صحافة البحث

فيلم زيرو لنور الدين الخماري: تجليات الواقعية المفرطة. +(رابط الفيلم)

- الإعلانات -

 بعد فيلمه الأول “كازانيغرا”، عاد نور الدين الخماري بفيلم جديد “زيرو”. كانت التوقعات عالية بناء على النجاح الجماهيري الكبير للفيلم الأول. وقد عرض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان مراكش دجنبر 2012، لكن ردود الفعل كانت ضبابية. أما وقد خرج الفيلم للقاعات السينمائية فقد  أتيحت لي الفرصة لأشاهده هذه المرة مع جمهور مختلف. جمهور كله شباب متحمس، بخلاف جمهور المهرجانات الذي يفحص ويحلل أكثر مما يتفرج. كانت قاعة الفن السابع بالرباط مزدحمة بجمهور فوق ست عشرة سنة. وهذا معطى في صالح الفيلم في وقت هُجرت فيه القاعات السينمائية. كالعادة لم يخيب الخماري ظن الجمهور. فقد حصل على فرجة وتفاعل مع اللقطات (بلغ عدد مشاهدي الفيلم في القاعات السينمائية الوطنية 127 ألف شخص في الثلاثة أشهر الأولى من 2013). 

ما مصدر الفرجة؟ 

العنف اللفظي في حوار كثيف كالمطر. وهكذا حصل الجمهور على ما يريده، حين يبصق الأب على وجه ابنه الشرطي وحين يدخل هذا دواء على شكل “قويلبة” في مؤخرة الأب يضحك الجمهور بشدة. أب مقعد كما في فيلم “كازانيغرا”. حينها بدأت اتابع مشهدين، على الشاشة وبجانبي. واضح أن هذا جمهور يستمتع بالقبح ويحتاج دراسة إكلينيكية.  

بسبب هذا ركزت وسائل الإعلام على لغة الحوار في الفيلم. هذه لغة لم تخترعها السينما. لذا، فللذين غضبوا من المعجم الجنسي ويطالبون بأفلام “نافعة”، للذين يرفضون مشاهدة فيلم فيه الكثير من القبل. للذين يريدون من الكاميرا أن تغض للبصر. لهؤلاء أقول لم يزعم لخماري أنه سيصور المؤمنين الذين ينطبق عليهم الحديث النبوي “ليسَ المؤمِنُ بِطَعّان ولا لعّان ولا فاحِش ولا بَذيء”… لم يدّع المخرج هذا حتى يحاسَب على خرقه. شعاره هو الواقعية. ثم إنه لا توجد كلمة في الفيلم لا أسمعها في الشارع يوميا. 

ما أزعجني في الحوار ليس معجم الجنس. بل كونه حوارا نمطيا مستهلكا. حوار فقير لا يكشف ولا يُضيف… مجمله لشخصيات توبخ بعضها البعض. شخصيات بئيسة بلا أفق تستحق الشفقة لا التعاطف. 

نعود للسينما. ونبدأ بالكادراج.

في إخراج الخماري نتحسس عمل الكاميرا بسهولة. على صعيد الكادراج تتابع لقطات تقتنص كتفي الممثل ورأسه. يتكرر وضع الضوء في مواجهة الكاميرا بدل أن يكون في صفها، هناك الكثير من لقطات فيرتيغو، على اسم فيلم ألفريد هتشكوك، وكان ستيفن سبيلبرغ أول من جعل تقنية فيرتيغو تشتهر في فيلم الرعب “أسنان البحر”. وفي هذه اللقطة تقوم الكاميرا بترافلينغ للخلف مع زوم للأمام، فيبدو الديكور خلف الشخصية كأنه يقترب من المتفرج. وقد استخدم لخماري هذه اللقطة حين مرور الزيرو في الشوارع. والهدف الدلالي من هذه الحيلة البصرية هو نقل الإحساس بالدوار، بالغثيان من الشخصية إلى المتفرج. المشكل أن تكرار اللقطة يفقدها مفعولها، وتصير مجرد كليشيه يهدف للإبهار التقني.  المخرج حريص على لغته السينمائية، يريد أن يجعل أسلوبه متميزا. لكن هذا البحث عن المحسنات البديعية في السينما خطر أيضا، خاصة عندما لا يكون هناك محتوى تخدمه الأسلبة. 

على صعيد السرد الفيلمي نرى الزيرو جالسا على كرسي خاص بالمقعدين وناظرا إلى للجدار، يستريح من تنظيف الغرفة التي سكنها والده لا رحمه الله. قصة كلها فلاش باك. تمشي للخلف. قصة سوداوية عن المهمشين صورت جلها ليلا. بطلها شرطي يبتز الناس. يمر على تجار المخدرات والخمور السريين، يأخذ إتاوة. يستخدم صديقته العاهرة طُعما لابتزاز زبنائها من الأغنياء.

هذه وضعية عرفناها في العشر دقائق الأولى. بعد ذلك لا يحس المتفرج أن هناك تطورا يحصل في الأحداث أو في مزاج الشخصية. لتطويل الفيلم أدخل السيناريست شخصيات ليست من صلب الحدث الرئيسي. نتتبع ريبيرتوار شخصيات يلتقي بها الزيرو في طريقه: مشردون. جريح ضربته زوجته ويكرر “ما كاين غير الحب”. عاهرة في حانة تكرر “تلاح”. سكير يردد “الله ينعل بو العالم”. طبيبة جميلة بحاجة إلى رجل، تعشق الشرطي ثم تعود لحبيبها السابق (الذي تشاجرت معه لمدة وجيزة كما حصل لصاحبة محل تجاري في فيلم كازانيغرا). امرأة تائهة. شرطي متقاعد. شخصيات نمطية، من كثرتها جاءت ضبابية سطحية بلا تفاصيل، وللتغطية على ذلك وضعت لها لازمة تكررها.  وطبعا أب فاحش لعان وشرطي “بوزبال” يسير حاملا قنينة خمر يشرب منها في الشارع. 

لا تحتاج القصص الاستثنائية كل هذا البؤس والعنف المنفلت. وحدها القصص الضعيفة التشويق هي التي تحتاج جرعة عنف وجنس إضافية للتغطية على خوائها. لذا يبصق الأب على وجه ابنه وينفخ الدخان فيه أيضا.   

ما الخيط الناظم بين هذه الشخصيات؟  

الصدفة. 

يمكن أن يلتقي السكير بعد العاشق وبعد العاهرة. لا مشكلة مادام اللقاء ليس ناتجا عن حبكة. لذا ضعفت الصلة السببية بين اللقطات. النتيجة: سيناريو بلا تماسك داخلي.  

لإخفاء بؤس القصة المفبركة لجأ السيناريست – المخرج للفلاش باك. لو سرد “قصته” خطية، وهذا ما يطلب في أي سينوبسيس لانكشف أنه لا توجد قصة. 

ملء الفراغ الناتج عن عدم وجود قصة كثّر. كيف تصنع ذلك؟ 

تذهب لشراء طماطم وفي الطريق تلتقي من درس معك في الابتدائي وفي الالإعدادي وماسح أحذية وتتغزل بفتاة وتشرب ماء في منعطف…. ثم تصل للخضار وتشتري الطماطم. النهاية. 

كيف سيأكل الجمهور هذه الخلطة؟  

في المناقشات الشفوية التي تلت عرض الفيلم تحدث الكثيرون تكرار خطاطة “طاكسي درايفر” 1976 لمارتن سكورسيزي.. وفي هذا الفيلم قرر ترافيس أن يصبح سائقا ليليا لأنه لا ينام في الليل. لماذا لا ينام؟ يزعم أن ملفه كسائق نظيف مثل ضميره. لكن كوابيس حرب فيتنام تطارده. مادام يسهر فمن الأفضل أن يسهر ويكسب النقود.أرهقه الروتين ووضاعة حياته، يتمنى هطول المطر لغسل حثالة وقاذورات المدينة. صار يبحث عن البطولة. يتعرف على المراهقة إريس (جودي فورستر) يعظها دون جدوى. يتتبع أكاذيب الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية فيزداد غضبه… في النهاية يقرر إنقاذ إيريس من مسار الدعارة الذي تغرق فيه. يهاجم ماخورا وهو مسلح وجاهز ليموت من أجل هذا. فيلم سكورسيزي مبني على عمق تاريخي هو نفسية الجنود الذين شاركوا في حرب فيتنام. وللجندي ترافيس هوية سيكولوجية متجانسة، ضميره يؤنبه وهو يقنع المتفرج ليتعاطف معه. 

قصة الزيرو لا تتوفر على هذا التماسك السببي بين الأحداث. ففيها نرى شرطيا يزيد دخله عن 700 دولار شهريا يعيش وضع بروليتاريا رثة ويتعامل فقط مع الطفيليات الاجتماعية… مخدرات دعارة تسول إدمان. ولزيادة دخله يقوم بقوادة صديقته لابتزاز الزبناء. يجلب عاهرة لوالده. فكيف له أن يدافع فجأة عن الشرف؟ هنا يظهر أنه لا سيطرة للسيناريست على هوية الشخصية. إذ كيف يصير شرطي فاسد ثوريا فجأة؟ لا رابط بين الأمرين. وهذه شقوق في هوية الشخصية. 

وقد انعكس الارتباك في هوية الشخصية على اداء الممثل. ممثل وسيم بلا روح، بلا مزاج مميز كما كان الأمر لدى عمر لطفي وأنس الباز في كازانيغرا. طلب منه المخرج أن ينظر للكاميرا بشكل غاضب، وقد بالغ وقلب شفتيه ليؤكد على شدة الغضب. توجد جرعة غضب مفتعلة. صار الممثل منفرا بدل أن يحصل على التعاطف.

وهذه نتيجة الإصرار على الواقعية. على اللاخيال. أهلا وسهلا بالواقعية. المخرج حر فيما اخياره. الأمانة للواقع. بذلك لا يرى بالمعالجة الفنية للواقع. فماذا كانت النتيجة؟

تصوير سطحي تبسيطي للواقع بحوار استهلك وكأن الألفاظ الجنسية تصنع الفرق. وقد كان الهدف من تنميط الشخصيات هو إضحاك الجمهور.  هذه وصفة لتحقيق مردود تجاري لا فني يتسبب التكرار في تنميط الإبداع وإفقاره. فيلم “الزيرو” نسخة باهتة من “كازانيغرا”. الوقوع في البؤس الشديدmisérabilisme  لدغدغة مشاعر الجمهور بشعبوية فقيرة. 

للتذكير، الفن هو مختبر لمقاربة الواقع. يتسلم الفنان الوقائع مادة خام ويصهرها ليصنع منها تحفة مصقولة. والنار الإبداعية التي تصهر الواقع الخام هي الثقافة العميقة والخيال الواسع. في غياب هذين تكون القصص بئيسة. فيها شخصيات غير متناسقة. معروضة بارتباك. ليست الوقائع هي التي تقرر جودة القصة بل طريقة عرضها.  

نور الدين الخماري ليس قصاصا وكتب القصة والسيناريو. يمكن تعلم كتابة السيناريو. لكن لا يمكن تعلم القص. هذه ملكة تنمو وتتطور في زمن طويل. وهذه وجهة نظر غابريل غارسيا ماركيز في كتابه “ورشة سيناريو. 

 لكي يتجلى البؤس الدلالي “لقصة” لخماري أشير لفيلم “الزفت” للمثقف الكبير الطيب الصديقي. والزفت مقتبس من مسرحية “سيدي ياسين في الطريق”. وفيها تأتي الدولة بمشروع تعبيد طريق. رسم المهندسون مسار الطريق فاتضح أنه يجب هدم ضريح سيدي ياسين لتمر الطريق مكانه. هل تسمح القبلية بهدم الضريح أو تنقيله لإنشاء الطريق؟

القبيلة تقول: لا. فالولي يجلب البركة والمس به يجلب اللعنة. 

في النهاية تم تحوير الطريق. وهذا حل وسط. حصلت القبيلة على طريق سيار ملتوي وبقي الضريح شامخا يعلوا فوق ثمار الحداثة. 

يبدأ جنريك الفيلم بلقطة لأرض قاحلة يهطل عليها مطر ولا تنبت. تتراجع الكاميرا للخلف فيتضح أنها جمجمة شخص أصلع. واضح أن الزفت في الدماغ لا في الإسفلت. 

شتان بين الزفت والزيرو في توليد الدلالة. 

رابط الفيلم:

https://vimeo.com/409325154/34a7b9780a