[تحليل].. هل تُعيدنا إجراءات الطوارئ الصحية إلى زمن السلطوية؟

- الإعلانات -

في زمن الأزمات، تظهر جهات ومجموعات تريد تحقيق ربح مالي (اقتصاد الأزمات)، سياسي (حزب أو بنية سلطوية..). وفي حالة الدول التي مازالت تقبع في ما قبل الديمقراطية، في غالب الأحيان تقوم السلطوية بالتفكير في إعادة ضبط حقل ما قبل الأزمة لتعيد ما تم منحه في لحظات (الضغط، الاحتجاج..) من مكتسبات شعبية أو حقوقية، إلى يد سلطة تقوي شرعيتها خارج اللعبة الديمقراطية (الدين، الجيش، الإيديولوجيا..).

مناسبة هذا الكلام، هو ما يتم من إعادة ضبط للحقل السياسي، عبر استعمال ورقة «زمن الطوارئ الصحية». فلم يعد لحكومة يرأسها رئيس معين،، بناءً على موازين لعبة الانتخابات، تفرض الوصول إلى كرسي رئاسة الحكومة، تحقيق المرتبة الأولى في انتخابات مجلس النواب، أي تحكم في السلطات العمومية التي من المفترض أن يكون رئيسها. نرى يوميا عبر قرارات واجتهادات البنية الإدارية، عودة زمن مسح الحدود بين السلطات (الدستورية الثلاث، المجتمع المدني، الإعلام..) وتركيزها في يد البنية القيدالية (caïdale).

في هذا المقال التحليلي سنعرض آراء وتحاليل مجموعة من الخبراء، الباحثين والفاعلين المدنيين، بخصوص الوضع القانوني، الحقوقي، الاقتصادي والسياسي المواكب للأزمة الصحية، وكيف يمكن للبنية الإدارية الموازية للبنية الانتخابية أن تكون فوق مبدأ فصل السلط وسيادة القانون عبر ورقة تدبير الأزمة الصحية التي جاءت نتيجة لوباء كوفيد- 19؟

عزيز إدامين: قانون تكميم الأفواه أنهى ما سمي الإجماع الوطني

 

عزيز إدامين

عزيز إدامين، الخبير لدى مجموعة من المؤسسات الحقوقية الدولية، يوضح أن « زمن ما بعد كورونا مفتوح على كل السيناريوهات، ولكن من خلال ملامسة بعض الإجراءات والتدابير المتخذة يمكن رسم معالم مغرب المرحلة المقبلة ».

موضحا: « لوحظ أن التدابير المتخذة من قبل السلطات، رغم فعاليتها، عرفت بعض الانتهاكات، إذ يسجل على السلطات الأمنية أنها فتحت تحقيقات بشأنها، إلا أن نتائج التحقيق غير معروفة. ومن جهة أخرى بدأنا نسمع عدد من الانتهاكات، ومنها فقدان سيدة عمرها 52 سنة لحياتها بتاونات، بعد دفعها حسب الشهود وابنها، من قبل ممثلة سلطة (قايدة)، ومع ذلك ليس هناك أي معطيات حول مجريات التحقيق… ».

ويضيف إدامين أن « الاستعمال المكثف لقانون الطوارئ لاعتقال عدد كبير من الناس، وان كانت إجراءات قانونية، فإن كثافة الاعتقالات تسائل المردودية القانونية للنص وأيضا السلامة الصحية داخل السجون… بمعنى آخر، أن القانون إذا كانت غايته حماية الأفراد في جائحة الكورونا قد يتحول إلى مصدر لانتشار الوباء، كما هو الشأن بخصوص إجبارية الكمامات، حيث تحولت بعض الأسواق إلى بؤر ».

وعلى المستوى الدعائي، يوضح الخبير الحقوقي، هناك نوع من الدعاية المفرطة لتدخلات ممثلي السلطة. وإذا كانت في أحيان معينة جيدة، ففي كثيرة من الأحيان لا فائدة منها سوى تكريس صورة الأمني الحامي والضمان للأمن والاستقرار…

كما أن الدعاية جعلت الداخلية، يضيف إدامين، هي الوحيدة المتحكمة وأيضا الموجودة على أرض الميدان، وبالتالي لا حاجة لكل ما يتعلق بشيء اسمه الحكومة أو البرلمان أو المؤسسات. الداخلية وحدها قادرة على كل شيء.

وأخيرا، يوضح إدامين، فإن مشروع قانون 22.20، أكد بجلاء تهافت الحكومة لحماية مصالح أشخاص بعينهم من خلال قوانين تكمم أفواه المغاربة. وأعتبر شخصيا أن هذا المشروع أنهى شيئا اسمه الإجماع الوطني حول جائحة كورونا، فلا يمكن أن يكون هناك اجماع في مقابل وجود “تجار” أزمات يستفيدون من الوضع… أي أن المغاربة اقتنعوا تماما أنه لا فائدة من الأحزاب ومن المؤسسات…

كل هذه الأحداث، حسب إدامين، وإن كانت متفرقة ومعزولة عن بعضها البعض، إلا أن الخيط الناظم بينها هي آفاق سلطوية جديدة في طور التشكل، بآليات وأدوات ورجالات جدد متكيفة مع المرحلة المقبلة.

كريم حجاجي: السلطوية ليست هي السبيل للخروج من الأزمة

 

كريم الحجاجي

من جانبه أوضح كريم الحجاجي، الناشط المدني، أنه منذ 4 أبريل 2020، بعد عشرة أيام فقط من إعلان حالة الطوارئ الصحية، أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني توقيف 8200 فرد في جميع أنحاء البلاد بتهم تتعلق بالحالة الوبائية. مؤكدا أن القصد من نشر هذا الرقم كان هو إظهار الحزم الذي تعتزم السلطات به تطبيق تدابير الحجر الصحي، لكنها أيضًا نبهت الرأي العام إلى الانتهاكات التي يمكن أن تبطل عمل الدولة وتقوّض آليات المراقبة والسلطة المضادة. ومنذ ذلك الحين، وصل هذا الرقم إلى أكثر من 80.000 شخص، أعلنت عنهم الشرطة بتفاصيل التوزيع الجغرافي وعدد المتابعات التي باشرتها النيابة العامة.

فالمرسوم بقانون الذي تبنته الحكومة، يضيف الحجاجي، مهّد الطريق لإجراءات أخرى اتخذت على عجل وخارج الإطار التشريعي التقليدي. بحيث في 6 أبريل، أدى إعلان بسيط من قبل وزارات الداخلية والصحة والصناعة إلى خلق جنحة جديدة: عدم ارتداء الكمامات الواقية. كما هو الحال مع الإعلان الأول عن الحجر الصحي، فقد ارتأت الحكومة أنه من المناسب التشريع من خلال بيان صحفي بسيط قبل ساعات فقط من دخول الإجراء حيز التنفيذ. وجاء تعميم هذا الإجراء من قبل الوكيل العام للمملكة عبر دورية معممة على النيابات العامة. بعيدًا عن التشكيك في مضمون وشكل البيان الصحفي، فالدورية تحث المدعين العامين على اعتبار خرق إجراءات الحظر الصحي وعدم إرتداء الكمامات جنحتين منفصلتين. فمغاربة الآن معرضون للسجن لثلاثة أشهر حبسا بدون أدنى تصويت للبرلمان على مرسوم بقانون لحظة اعتقالهم.

ويضيف الحجاجي أن الحكومة ستتخذ قريباً إجراءات أخرى، لا تزال خارج الدائرة التشريعية المعتادة. في 14 أبريل، أعلن رئيس الحكومة اقتطاع أجر ثلاثة أيام من رواتب الموظفين العموميين، كمساهمة قسرية في صندوق محاربة وباء كوفيد 19. وتذكر الرسالة، التي صيغت بعبارات فخمة والتي تثير موجة من الإجماع الوطني، بعملية جمع التبرعات لبناء مسجد الحسن الثاني. كان بإمكان حكومتنا المنتخبة أن تختار وسائل أخرى تحترم مؤسساتنا وتقدر تاريخنا ورمزية هذه الإجراءات.

ويشدد الحجاجي أنه لا مجال للتشكيك هنا في أهمية السياسات الحكومية، فوفقًا لغالبية الخبراء، فإن الحجر الصحي والقيود المفروضة على تنقل المواطنين مؤلمة لكنها ضرورية. كما أن تعبئة الموارد المالية لمواجهة النفقات الاستثنائية وتراجع دخل المغاربة شرط ضروري لنجاح الحجر. موضحا أن تجميد جزء كبير من اقتصادنا هو تضحية ضخمة تقدمها الأمة باسم المصلحة العامة. لكن هذه الموافقة ليست تفويضًا للدولة بإلغاء القانون وخرق قواعد فصل وتوازن السلط. مضيفا أن حكومات أخرى تمكنت من وضع إجراءاتها في إطار صارم ومقدس لسيادة القانون، مع احترام مؤسساتها ومواطنيها.

ففي المغرب، يضيف الحجاجي، لا تبدو السلطة التنفيذية متشبثة بنفس القيم. فمن خلال اعتماد مرسوم بقانون  2-20-320، الذي أصبح في حد ذاته مصدرًا للتشريع، أعطت الحكومة نفسها، بدون مبرر، شيكًا على بياض. فجميع إجراءات حظر التجول، الالتزام بارتداء الكمامة، الاقتطاعات من الأجور، وتمديد الحجر الصحي، وما إلى ذلك… تشير إلى هذا النص. متسائلا ما الذي يبرر أحكام الاعتقال المفرطة، وكذلك فرض حظر التجول على الصحفيين، ونشر تطبيقات التتبع أو الاحتفاظ بالمعلومات المرتبطة بالنفقات المتعلقة بكوفيد 19 (العقود والصفقات المبرمة خارج المساطر التنافسية)؟

موضحا أنه “لا يتم تقديم المداولات والنقاش والشفافية على أنها تعبير عن الإرادة الشعبية والذكاء الجماعي، ولكن يتم اعتبارها عقبات أمام الكفاءة. كما لو كانت قوانيننا وتقاليدنا وآليات الضوابط والتوازنات الخاصة بنا ليست سوى كوابح تشل عمل الدولة.

فبالطبع، يضيف الحجاجي هذا الديالكتيك لا يمكن أن يكون صادقا. ففي عام 2017، عندما رغب الملك في انضمام المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، نجحت الحكومة والأحزاب في الرهان المذهل بانتخاب رئيس لمجلس النواب يوم الاثنين (16 يناير)، وتشكيل هيئات الغرفة في اليوم التالي والتصويت على القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي في اليومين المواليين، من قبل الغرفتين، ثم نشره في الجريدة الرسمية يوم الجمعة 20 يناير 2017. إذا كان نظامنا البرلماني قادرًا على هذه السرعة في وقت السلم، فلماذا لا يستطيع أن يفعل ذلك أثناء زمن الوباء؟

لقد كان المغرب قبل وباء كوفيد 19 بالفعل في وضع حرج، يضيف ذات المتحدث، باقتصاد متعثر، وفوارق متزايدة ومجتمع طبقي ومُجزء. إن تدابير الحجر الصحي ستكون لها عواقب وخيمة على طريقة حياة المغاربة. لذلك يوضح الحجاجي سنحتاج إلى جهاز دولة موثوق به وشرعي لاستعادة الثقة، وإعادة تشغيل للاقتصاد وإعادة التركيز على هدفنا الحقيقي: وهو توفير حياة أفضل لمواطنينا.

فالسلطوية، ليست هي السبيل للخروج من هذه الأزمة. نحن نعرف ذلك لأننا جربنا هذا الأمر بالفعل.

رشيد أوراز: الوباء سيكون بمثابة حصان طروادة يحمل في أحشائه « الأخ الأكبر »

 

رشيد أوراز

أما رشيد أوراز الباحث الاقتصادي، فقد اعتبر في تصريحه لموقع µ: « أظن أن هذا الوباء العالمي سيشكل بالنسبة للمجتمعات  حصان طروادة الذي سيحمل في أحشائه « الأخ الأكبر » الذي تحدث عنه جورج أورويل».

موضحا « هناك صراع قوي بين الحكومات ونشطاء المجتمع المدني والأفراد على مساحة الحريات الفردية. وخلال العقد الأخير بذلت الحكومات في الشرق والغرب أيضا مجهودات كبيرة لإعادة السيطرة على الأفراد بعدما منحتهم الثورة التكنولوجية مساحات كبيرة للتعبير ولانتقاد السلطة. ويشكل هذا في نظر الحكومات واقعا لا يمكن تحمله. ورأينا في السنوات الأخيرة موجات كبيرة من قمع للحريات الفردية وإخراس للأصوات الحرة المنتقدة  للسلطة أو التي تكشف فساد النخب السياسية والاقتصادية ».

فالصين التي بدأ فيها انتشار الفيروس، تشكل نموذجا للطريقة التي تود بها كل الحكومات تثبيت « الأخ الأكبر ». يضيف أوراز، فالأفراد مراقبون على مدار الساعة، إذ تتوفر الحكومة على قدرات تكنولوجية للتجسس على المواطنين عبر الشبكات الاجتماعية بواسطة بطاقتهم الوطنية، والتي من خلالها يقوم المواطن بالتسوق والتواصل مع محيطه. وبهذا فالحكومة تضع تحت مراقبتها كل تصرفات المواطن، الذي لم يعد له مجال لممارسة حريته الفردية بشكل محمي.

هذا النموذج خطير، يضيف ذات المتحدث: فإننا نسير إليه خاصة في الدول النامية، حيث منظمات المجتمع المدني غير قادرة على تحدي السلطة. وأظن أنها مسألة وقت قبل أن نرى كل الدول تمرر قوانين تحد من حرية التعبير من خلال عملية “قمع إلكتروني” شاملة. من المتوقع أن يثير ذلك غضب الأغلبية في البداية، لكن إذا لم تكن هناك حملة عالمية لإيقاف هذا المسار، فأغلب الظن أن أغلب الحكومات ستمرر قوانين على هذه الشاكلة.

ويوضح أوراز في ذات الحديث: « طبعا، هذا الواقع سيكون له تأثير كبير على تقدم الديمقراطية على المستوى العالمي، وموجة لإخراس الأفواه يعني بشكل واضح أن الفساد سيتعمق بشكل أكبر، وبأن الفقراء سيكونون هم الضحايا، أو منسيو المعركة الذين لن يسأل عنهم أحد.

لقد كانت الشبكات الاجتماعية وسيلة لرفع كثير من المظالم، يوضح أوراز، رغم أنها لم تجعل العالم عادلا تماما، لكن جعلته أقل ظلما من ذي قبل، ورسخت شفافية من خلال فضح الفساد ووضع بعض النخب أمام مرآة الحقيقة سواء في الديمقراطيات أو حتى السلطويات.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.