حسن رشيق يكتب: الوباء، العلاقة الاجتماعية ونمط التفكير.

- الإعلانات -

من غير الممتع الكتابة عن شيء غير مألوف، والأنكى من هذا جائحة تدمّر العالم. لكنني لا يمكنني أيضًا أن أفوت نوعًا من الشهادات الساخنة حول تأثيرات كوفيد-19 على العلاقة الاجتماعية والحياة اليومية للناس ونمط التفكير المصاحبة لها.

هذه أفكار مؤقتة وجزئية طرحتها كمواطن يحاول أن يتبع – ولا يلاحظ بالمعنى الأنثروبولوجي – ما يحدث، أي مواطن يحاول أن يكون منتبهاً لما يحيط به، مع حساسية أنثروبولوجي.

العادي يصبح خارقا للعادة

لنأخذ حياة الناس اليومية، وبما في ذلك حياتي. في الوقت العادي، لدينا عاداتنا. نحن نتولى أدوارا اجتماعية؛ دور اجتماعي يُفهم على أنه نسق للتوقعات، الحقوق والواجبات. إنه يشير إلى ما نتوقعه من الآخرين وما يتوقعه الآخرون منا. إنه يساعدنا على عدم طرح أسئلة على أنفسنا طوال الوقت لمعرفة كيفية التصرف.

ترتبط بعض الأدوار نسبيًا بالعلاقات الاجتماعية المنتظمة (الأم، الأب، المعلم، الطالب)، والبعض الآخر بالعلاقات العابرة (سائق التاكسي، الزبون). إنها مرتبطة بمفاهيم مختلفة، تقليدية، حديثة، ليبرالية، استبدادية. باختصار، نحن عادة نعرف التوقعات والمعايير مسبقًا ونحاول تلبيتها. وبدون ذلك، ستكون الحياة سلسلة من سوء الفهم.

في أوقات الأزمات، التغيير المؤلم، كما هو عليه الحال الآن، حيث تكون القطيعة مع جزء كبير من توقعاتنا المعتادة. فالقطيعة التي نعيشها تزيد من تعميق الأزمة. بعد تفشي الوباء، انقلبت حياتنا اليومية رأساً على عقب، وفرضت قواعد جديدة. كانت هناك مرحلة انتقالية، مليئة بالتردد وسوء الفهم، ورفض هذه القواعد، أو على الأقل التحايل عليها. لمدة عشرة أيام، فمن بداية مارس، ترددنا في السلام بمد اليد، القيام بالتقبيل أم لا.

مقطع مضحك حول غسل اليدين في زمن وباء كورونا

لقد عانيت هذه الترددات خلال اجتماع عمل. الزميلة التي تعيش في الخارج لم تتواصل مع أي شخص، لقد اكتفت، على عكس عاداتها، بابتسامة تعكس إحراجًا معينًا. يرحب بي زميل شاب من خلال التربيت على كوعي الأيمن. فاليمين كقيمة لا يزال قائما مع ذلك. والبعض يسلمون علي بمد يدمهم إلي، وآخر كان شجاعا وقام بتقبيلي قائلا: “أنا مغربي”.

بالطبع، تلاشت لحظة التردد هذه بعد أسبوع: طلبت السلطات العامة المختلفة من الجميع ألا يتصافحو بعد الآن (حتى في المسجد حيث جرت العادة على فعل ذلك بعد صلاة الجماعة) واحترام الابتعاد الاجتماعي. كان لا بد من ذكر القاعدة بشكل صريح وكتابتها لتجنب أي سوء فهم. يجب على الجميع أن يكونوا على علم بالقاعدة الجديدة، ويقبلونها، ويطبقونها.

وفي هذا الصدد، لا بد من القول إن التدابير المتخذة، التي هزّت المعتاد، كانت تدريجية: تعليق الدراسة، مباريات بشبابيك مُغلقة، حظر التجمعات التي يفوق عدد المشتركين فيها 50 شخصًا، تعليق المظاهرات الرياضة والثقافية، تعليق الصلاة في المساجد، تقييد الحركة، الحجر، تعليق المواصلات بين المدن…

إن ما يصعب على الناس اجتماعيا هو تعليق القواعد المعتادة، والتي تعتبر معالِم لهم. تعليق اللحظات التي تفسد حياتهم ودراساتهم وعملهم والمسجد والقهوة وزيارة الأقارب والأصدقاء والتمارين البدنية ومشاهدة مباراة لكرة القدم. يوم الجمعة لم يعد يوم الجمعة، ولا يوم الأحد. لم تعد عطلة “نهاية الأسبوع” لها معنى. لم يعد الوقت إيقاعيًا. بالنسبة للأغلبية، تتبع الأيام بعضها البعض بدون رأس أو عاقب.

ما هو عادي يصبح خارقا للعادة. ليس من السهل القبول بذلك اجتماعيًا. ويتطلب الأمر جهدًا فرديًا وجماعيًا للوصول إلى ذلك. لكن الصعوبة الكبيرة لا تكمن فقط في القطيعة من حيث الأفعال السلبية. والأصعب هو تبني معتقدات وسلوكات جديدة في مثل هذا الوقت القصير.

نعلم أن المعتقدات تستغرق وقتًا حتى يتم قبولها، وأن يتم استيعابها، وتعميمها، لتتوارى. ما نطلبه من الناس هو الاعتقاد في الحال. في بداية الحجر، واصل البعض لعب لعبة “الداما” في ساحة عمومية، وكرة القدم في مكان فارغ …

حين يطمس البراغماتي الرمزي

السؤال الذي يطرح نفسه هو كيفية التواصل لوضع معايير جديدة وقواعد جديدة في أسرع وقت ممكن وبأكبر قدر ممكن من الفعالية: اغسل يديك بشكل متكرر واحترم التباعد الاجتماعي في بلد حيث جزء كبير من آداب التحية عنده يمر عبر اليدين والخدين والمعانقة. 

الأوامر، المحظورات، التفسيرات التي يقدمها الأطباء، العلماء، الفنانون، الرياضيون؛ يبدو أن المعايير الجديدة لا تستمد شرعيتها من أقدميتها ولكن من أساسها البراغماتي. عليك أن تقبل الحجر الصحي وسلسلة العلاقات الاجتماعية التي تم تكسيرها. إن هيمنة البراغماتي هو الذي يطمس الرمزي.

مراسيم دفن ضحايا وباء كورونا بالمغرب

يجب التأكيد على أنه ليس كل شيء قطيعة. بل لوحظت أيضا الاستمرارية، وإلا فإن المجتمع سينهار. يمكننا أن نقول حتى أن بعض القيم اكتسبت زخما: زخم التضامن لوحظ على عدة مستويات. وكذلك لوحظت الإستمرارية السلبية: الإمدادات الأنانية والمفرطة من الغذاء، وعدم الاكتراث بالتعليمات الصحية، وانتشار الأخبار الكاذبة …

نمط تفكير تجريبي

هناك جوانب من الوباء تندرج تحت التقاليد الأنثروبولوجية، تلك المتعلقة بتمثلات الأمراض وتفسير المصائب. هناك نوعان من التفسيرات للمحن الفردية والجماعية. الأول يحدد الأسباب خارج المجتمع (الله، القدر، الجْنون). والثاني يبحث عن الأسباب داخل المجتمع من خلال تسليط الضوء على التوترات الاجتماعية والصراعات (السّحر والعين الشريرة). النوعان الاثنان يصنفان على أنهما سابِقان للمنطق، غير عقلانيان، غيبيان، على عكس المنطقي، العقلاني، والتجريبي.

وأما المصائب المنسوبة إلى الله فلدينا حالتان. في البداية، البشر طيبون، مُستقيمون، والمصيبة التي تُصيبهم ليست سوى اختبار لهم كمؤمنين. في الحالة الثانية، تقع المسؤولية على عاتق البشر وسلوكهم المنحرف. لقد سمعنا هذا النوع من التفسير، بدعم من بعض العلماء المغاربة، عندما ضربت أمواج تسونامي بلدان آسيوية في عام 2004 (متهمون بالبيدوفيليا…). 

حاليًا، واستنادًا إلى البيانات التي لدي، هذا النوع من التفسير هامشي. ففيديو يظهر رجالًا يرتدون زي نساء يغنون ويرقصون مصحوبًا بتعليق يتهمهم بأنهم سبب الوباء. فالنمط السائد للتفكير، على الأقل في المجال العام، هو التفسير التجريبي للوباء ووسائل الوقاية منه: العدوى، النظافة والتباعد الاجتماعي والحجر الصحي. 

يمكن أن يتعايش نمط التفكير هذا مع نمط تفكير ديني غير حصري: هناك من حث المسلمين بالاستغفار كي يرفع الله هذا البلاء، وهناك من دعا بعض الواعظين القيام بأدعية داخل منازلهم ودون إهمال الاحتياطات الصحية التي توصي بها الدولة. وقد بررت فتوى للمجلس العلمي الأعلى تعليق الصلاة في المساجد بـ”الضرر الفادح الناجم عن الوباء”. وهذا يتماشى مع مبادئ ومقاصد معروفة عند الفقهاء مثل الحفاظ على الابدان. هنا أيضا يسود البعد البراغماتي، الذي يضع مصلحة المجتمع فوق أي اعتبار.

 من الأفضل التواصل مع الناس واختيار الوسائل الأكثر فعالية انطلاقاً من ثقافتهم. كان من الممكن قراءة اللطيف في المساجد لو سمح السياق. وقد لجأ إليها الوطنيون الشباب بعد إصدار الحماية الفرنسية لما سمى بالظهير البربري سنة 1930. في حالة الجفاف، يتم الاحتفال بطقوس محلية لجلب المطر. دعت الدولة مراراً إلى صلاة الاستسقاء الجماعية. والمعروف أن معظم الطقوس التي تروم غاية مادية مباشرة وصريحة لها أبعاد اجتماعية ونفسية كتعزيز التماسك الاجتماعي والحد من قلق الناس.

لكن اللجوء إلى التراث الثقافي لا ينبغي أن يكون آليًا. في بعض الأحيان هناك معتقدات لها آثار ضارة بشكل واضح. خلال وباء الإيبولا، رفضت القرى في غينيا أوامر الأطباء والكهنة بالتخلي عن طقوس الجنائز، التي تتمثل في تقبيل المتوفى وتناول الطعام بجانبه. 

في المغرب، قبل أيام، كانت محاولات نادرة لمظاهرات جماعية قام فيها المشاركون بتلاوة التكبير أو أدعية مهملين مبدأ الابتعاد الاجتماعي. وقد تم حظر هذه المظاهرات فوراُ من قبل السلطات المحلية.

الإطار الوطني، الدولة الاجتماعية

بملاحظة ما يحدث في المغرب وأماكن أخرى، من الواضح أن الدولة الوطنية أصبحت الإطار السياسي الوحيد لإدارة الأزمة. أوروبا انكمشت الدول التي تشكلها. باستثناء المبادرات الأخيرة التي اتخذتها الحكومة الألمانية لإيواء المرضى، وإيطاليا توصلت بمُساعدة من الكوبيين والصينيين. 

في المغرب، يمكننا أيضًا التحدث عن إطار وطني ودولة اجتماعية. في هذه الحالة، ازدادت صلابة أدوار الموظفين المدنيين والمسؤولين عن تطبيق القانون والأطباء. إنهم معزولون عن عائلاتهم، وهم يعملون على الخطوط الأمامية مع كل المخاطر التي يمكن أن يتعرضوا لها. 

طاقم طبي خاص بمتابعة حالات الإصابة بكورونا فيروس بأحد مستشفيات المغرب

لقد تغير دور الدولة بشكل كبير. وعلاقة المواطن بالدولة؟ كيف أصبحت علاقة الثقة في الدولة ومؤسساتها؟ ألمح رئيس الحكومة بنفسه، في مقابلة تلفزيونية، إلى انعدام ثقة المواطنين الذين اعتقدوا، بعد إغلاق المدارس والجامعات، أن الدولة تخفي أشياء عنهم. مرة أخرى، سيكون من الصعب أن تطلب من المواطنين تغيير موقف متكرر إلى حد ما. 

ولكن في هذا الوقت من الأزمة، سيكون انعدام الثقة في الدولة ومؤسساتها أمرًا صعبًا. تتطلب التعبئة الجماعية الثقة في الدولة. على مستواي، لاحظت استمرار عدم الثقة، خاصة فيما يتعلق بخطورة الوباء ووسائل الدولة لمواجهته، ولكن أيضًا استعادة الثقة. المستشفيات التي عانت من انعدام الثقة تقع الآن على الخط الأمامي. وقد وجه لهم السكان تحايا جماعية عدة مرات. 

هذا يدل على أن الثقة هي موقف قائم أيضًا على اعتبارات واقعية وبراغماتية.  الدولة وأجهزتها في قلب الساحة، مرئية في الشوارع، في وسائل الإعلام. إن الدولة في قلب الحدث كفاعل اجتماعي أولاً. بشكل عام تم الحصول على الانخراط الجماعي لتعليمات الدولة.

من النادر في تاريخ أمة، أن تُترجم الأعمال الفردية والجماعية إلى أفعال جماعية على نطاق بلد بأكمله. ومن النادر أن تكون المصلحة المشتركة ذات معنى ملموس وقابل للتحقيق على الرغم من كل الاكراهات. آمل أن نستخلص الكثير من العبر ونتعلم الكثير من الدروس من هذه الأزمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.