صحافة البحث

“أفراح صغيرة” للشريف الطريبق فن تلصص الكاميرا على عالم النساء +(رابط الفيلم).

- الإعلانات -

عرضت القاعات السينمائية المغربية خلال ربيع 2016 عدة أفلام وطنية دفعة واحدة، ثلاثة أفلام فلاحية كما تدل على ذلك عناوينها وهي “البقرة” و”الديك” و”دوار كونيكسيون” وفيلم واحد مديني هو “أفراح صغيرة” للمخرج الجاد الشريف الطريبق. وهو فيلمه الطويل الثاني في مسار المخرج بعد فيلم “زمن الرفاق” 2009. فيلم يثبت فرضية أن كل مخرج يريد أن يكون فيلمه اللاحق نقيضا للسابق. الدليل أن المخرج ترك عالم الجامعة والنضال والسياسة واعتقل الكاميرا في فضاء مغلق ليحكي حياة ارستقراطية المدن العتيقة التي حافظت على تقاليدها حتى منصف القرن الماضي. أرستقراطية مترفة تتغنى بالعراقة والتفرد بينما نضال المغاربة ضد الاستعمار الفرنسي في 1955 يشتد. ولا إشارة واحدة لهذا السياق لأن المخرج يقدم فيلما تاريخيا في غرفة. 

روى المخرج سيرة نفيسة (أنيسة لعناية) وهي مراهقة يتيمة تعبر إلى مرحلة الشباب. تضطر لمرافقة أمها المغنية للإقامة لدى إحدى سيدات المجتمع التقليدي. ترتبط نفيسة بعلاقة غامضة بحفيدة ربة البيت… عندما تعرف الحفيدة (فرح الفاسي) أن نفيسة ستتزوج تتدهور العلاقة لتنكشف أشياء حميمية.  

اشتغل المخرج على الشخصيات الرئيسية والثانوية بنفس القوة وهو ما وفر حبكات صغرى كثيرة تدعم الحبكة الرئيسية. شخصيات غنية وليست أحادية، وهذا ثمرة الاشتغال على السيناريو لوقت طويل. وقد حصل الفيلم في الدورة السابعة عشرة للمهرجان الوطني بطنجة مارس 2016  على جائزتين. جائزة السيناريو وجائزة أحسن دور نسائي ثاني للممثلة فرح الفاسي. تتلصص الكاميرا على حميمية النساء في مجتمع مغلق. هناك أجساد جائعة في الحرملك. نكتشف من خلال الغوص في المشاعر حالات إنسانية عميقة حول مظاهر التمزق خلف الأسوار السميكة التي توهم بأن من يعيشون داخلها محميون ويشعرون بالأمان. الأسوار التي تحمي قد تخنق أيضا.   

في الفيلم إدارة ممثلين صارمة. لا يفعلون ما يريدون. نرى فرح الفاسي في أحسن أداء لها وهي ممثلة موهوبة لها جسد لا يكبر مع الزمن. مازالت فرح بمائها لم يعصرها أي مخرج مغربي ليدفعها إلى العالمية. وقد وفر لها المخرج الشريف الطريبق فرصة للظهور في دور مختلف.

 حصل الفيلم أيضا على جائزة النقد لأحسن فيلم في المهرجان واستغرب بعض النقاد عدم فوز “أفراح صغيرة” بالجائزة الكبرى التي ذهبت لفيلم “مسافة ميل في حذائي” للمخرج سعيد خلاف وفيه يغطي حضور الممثل أمين الناجي جل نقط الضعف. “مسافة ميل في حذائي” فيلم ذي الحبكة المفككة، فيه تنوع فضاءات وتركيب أغرى رئيس لجنة التحكيم المتفلسف نور الدين أفاية. في “أفراح صغيرة”. لم يخرج طريبق من الغرفة، لو خرج ليصنع التعدد في الوحدة لكان أفضل. فيلم “أفراح صغيرة” ظل مخنوقا في فضاء ضيق.

تجري الأحداث بمدينة تطوان شمال المغرب وهي المدينة التي استقبلت الأسر الأندلسية ورسخت ممارسات متميزة في  اللباس والرقص والزفاف والطبخ واللهجات المناطقية والموسيقى الأندلسية وهو ما هدد الفيلم بالسقوط في طابع فولكلوري خاصة وأن المخرج استخدم مقاطع موسيقية ليكسر بها سرد الأحداث مرارا. في بداية الفيلم ظهرت الموسيقى ضرورية لأن هناك حفل زفاف. لماذا بقيت الفواصل الموسيقية تظهر لاحقا؟ الأغاني توقف السرد. 

ارتبطت الموسيقى الأندلسية في ذهن المغاربة بالشاي والحلويات صبيحة العيد والمشكل أن هذه الموسيقى الفولكلورية ليس لها بعد درامي. في النصف الثاني من الفيلم توقف الموسيقى السرد وتوقف بلت تعرقل استثمار المخرج للممثلين لتقديم الأفضل. وقد ظهر ذلك جليا في أداء فرح الفاسي، فقد كسرت المقاطع الموسيقية المقحمة السرد الحالة الذهنية التي تتولد لدى المتفرج مع تقدم الاحداث. كلما دخل المتلقي في مزاج الفيلم أخرجته الموسيقى من النسق الدرامي. 

لتجاوز التيمات الفولكلورية ركز المخرج على الصورة، وقد جاء الفيلم جميلا بصريا حتى أن اللقطات تشبه لوحات معدة بعناية. لكن هذا الجمال لا يطمس نقط ضعف عدة منها اللاتوازن بين المشاهد الداخلية والخارجية. والسبب في ذلك أن المشاهد الخارجية في الأفلام التاريخية مكلفة. إذ يصعب بناء ديكورات المرحلة… والنتيجة أن التصوير الداخلي يصير مصيدة تضعف من المصداقية. ردا على هذا دافع المخرج محمد مفتكر (مخرج فيلمي البراق وجوق العميين) عن فيلم أفراح صغيرة قائلا “يجب محاسبة المخرج على منجزه بالنظر للأهداف التي حددها لنفسه. وبالنظر إلى أن الطريبق اختار تصوير حميمية النساء فقد نجح في خلق جو”. مخرج يؤازر مخرجا وهذا نادر وجميل. 

صور فيلم “أفراح صغيرة” بكاميرا تغض البصر لذا بقي موضوع الصراع في الفيلم غامضا. وقد تسبب الحرص على سينما نظيفة في ضعف وغموض دوافع الشخصيات. ومما زاد من ذلك النهاية المفاجئة والغامضة للفيلم. وقد فُسّر ذلك بنقص الجرأة والحرص على عدم الصدام مع البيئة الثقافية المحافظة. ردا على لومه على النهاية الباردة قال الطريبق “لا أستطيع أن أضغط على نفسي في فرض نهاية صادمة”.  

عادة يشتكي المتفرج المغربي من نهايات الأفلام المغربية. ليست نهايات منطقية سعيدة أو تعيسة. طيب لماذا لا تذهب قصة الفيلم المغربي إلى مداها؟

انسجاما مع البيئة المغربية التي لا تعرف الصدام. هناك هوس بالتوافقات. عندما يشتد الصراع، وقبيل شبر من الانفجار تظهر تخريجة. في اللحظة التي توضع فيها الأصابع على الزناد يظهر شيخ قبيلة أو زاوية أو يرتفع صوت الآذان فيستغفر المخاصمون الله ثم يلعنون الشيطان، يتوصلون لتسوية ويمدون اليد للقصعة. انتهى النزاع. تنعكس انتروبولوجيا التسويات على الأفلام المغربية ذات النهايات الرمادية.

رابط الفيلم:

https://vimeo.com/406331964/0bc9391764