[حوار].. نوسيو أوردين: كورونا عرى تناقضات النيوليبرالية التي أهملت أركان الكرامة الإنسانية.

- الإعلانات -

فرض الحجر الصحي الذي يخيم على العالم إجراء هذا الحوار مع المفكر والأستاذ الجامعي الإيطالي، نوتشيو أوردين، المزداد سنة 1958 بديامنتي، عبر تقنية «السكايب». يُعَرَّفُ على أنه فيلسوف القراءة، وصاحب كتاب «فائدة ما ليس مفيدا»، وهو بيان يدافع عن التعليم الكلاسيكي. يعتقد أن الأزمة الصحية التي يمر منها العالم، عامة، وإيطاليا، خاصة، بسبب تفشي جائحة كورونا على نطاق واسع، هي نتيجة للسياسة النيوليبرالية التي «أهملت ووضعت على المحك أركان الكرامة الإنسانية؛ الصحة والحق في المعرفة»، ويخلص إلى أن سياسيي زماننا أغبياء وجهلاء. 

  • على غرار المفكر والكاتب الأمريكي الأوروبي، جورج ستاينر، ألا تعتبرون أن «التعليم ذا الجودة الرديئة هو بمثابة القتل تقريبا»؟

أتفق في هذا مع صديقي العزيز ستاينر. لا أشك في أن الأزمة الحالية، التي وضعت رهن إشارة المدرسين التدريس عن بعد، تحمل في طياتها إغراءات من شأن الانسياق وراءها أن يقلص قيمة روح التعليم. فضلا عن ذلك، ليس لدينا ما يكفي من الأساتذة، وليس هناك ما يكفي من التمويل، وفوق هذا وذاك لا تحظى المدرسة بالاهتمام الكافي. لقد كانت الليبرالية الجديدة تنظر إلى الجانب الآخر عندما كان يتوجب عليها، في الحقيقة، الاهتمام بركنيْ الكرامة. 

كانت الليبرالية الجديدة تركز على الاقتطاعات المتوحشة من ميزانية الصحة، والتي تضر بالمستشفيات، حيث لا توجد أسرَّة ولا وسائل علاج الحالات المستعجلة. دعنا نلقي نظرة على الولايات المتحدة الأمريكية؛ ما الذي يكمن أن يفعله الناس من أجل البقاء على قيد الحياة، حيث القطاع الصحي الخاص يعتبر الخدمة الوحيدة عمليا، وحيث فحص الكشف (عن كورونا مثلا) يساوي 20 ألف درهم، ما يعني أن الأغنياء هم الذين يشعرون بالأمان على حيواتهم، فيما ملايين المصابين لن يكون بإمكانهم التعافي لأنه لن يكون بإمكانهم الاستفادة من الرعاية الطبية. يجب الإقرار بأن الاستثمار في الصحة والتدريس يعطي دفعة اقتصادية هائلة للدول. 

  • يفهم من كلامكم، إذن، أن الأولوية تعطى للاقتصاد على حساب الحياة حتى في زمن الأزمة؟ 

هناك مؤشرات بديهية في هذا السياق. هناك نزاع بين الأسس المنطقية للاقتصاد والأسس المنطقية للحياة. فخطاب رئيس الحكومة البريطانية، بوريس جونسون، مثلا، يثير الهلع. في البداية، قال إن الفيروس قد يتسبب في الكثير من الوفيات، وفي النهاية، سيكتسب السكان المناعة. إننا أمام انتقاء طبيعي دارويني! الضعفاء يموتون والأقوياء يبقون على قيد الحياة! فكرة جونسون أشبه بمناعة القطيع المتنازع عليها علميا. نحن أمام انتقاء عرقي مثل النازية.

  • أقرّ وزيركم الأول (الإيطالي) والمستشارة الألمانية بأن هذه الأزمة هي أسوأ ما وقع منذ الحرب العالمية الثانية. هل تتفق مع هذا ومع ما يقال عن بلوغ «القوميات المفرطة» أوجها؟

هناك فرق؛ القومية المفرطة الراهنة مختلفة جدا عن تلك التي سادت قبل الحرب العالمية الثانية، كما أنه ليست لديها سلطة الليبرالية الجديدة التي تهيمن على العالم، والتي لا تستجيب فقط لردود فعل دولة واحدة. لهذا أُصرُّ على هذه الفكرة؛ فيروس كورونا المستجد عرَّى وكشف حدود الليبرالية الجديدة، إنه يكشف لنا تناقضاتها. لم يرغب جونسون في اتخاذ الإجراءات اللازمة -للحد من انتشار الفيروس- لأنه لم يرغب في وقف الاقتصاد. في المنطق النيوليبرالي، الاقتصاد أهم من الحياة الإنسانية. في سنة 1968، ألقى الرئيس الأمريكي جون كينيدي خطابا قال فيه: «للأسف، لا يقيس الناتج الداخلي الخام الأشياء الأكثر أهمية في الحياة. لا يشمل جمالية شِعْرنا، وذكاء نقاشاتنا العامة، وذكاء موظفينا». الإفراط في الاقتصاد يجعلنا نفقد معنى الحياة. 

  • هل تود القول إن حالنا سيكون أفضل بعد الخروج من هذه الأزمة؟

من يدري؟ إذا أردنا التغلب على الوضع والاحتفاظ ما تعلمناه، يجب ألا ننسى الشرور التي ضربت الإنسانية منذ القدم. رحى المعركة تدور بين الذاكرة والنسيان، وهنا تتجلى أهمية الأدب الذي لديه مهمة رسولية، حيث يعلمنا الكثير حول الماضي. يقرأ جيوفاني بوكاتشيو وساراماغو وكامي حول الأوبئة. القراءة هي التي تجعلنا نستشعر الخوف والعزلة والعجز أمام عدو غير مرئي، وموضوع كبش الفداء والمعاناة وفقدان الحرية والمدينة الشبح.

  • هذه معركة جيلكم، وجيل الشباب. هل تشعر بأن هناك مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقك باعتبارك مواطنا؟ 

أشعر بهذه المسؤولية بصفتي أستاذا؛ عندما تغلق المدارس والجامعات، عندما تنقطع العلاقة مع الطلبة، لا بد لنا من خيار الاستعانة بالوسائل الجديدة؛ التدريس عن بعد، للإبقاء على علاقة حية مع طلبتنا، لكنني أستشف خطرا يفرض علينا ن نكون حاضرين ونناضل، ونسمع صوتنا. بعض رؤساء الجامعات يقولون إنه لا وجود لأزمة، الموضوع يتعلق بمستقبل التعليم. يجب تأكيد أن الدرس الحقيقي هو ذلك الذي يلقى في القاعات، حيث يجري تبادل التجربة الإنسانية التي راكمنها نحن معشر الأساتذة والطبلة معا. لن يتمكن الحاسوب على الإطلاق من تغيير حياة طالب، لكن كلمة أستاذ يمكن أن تغير حياة شاب. 

  • هل سنحس بالحبور من جديد بعد الأوقات المظلمة، كما كان دعا إلى ذلك برتو لتبريخت؟

وحدهما الأخوة الكونية والوعي التضامني الإنساني يمكنهما جعل المجتمع أفضل والقضاء على الظلم واللامساواة. إذا كنا غير مبالين أو أنانيين، وإذا لم نكن متضامنين وكرماء مع الآخرين، لن نستطيع العيش في مجتمع أفضل، ولن يكون بإمكاننا الحبور والانتشاء والشعور بالسعادة. هذه هي نظرتي إلى العالم.. اليوم ليس لدينا اتصال مع الأبناء، ولا مع الأمهات، ولا مع الأشقاء؛ في عز هذا الجو من الانغلاق نكتشف أهمية الآخر في حياتنا.. نحن لسنا جزرا متباعدة عن بعضها البعض. 

هل تشعر بالخوف؟ 

لم أشعر بالخوف. أحسست بالكرب والمعاناة والقلق على الأشخاص الذين يوجدون في وضعية خطيرة. فكرت في أن والدتي التي تبلغ من العمر 84 عاما، قد لا تستطيع مقاومة أي إصابة محتملة بفيروس كورونا. فكرت في الشباب المصابين بأمراض أخرى، والذين يمكن أن يتعافوا ويعيشوا، لكن إذا أصابتهم عدوى كورونا قد يموتون. لم أفكر في الخوف، بل في تغير الحياة.. في هذه الهاوية التي تحيط بنا. كما يقول الكاتب البرتغالي والحائز نوبل للآداب ساراماغو، لقد أصبحنا عميانا لأننا لم نر الأنانية واللامبالاة التي تسود في المجتمع. هذا ما يعلمنا إياه فيروس كورونا؛ الذهول أمام المرض مثل ما يجري في رواية «العمى»، وفي رواية “الطاعون” لألبير كامو، والتي تروي هذا المشهد: «ما الذي يُتعلَّم خلال الطاعون؟ أن هناك أشياء في الإنسان تستحق الإعجاب أكثر من الازدراء». إننا نرى في عز الأزمة إشارات التضامن بين الأشخاص؛ أطباء تقاعدوا، عادوا للمزاولة من أجل علاج المصابين. أرى أشياء تجعلنا نتشبث بالأمل. الخطر هو أن ننسى الحاجيات الرئيسة للحياة. أستحضر هنا ما قاله ميلان كونديرا في كتاب «الضحك والنسيان»: “السلطة المضادة هي نضال الذاكرة ضد النسيان». وأنا أعتقد أنه إذا نسينا، سنعود إلى ما كنا عليه من قبل. على طول التاريخ، هيمن علينا النسيان في الكثير من المرات. ليس لدي أي يقين، ولا جواب، لكن ما أعلمه علم اليقين هو أنه إذا نسينا لن نكتنز ما تعلمناه. يمكن أن نسقط في زمن الأغبياء الذين كانوا في العصور الإغريقية القديمة ينشغلون حصريا بمصالحهم الخاصة بشكل متعارض مع مصالح المدينة (polis)، وهي الكلمة التي جاءت منها السياسة (política). 

حسنا، أنا أعتبر أن سياسيي اليوم أغبياء، ومتهورون، ليس فقط لأنهم يفكرون حصرا في مصالحهم الضيقة الخاصة، بل، أيضا، لأنهم جاهلون.. يجهلون أن الأفراد/البشر مترابطون فيما بينهم، كما تؤكد ذلك الأزمة الحالية بسبب فيروس كورونا.

حاوره خوان كروثن بتصرف عن «إلباييس»، ترجمة توفيق سليماني 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.