمنها الاجتماعي وعبئها التربوي). الأسرة هي حضن ترسيخ وتثبيت أو تجديد وتغيير الروابط الاجتماعية، و في ظل استضافتها للمدرسة فإن فعاليتها التربوية في فعل إعادة صياغة الروابط الاجتماعية ستكون أكثر ارتفاعا ونجاعة . تعيش الأسر الحالية خارج القبيلة وطقوسها، والقبيلة ليست لا بالنموذج المثالي ولا الوحيد للصلات والروابط الاجتماعية، وتتعود يوما بعد يوم على الاكتفاء بأفرادها وتدبير حاجياتها وتنظيم تواصلاتها مع الأقارب، وهو ما يجعلها تعيش تجربة قيمية واجتماعية مغايرة سيصعب عليها بعدها التخلي عنها نهائيا وكذا استدماجها كليا، على اعتبار أنها ستغادر سلطان عشها الصغير لتجد نفسها في فضاء المجتمع الواسع. هو المأزق الذي يفترض تفكيره جديا وجماعيا بعد هاته التجربة بكل دراميتها وآفاقها ومكتسباتها. فلحظات هاته الأزمة المغايرة قد تفتح أبواب ممارسة التغيير بكل عفوية وتقدير.

  • عاد بقوة مفهوم المواطنة والتضامن والتماسك واضمحلال الغنى الفاحش والأنانيات الفردية؟

يحكي عالم الاجتماع الفرنسي المميز مارسيل ماوس في بحث له عن «الهبة» كيف كانت المجتمعات الأولية تقاوم انبعاث التمايزات والفوارق الاجتماعية داخل كياناتها الناتجة عن تراكم الثروة واحتكار الثروات. وكان أن اكتشف داخل الممارسات الاجتماعية لهاته الجماعات ما نعته وسماه «بالإنفاق النبيل». الإنفاق النبيل أساسه الهبة أو «الهدية» أو العطية «الصغيرة أو الكبيرة الخاضعة لقاعدة الحرية في العطاء دون انتظار المقابل أو الرد وكذا الإلزام في الرد عليها بهبة مقابلة من طرف من تلقاها.

حرية العطاء والإلزام الأخلاقي في الرد قواعد تجعل الثروة تتحرك وتدور داخل الجماعة والتضامنات تحافظ على قوتها، والتفاوتات الاجتماعية تتأسس من دون ان تفقد قواعدها الأخلاقية.

قواعد أخلاقية تمنع توحش الربح والرأسمال والاحتكار .. وتشرع لتقديم الخدمة للآخرين من دون أن يكون هنالك مقابل. هو ذا ما تنقشع غيمته في ظل يومي كورونا، ونراه في مجتمعنا ونسمع عنه في كل العالم. «إننا أمواج متعددة في بحر واحد»، وبناء عليه أصبحت تطرح ضرورة فعل الإنفاق النبيل « على كل الدول المالكة للثروة والعلم والتقنية والإمكانات البشرية المتخصصة . إنفاق المعلومة والتجربة والهبات لتفادي غرق العالم بكل بشريته. الإنفاق النبيل لم يعد جملة لمارسيل ماوس بل حركات اجتماعية وجمعوية عالمية ومحلية تهب تجاربها ووقتها وإمكاناتها، وترافع لأجل ترسيخه، والآن بدا أن على الدول أن تنخرط في مسار هاته الحركات، وقد لاح انخراط الكثير من الدول والأثرياء والشركات في هذا الفعل منذ أيام. الإنفاق النبيل ممارسة اجتماعية مواطنة، موسومة بالتطوع والهبة والعطاء والخدمة التي لا تخضع لمنطق سوق الاقتصاد والمال. ممارسة جعلتنا تجربة يومي كورونا نراها هنا وهناك في بلدنا. بدءا برجال ونساء الصحة والتعليم والنظافة وقطاعات أخرى (أقول هذا لأن كل هؤلاء يشتغلون الآن كموظفين فعلا وكأجراء لكن بجهد مهني وعاطفي وجسدي مضاعف وبنفس الرواتب)، وانتقالا إلى مقاولين وأفراد يهبون خدماتهم وممتلكاتهم الخاصة لتدعيم الفعل الجماعي في مواجهة معركة يومي الوباء. شباب يتطوع لتقديم خدمة السخرة لمن يعجزون عن التنقل، وآخرون يجمعون مؤونة القفة أو يتفقدون ساكنة أحيائهم من المسنين. وفتيات يهبن أنفسهن للحجر الطبي في معاملهن كي يضاعفن من إنتاج الكمامات الطبية، وآخرون يهبون أنفسهم للحجر الطبي داخل السجون…

إنه منطق الإنفاق النبيل والذي رفعت درجته تجربة العيش في يومي الوباء كي يصبح مرئيا أكثر، ومعه درجات الأمل ليس فقط في محاصرة الوباء البيولوجي بل في الانخراط داخل تجربة التربية على التغيير الاجتماعي الجماعي.

في علم الاجتماع نقول، ليس المرض من يقتل بل المجتمع، ومعنى القول إن الأمراض مهما ارتفعت درجات مخاطرها وتنوعت طبائعها تبقى في نهاية الأمر ظواهر اجتماعية معقدة ومركبة، أو بلغة مارسيل ماوس ظواهر اجتماعية كلية. الأمراض قد تقتل لكن الوصم قد يكون قتله أشد، الحجر الطبي يفترض العزل الطبي المميت نفسيا لكن العزل الاجتماعي قد يكون موته أقسى وأشد. العلاج العضوي قد يحصل لكن في غياب سياق اجتماعي يحتضنه تنتفي فعاليته وديمومته.

وإذا ما كان الأطباء يوصوننا بالانضباط واحترام الحجر الطبي والمسافة المجالية بوصفها المداخل الكبرى لكل شفاء عضوي فإننا نضيف إلى ذلك، من باب التكامل وليس التعارض، كون الإنفاق النبيل والتربية على التغيير الاجتماعي والفردانية المواطنة وإعادة بناء الروابط الاجتماعية خارج منطق القبيلة والتسلط وتوحش الرأسمال تشكل المداخل الكبرى للخروج الاجتماعي من يومي كورونا، وخلق الحدث الاجتماعي الذي بإمكانه محو زمنية يومي الوباء.