نور الدين الزاهي: زمن الوالدين أو الأنثروبولوجي والمحكي البيوغرافي

- الإعلانات -

“أنثروبولوجيا القربى، عودة إلى زمن والدي”، مؤلف أصدره الأنثروبولوجي حسن رشيق سنة 2012 م. مؤلف له سماته وخصوصيته ضمن مسار التأليفات  العلمية التي أصدرها المؤلف لحدود الآن. فالأمر يتعلق بموضوع بحث مغاير من حيث ميدانه وفاعلوه ووضعياته وعدته المنهجية ودرجات حساسيته بالنسبة للباحث. فالميدان ليس قبيلة، أو جماعة ترابية، والفاعلون ليسوا أفرادا ومجموعات تنجز أفعالها الاجتماعية ضمن أحداث وبنيات وخطاب وتفاعلات، تتطلب من الباحث شحذ ملاحظاته ومعارفه وبناء مقابلاته وشبكاته.. بل يتعلق الأمر بفردين لا يقابلهم ولا يماثلهم، لدى الباحث، أي زوج آخر. إنه الزوج المشكل من الأب والأم .

  يبسط حسن رشيق في مقدمة المؤلف هذا المشكل وما طرحه عليه كباحث من أسئلة وإحراجات ذاتية وعلمية، و في الآن نفسه يبسط مسالك تعامله معها. 

 لكن قبل أن نتطرق لذلك، لنمنح أنفسنا برهة للبقاء مع البحث / الكتاب في مجموعه، و من منظور القارئ . فالكتاب في كليته موسوم بالبساطة و السلاسة وقلة الحشو، بحيث يهب نفسه لمجموع القراء بكل عدل و يجعلهم بفضل غلبة السرد، ينعشون ذاكرتهم و يبحثون من حيث لا يدرون، أو يدرون، عن زمن آبائهم و مسارات حركاتهم في الزمان والمكان . إنه يقذف بهم في سؤال البحث عن الأصل وحكايات التسميات ووقائعها وأحداثها، و في الآن نفسه ، إعادة القيمة الاجتماعية  لمحكيات الأم و الأب عن عوالمهما بكل قساوتها الاجتماعية والطبيعية… والأهم  من ذلك أنه يضعك و بكل هدوء أمام سؤال المديونية. هل سددت ديونك، إن كانت عليك ديون ؟ و ما الفرق بين دين الدنيا و دين المعنى؟

 مديونية الأم والأب والمدرسة العمومية، مديونية المدرسين، مديونية رفاق الفصل الدراسي والحي والجيران.. تنقشع مع الكتاب حين تجد نفسك أمام مارسيل بانيول. تنسى الكتاب للحظة وتبحث عن المدرس أو المدرسة، المغربي أو الأجنبي الذي قرأت على يديه مؤلفا من مؤلفات مارسيل بانيول. 

“لم أعرف أبدا كيف التقيا، لأن الحديث في مثل هته الأشياء بالمنزل غير ممكن. لم أستفسرهما  يوما عن الموضوع، فلم يكن بمقدوري تخيل لحظات طفولتهما وشبابهما. لقد كانا  أبي و أمي دوما وإلى الأبد”. يشكل هذا المقتطف من رواية بانيول “عزة أبي” فاتحة المؤلف. بهته الرواية سيسدد بانيول دينه نحو أبيه المعلم في المدرسة الجماعاتية، ونحو أمه التي بحكم أشغالها المنزلية وضرورات تبضعها من السوق كانت تتركه مع أبيه في المدرسة إلى حين عودتها. سيكتشف الأب المعلم ذات يوم أن مارسيل الصبي أصبح يحسن الكتابة قبل أن يصبح تلميذا رسميا. إنها مفخرة وعزة الأب المعلم، و منبع مخاوف الأم عن حياة صبيها الذي لا يشبه مساره باقي أطفال القرية… يرتبط مؤلف حسن رشيق هذا برواية  بانيول هته كثيرا. فإلى جانب كونه يجيب بطريقته كأنثروبولوجي يحيا هنا والآن، عن لحظات ما قبل لقاء الأب والأم ثم لحظات التعارف و الزواج و ما بعد الزواج (ما اكتشف بانيول في كبره أنه لا يعرف عنه شيئا)، فإنه يتسم بما أعلنه بعض نقاد خمسينيات القرن الماضي في حق رواية “بانيول” هته. قوة البساطة من حيث الشكل والمضمون، إذا ما استعرت لغة من درسني اللغة العربية في إحدى سنوات التعليم الثانوي، ثم الدعابة الساخرة الصافية من كل سم. مع بانيول تحضر الدعابة الساخرة من المدرسة الجماعاتية ومن علاقة أمه مع أبيه و كذا من فوبيا أمه نحو المدرسة حين اكتشاف الأب المعلم لعبقرية صغيره … ومع حسن رشيق حينما يفضل أن يستعير صوت جده للحديث  عن اختلافات زمن جيل الآباء عن زمنه، وعن متاهة جمع الفرد لكل التسميات الموروثة .. لنتخيل أن حسن رشيق يفترض التعريف بذاته أن يسرد كل ملحقات التسميات التي حملها أبوه وجده  وكذا المسميات  التي اكتسبها  طيلة مساره الحياتي و العلمي… هل يسعنا كتاب؟. محكيات الأم والأب عن لحظات ما قبل زواجهما وتجاذباتهما حول حقيقة ما كان يجري في كواليس الجماعة… هي الدعابة الساخرة ومن دون سم تجاه الإعتقاد في الهويات والتسميات الثابتة في تسلسلها وانسجاماتها ووضوحها…  

إن كنت قارئا وباحثا في مجال العلوم الاجتماعية، وتفضل عرض ذاتك دائما كباحث عالم  وصارم، لن يثير حفيظتك مارسيل بانيول ، و الأمر عادي، ستجد في الكتاب إضافة إلى المقدمة، بعضا من “الحشو” أو “التخريجات”  المعلنة أو المضمرة، والمراجع المدونة في نهاية الكتاب، والتي ستطل بك على الأنثروبولوجي المقتصد، بحكم احترام طبيعة الميدان المميزة بالتعامل مع السيرة، وليس أية سيرة، بل هي سيرة الوالدين . 

 سؤال تجربة الميدان مع موضوع مماثل هو ما تدور حوله المقدمة. تجربة غير مسبوقة بالنسبة للباحث (رغم تجاربه الميدانية السابقة ) للإمساك بالتغيرات الثقافية. تجربة تستدعي تجربة الباحث المتراكمة من جهة وتتطلب منه إنعاشها بكيفيات جديدة للوصف و التأويل. ذاك ما سيجعل قارئا من النوع المذكور أعلاه مفروض عليه المراوحة بين المؤلف المميز والغني “روح الميدان” وبين المؤلف الحالي، بل قد يفضل العبور السريع من هذا  للإقامة في الآخر. ففي “روح الميدان” أسئلة الهوية والتسميات والصلات بالميدان و بـ”بالمبحوثين ” وطرق الملاحظة، واختيارات الباحث المنهجية (رصد الديناميات واعتماد ملاحظة الوضعيات والسيرورات وتجنب القول والبحث في الكليات وتفضيل البحث والحكي عن “قصص الحب الصغرى” عوض الخوض في سؤال الحب الأكبر والمجرد..) موثقة ومفصلة، بل إنها تخترق محاور كثيرة وإن اختلفت عناوين المحاور . 

 لكن ما الذي يمنحه البحث في زمن الوالدين “للقارئ العالم و الصارم” ؟

والدة الأنثروبولوجي رشيق سنة 1966

على امتداد الكتاب، (الذي يبدو لي شخصيا في صيغة كنز صغير لأني أتخيل الصندوق التقليدي الذي كانت الأسرة تخفي فيه وثائقها وصورها، و الذي لا يغاير صناديق الكنوز) تحضر جمل أكاديمية ذات طابع تقريري و قطعي من مثل “الخاصية الأسياسية للإسم التقليدي تكمن في نسبيته بالمعنى الذي يتحدد فيه كإسم باستعمالاته وسياقاته الإجتماعية ” (ص.40) و تتم الإحالة على كل من غيرتز وغيلنر عبر كتابيهما “سوق صفرو” و”صلحاء الأطلس” . شخصيا وفي حدود قراءاتي، لم أصادف يوما غيرتز وغيلنر، سوق صفرو وصلحاء الأطلس متعايشين و متفقين و متساكنين ؟ هل يتطلب الأمر إعادة قراءة الباحثين ؟ هل يتعلق الأمر بمشكلة من قرأوهما بالمغرب خصوصا وخارجه عموما ؟ هل يتعلق الأمر بطبيعة موضوع الكتاب الذي يفترض، ضمن ما يفترضه، إضعاف جرعات السم التي يتنفس بها النقد بالمغرب و كذا خارجه ؟ 

 و هو يحكي عن مسارات الأب الحياتية يسجل حسن رشيق: “منذ سنة 1950م بدأ (الأب) يفكر  في الهجرة، لكنه ظل يتردد في الإقدام على ذلك. القمع الاستعماري المتزايدة شدته في السياق المحلي هو الذي دفعه للهجرة” (ص110).  يتعلق الأمر بسرد، لكن ما علاقة واقعة مثل هته بأطروحات كبرى قائلة ومدافعة عن كون المستعمر لم يكن المسؤول عن هجرة المغاربة من قراهم إلى المدن؟ ما صلة هجرة الأب ( ومثله كثيرون ) بالقيدلية و استبدادية قيادها ؟ هل كان قمع المستعمر في السياقات المحلية غائبا ؟  هل نكتفي بالبحث  الهادئ و البارد في الظاهرة الاستعمارية ؟ وهل نكتفي بنقد الخطاب الاستعماري بشكل هادئ والخطاب الوطني بشكل ساخن ؟ ما الذي تمنحنا معطيات مماثلة لإعادة نقد النقد المزدوج والنقد الراديكالي الذي انبنت عليه العلوم الاجتماعية بالمغرب لحظات الستينات ؟

أثناء تتبعه لهجرة جده يقول رشيق “اندماج  الوافد الغريب في قرية جديدة يختلف باختلاف مكانته الاجتماعية. تعترض عملية ادماج الفقيه في قرية جديدة صعوبات ومشكلات أقل مقارنة بعامة الناس” (ص. 29) هل يحافظ الفقهاء ومعهم الصلحاء والشرفاء على مكانتهم الاجتماعية  أينما حلوا و ارتحلوا ؟ وما حقيقة هته المكانة الاجتماعية، وقدرتها على الصمود في وجه المؤسسات القروية، وعلى رأسها مؤسسة ” المشارط ” ؟ يحضر الفقيه و يدمج بيسر مقارنة بالعامة، لكنه سرعان ما يجد نفسه  يفقد مكانته واستقلاليته لحظة إخضاعه من طرف الجماعة القروية تحت ظل ” تعاقد ” (شرط وشروط  ومشارط)، يحمل نوعا من الإهانة الاجتماعية تفقد معها حظوة الفقهيه  كل تقديرها ؟ يقول حسن رشيق : “لم يفكر أبي لحظة ما أن يصبح فقيها “مشارط “… فطبيعة “الشرط” بين الفقيه وجماعة القرية هي ما يكرهه… ورغم معرفته (الشرعية) يكون الفقيه رهينة القرويين و محصولهم. يستحضر أبي بيتا شعريا عربيا في ازدراء الفقيه : كلالمشايخ متفقون … كون الإمام ثقب كل الوساخة.

والد الأنثروبولوجي رشيق سنة 1955

 كان أبي يكره مهنة الفقيه، ليس فقط بسبب ضعف جودة الطعام ولكن بسبب الخوف على  استقلاليته ” (ص. 55 و 56) .    

جمل قطعية وتقريرية قصيرة تخترق الكتاب منذ مبتدئه إلى منتهاه، ممتلئة بتجربة الأنثروبولوجي الميدانية والنظرية، توقف نفس السرد لبرهة لتستدعي من تعود على الكتابة البحثية بكل انتظاماتها المنهجية وبلاغتها الوصفية والتحليلية، إلى فضاءاتها لتستنفر شروده داخل القراءات والنظريات الأنثروبولوجية والسوسيولوجية. جمل توقف لغة السرد لتفتحها على لغة العلم (ثنائية  تتمتع بقوة و ظيفتها البيداغوجية  أكثر منها بقوتها العلمية). لا يتعلق الأمر بتأملات، بل بقطرات عطر التجربة الميدانية والحياتية و العلمية. 

  في مقالة صغيرة، نشرها مؤخرا حسن رشيق، تحت عنوان “الوباء و العلاقات الاجتماعية و نمط التفكير“، عمل فيها على التفاعل مع الوضعية الدرامية التي نعيشها والبشرية جمعاء تحت ظل سطوة جائحة كورونا 19، سطر، ضمن ما سطر عليه ضمنها، على عملية طمس البراغماتي للرمزي: “إن هيمنة البراغماتي هي التي تطمس الرمزي”. والفكرة تفتح على المجال العريض للصلات المعقدة في يومي الناس العادي وغير العادي بين مخزونهم الرمزي الحاضر بكل ثقله في سكناتهم وحركاتهم وحيواتهم الاجتماعية وطوارئ الوضعيات الصغرى والكبرى التي تضعهم أمام “الضرورات التي ترفع المحظورات”.

جد الأنثروبولوجي حسن رشيق سنة 1989

  ضمن المؤلف الذي نحن بصدده، هنالك محور صغير مستقل عن وباء الطاعون و الجذري و”عام الجوع” و”عام البون ” والكيفية التي كان الناس يعيشون بها الحجر، بحكم كون سيرة الأبوين فرضت استحضار ذلك (ص.58و59). وفي الصفحة 71 يقول رشيق : “للأسف، مع الكوارث الكبرى، لا ينفع لامحصول الفلاحين ولا طقوسهم “. أمام الكوارث الكبرى تفقد الطقوس حولها وقوتها  وفعاليتها الرمزية. لا ينبني الأمر على تأمل بل على منطوق محكي الأبوين الذي وصف حالات وسلوكات وعلاقات الناس مع مرض الطاعون و المجاعة وندرة القوت وتعاظم جثث الموتى المترامية.. في يومي الكوارث الكبرى يتسطح الرمزي وتختنق شرايين فعاليته المعتادة. ولا تعود هنالك سوى التبريرات (إيديولوجيات اليومي) بكل ترميقات حجاجاتها النابعة من هنا و الهناك، الفوق و التحت، الآتي والماضي ..

  لم يضع حسن رشيق لبحثه خاتمة. بل فضل التوقف. لقد وصل قطاره إلى المحطة. محطة تفترض مغادرة زمن الأبوين فالأمر لم يعد يتعلق بزمنين بل بزمن مختلط، فيه حكاية واحدة لكن بألف يد. حكاية رشيق الإبن والطفل السابق و الأب الحالي الشاهد على زمن أبنائه. هل نقول مع هرقليط “إننا لا نستحم في النهر مرتين ” أم نقول مع هيدغر “إننا  متزمنون  بالزمن ” .

  يقول سارتر في كتابه ” الوجود والعدم “، و هو يتناول موضوعة الحب، بأن “الصعب ليس هو، أن نتحدث عن الحب، بل الصعب هو أن نتحدث عن حبنا “.

يتطلب الأمر شجاعة ما كي نعود إلى زمن الوالدين ونفتح صندوق الوثائق العمومية و الحميمية، ونعرض الصور والحكايات السيرية، مثلما يتطلب دينامية علمية ذاتية في اختيار رصد الديناميات المجتمعية. يعتقد الكثيرون أن إعلان الحقائق يتم عبر كشف المطابقات بين المعطيات والوقائع والوثائق.. في حين كثيرا ما تكون مسألة الحقيقة مسألة منظور. من أية زاوية ترى للأشياء والكلمات والمعاني؟ الحقيقة تاريخية وواقعية وموضوعية… لكنها  أيضا جمالية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.