صحافة البحث

السينما الناطقة بالأمازيغية من التخييل إلى التوثيق (2/2)

- الإعلانات -

“تمزيرت أفلا” رجال كرماء يفترسون بقرة الأرملة

خرج فيلم “تمزيرت أفلا” أي “بلدة الأعالي” لمحمد مرنيش في 2009. فيلم يصور محنة قرية معزولة في قمة جبل، يحلم أهلها بطريق تربطهم بالعالم الخارجي، يزروهم الشيخ (أمغار) مبعوثا من القايد، ويخبرهم من فوق بغله عن لجنة تقنية ستزور البلدة قصد الإعداد لإنشاء الطريق، يفرح الأهالي، ويطلب منهم الامغار، بناء على أوامر القايد، الترحيب باللجنة بل وإظهار الفرح، يستجيبون فورا، فيصحح لهم الأمغار أن الفرح لا يكون إلا بذبح بقرة. 

ذهل القرويون واحتاروا، ليس لأن البقر تشابه عليهم، بل لأن القرية ليس فيها إلا بقرة واحدة، بقرة الأرملة فاظمة، وهي بقرة عجفاء فاقع لونها لا تسر الناظرين، ومع ذلك أصر الأمغار على ذبحها. 

أكل أعضاء اللجنة لحم البقرة وقرروا أن إنجاز الطريق مستحيل تقنيا، وهكذا تعرقل التواصل مع العالم الذي يجري، بينما البلدة راكدة. وبعدها قرر الأهالي إنشاء الطريق جماعيا (التويزة)، حمل الرجال الفؤوس والرفوش وبدأت معالم الطريق تظهر، لكن من أين ستمر الطريق؟

أرض الحاج محمية، فالأعيان فوق الفلاحين.

 بقيت أرض الأرملة، وهنا رفضت وشتمت الرجال الذين يحقرونها لأن ابنها هاجر إلى فرنسا منذ سنوات وانقطعت أخباره وذكرتهم بأكل بقرتها… 

خجل الرجال من أنفسهم فتوقفوا عن الحفر ورجعوا إلى المقهى للعب الورق ومشاهدة التلفزيون، وقد فشل الطالب الجامعي، الحامل للوعي التاريخي في تعبئة الفلاحين لنجدة أنفسهم وتحسين شروط مستقبلهم، لذا غرقت البلدة في الانتظارية… وفجأة رجع ابن الأرملة بثروة كبيرة وقرر أن ينشئ الطريق بمفرده… عم الفرح، غير أن شكوكا حامت حول مصدر ثروته، اعتبرها بعض الرجال حراما واستنتجوا أن الطريق التي سينشئها حرام ولن يمروا بها… هكذا أصبح الدّين عامل تفرقة، هكذا تبدد الحل المستورد فجأة، لم تقع ثورة مفاجئة وتبين أن الحرية كما قال بول باسكون “تؤخذ بالسير لا بانتظار الليلة الكبرى”. 

التغيير لا يحدث فجأة. التغيير ليس طفرة.

دخلت البلدة في منعطف جديد… جاءت الفرنسية زوجة المهاجر ومعها طفله، وحينها نزل الأمغار من البغل ترحيبا بها في “تمازيرت أوفلا”… ومن خلال شخصية الأمغار وبغله، نتعرف على سلطة القايد المطلقة حتى دون أن يظهر، لأن الخوف من سلطة المخزن متجذر في الخلايا الوراثية للقرويين… ويترسخ هذا الوضع لأنهم يفقدون قواهم الحية، “فالشباب والمواهب والنقود تغادر البادية” كما قال باسكون، فالطالب يصطدم مع حبيبته التي تحرم الطريق على نفسها، فيدرك أن الحب المتبادل ليس طريقا مضمونا للوصول إلى التفاهم، لذا اختار طريق المعرفة، سافر إلى حيث الجامعة… فبقى الفقراء الجهلة والنساء تحت رحمة الأمغار والقايد والحاج. 

هذا هو الخط الرئيسي للفيلم، وهو أقرب إلى الوثائقي في تصويره لنمط حياة البلدة، فيلم يظهر الكاميرا وهي تفكر في المجتمع، الكاميرا تتدرب على ممارسة وظائف علم الاجتماع القروي، تكشف السوسيولوجيا السياسية للمغرب العميق، حيث الفلاحون الفقراء تحت رحمة الأعيان والسلطة التي يتحالفون معها، والنساء تحت رحمة الفلاحين الذين يقهرونهن للحفاظ على تقاليد الكرم في القبيلة. وهو كرم ناتج عن كدح وعرق النساء في الحقل.

 فيلم بقليل من المشاهد الدرامية وكثير من المشاهد الوثائقية، وقد تم التصوير في مشاهد طبيعية جميلة، كما خلقها الله، لكن لهذا التصوير مشكلتين:

 الأول أن هذا الجمال المبهج يخص عين السائح الذي يزور “بلدة الأعالي” مرة واحدة ليبتهج بالطبيعة البكر، هذه الطبيعة المؤذية التي يحس بها القروي في لحمه وعظمه. والجمال هنا لا يعوض القسوة. وهذا التناقض بين موقف الشخصيات وموقف الكاميرا مشوش. المطلوب هو أن يعكس موقع الكاميرا ذهنية الشخصيات. 

 المشكل الثاني أن تصوير الطبيعة ليس وظيفة سينمائية، وعندما تم استخدامها بكرا جاء تصوير ديكور المشاهد خاما، دون أي جهد إبداعي، ديكور لم تلمسه يد الفنان ليعبّر وينتج معنى إضافي. الطبيعة الخام تعبر عن نفسها، الديكور المجهز – الذي لمسته يد الفنان- يعبر عن الشخصيات وعن الرؤية الفنية للمخرج.

 جاءت معظم المشاهد في الفيلم إخبارية تقريرية، لم يتم بناؤها خطوة خطوة، وقد جرى استخدام اللقطات العامة بكثرة، وهي تعرض المشهد دون تفاصيله، وهي لقطات في كادرات عفوية تليق بفيلم هواة، لقطات طويلة تكون فيها الكاميرا ثابتة، بينما يصعد الممثلون الجبل صامتين، وهم يبدون صغارا من بعيد، لذا تغيب تفاصيل الوجوه ويجثم على المتلقي وقت ميت ثقيل… حينها تنبعث موسيقى شديدة مؤذية للأذن، موسيقى تصويرية ذات إيقاعات محلية، لكنها موسيقى خام ركّبت على الفيلم دون أن تُصقل لتلائم المشاهد، بل هناك تفاوت واختلال (décalage)  بين الصوت والصورة، حتى أنه لا أثر لمهندس الصوت في الفيلم، لذا جاء الصوت خاما.

يقول المؤلف الموسيقي الايطالي نيكولا بيوفاني “في السينما على الموسيقى أن تبقى في الكواليس، عليها أن تشتغل في لا وعي المتفرج وعليها أن لا تكون واضحة بشكل مباشر”. ويتحقق هذا الاشتغال بمساهمة الموسيقى التصويرية في تكثيف اللقطات وزيادة مدى إحساس المشاهد بها. (مثال مضاد: كثيرون بكوا وهم يسمعون موسيقى فيلم تيتانيك دون أن يشاهدوه).

 عندما تصل شخصيات الفيلم إلى الأعلى، تصمت الموسيقى ليبدأ الحوار، حينها يتم تصوير مشاهد رتيبة، إذ يصطف كل القرويين جنبا إلى جنب أمام الكاميرا ويتحدثون، وهذا نقص دراية في إدارة الممثلين وفي الإخراج (لاميز أونسين Mise en scène)، و”هو مخطط أو تصميم مؤلف من تنظيم وتوزيع الممثلين في اتصالهم ببعضهم البعض ومع المحيط أو المنظر… يتتبع الحياة والذاتية المميزة للشخصيات وحالتها السيكولوجية” (2)

هذه أعالي لم تصلها السينما الأمازيغية بعد، لذا فبسبب نقص الاحترافية وضعف الإمكانيات والسرعة في الإنجاز، هناك الكثير من الخام في “بلدة الأعالي”، خام في الصوت والصورة، ويبدو أنه يتوقع من النقد السينمائي أن يكون متفهما لخلو الساحة وتعثر البدايات وضعف ميزانية الإنتاج.

 رغم كل شيء، يبقى الفيلم خطوة في درب السينما الأمازيغية، فيلم يقدم حكاية غنية بالأبعاد والقيم، يقدم قيم بطولة “جْماعة” شتتتها الخلافات، إذ تسبب العجز عن إدارة الحوار بين القرويين في فشلهم في تحقيق هدفهم وبالتالي استمرار العزلة والبؤس الرهيب الذي يعيشون فيه.

 لم يبتكر القرويون طريقا ليتواصلوا فيما بينهم في عزلتهم الكريهة، لذا لم ينجحوا في شق طريق تضمن تواصلهم مع العالم. ومع ذلك، كلما تدهور وضعهم زاد تعاطف المتفرج معهم. وقد جاء السيناريو رتيبا في الثلث الأول من الفيلم، متوسطا في الوسط وتحسن كثيرا في القسم الأخير، لأن أطراف الصراع غدت واضحة، مما أنتج مشاهد مقنعة، عن بطولة جماعية لسكان بلدة من المغرب العميق، بلدة تريد التواصل مع العالم، وتنتظر يدا تمتد إليها… 

                       “عصر المعجزات” في ظل الأركانة العطشى

   في قرية بأعالي الأطلس، حيث السرد الشفوي مصدر التسلية الوحيدة، تروي الأم لابنتها قصص الأنبياء. خاصة قصة عطش إسماعيل وأمه هاجر وانبثاق  نبع زمزم من الحجر. لكن قبل ذلك تقلب الأم نعليها في باب البيت. هذا سر لا تعرفه الأجيال الصاعدة. 

هكذا تبدأ أحداث فيلم “عصر المعجزات” 2011 من إخراج الحسين الشكيري، وبطولة كوثر غزول، كبيرة البردوز وعمر الطالبي. وهذا اقتباس آخر لحكاية عريقة لشرح المغرب العميق وهو امازيغي في معظمه. 

عادة عندما أقبل على مشاهدة فيلم قصير أطرح افتراضين، الأول أن يقدم الفيلم بحثا جماليا او موضوعاتيا أو هما معا. الثاني أن يكون ذلك البحث موفقا، أن يكون بحثا مثمرا، مدهشا، يحمل لمسة تعكس وجهة نظر مخرجه.

Le Temps des Miracles from Nova Pub on Vimeo.

ليس من السهل العثور على هذا خاصة في الأفلام الأمازيغية التي طبعتها نمطية الفيسيدي، وفيها تمثيل جله كليشيهات وحوارات طويلة وقصص ملفقة بالفلاش باك والأحلام والجنون… مع الاعتراف طبعا بدور أفلام الفيسيدي على مستويين، الأول أنها قدمت لساكنة المنطقة، خاصة في الجبال، صورة عن واقعها بلغتها الأم. على المستوى الثاني وفرت للكثير من الشبان فرصة الاحتكاك المبكر بالكاميرا وجهاز المونتاج وتقنيات التصوير، بشكل تطبيقي، وهو ما لم يتوفر للشبان في مدن مغربية كثيرة. 

الآن يجب أن ترتفع السينما الأمازيغية إلى مستوى المرحلة. والعمل الذي نتناوله خطوة نحو هذا الأفق المرغوب. 

 في هذا الفيلم القصير الذي يمتد 23 دقيقة، بنى السينارسيت عبد النبي الدحيم عالما متكاملا بعدد قليل جدا من الشخصيات، وبما أن السيناريو – وهو القطعة الأرضية التي يبنى عليها الفيلم – قد كتب بمهارة فقد مكن ذلك المخرج من إضافة لمسته الخاصة، من تقديم تفسير مُرضي للنص.  

ذلك أن للمخرج صلة بالمكان الذي يصوره بحميمية، صحيح أن الحسين الشكيري قد ولد وعاش في بلجيكا، لكن والده ينحدر من قرى الجنوب، لهذا يحمل في روحه هواجس المنطقة التي ينحدر منها… وبهذا الإحساس نتتبع في الفيلم نظرة المخرج القلقة على تيمة الماء والشجر، على الجذور التي انطلق منها والده ليتغرّب في أوروبا… 

المكان هو بطل الفيلم، مكان يجف وينضب والشخصيات فيه تتدهور وهي عاجزة، تتحمل شظف العيش والعطش في أرض محجوجرة… فيلم له بعد توثيقي لنمط العيش القروي، فيلم بأثر السحر يمر سريعا دون أن يشبع منه المتفرج، يساهم في تحميل المتخيل الجمعي في  الثقافة الأمازيغية من الشفوي إلى الصورة. ليفهم الجيل الشاب لماذا قلبت الأم نعلها قبل أن تبدأ الحكي. حسب تفسير جدتي، فعلت الأم ذلك لتحمي البيت من اللصوص، ومن كل شر، وهكذا تصير الأسطورة في خدمة الأمن.

شر نراه بعين طفلة بريئة يجثم عليها واقع اقتصادي ساحق. طفلة لا تصدق تطمينات أمها بأن والدها سيعود… أقرب ملاذ للأسرة هو الطريق التي تغري بالرحيل… الطفلة يامنة تكره الرحيل، تكره أن تُجتث من جذورها وتنتظر معجزة لتنقذها… 

تجلس على هضبة قرب الطريق، تراقب مرور السيارات، أحيانا يتوقف أبناء المدن المدللين للاستراحة فيتراشقون بالماء. يلعبون لعبة زمزم دون عاشوراء، يبذرون ماء معبأ… لا يخجلون من أنفسهم، من فرط الأنانية لا يشعرون بعطش غيرهم.    

تبنى المخرج وجهة نظر الطفلة القلقة من رحيل والدها وهي تتأمل مرتع طفولتها يَيْبسُ… تقارن بوجع، تراقب أولئك المدللين من موقع مرتفع، مكانيا وأخلاقيا. واضح أن الماء متوفر في المغرب، لكن توزيعه غير عادل. تمس لا عدالة توزيع الثروة كل شيء، حتى الضوء، فأعمدة التيار الكهربائي تظهر في خلفية الصورة، لكن الأم تحكي لابنتها على ضوء الشمع.  

 يرحل والد يامنة إلى المدينة من منطقة تفرغ من سكانها، يهجرها الذكور القادرين على العمل. مع هذه الهجرة الخارجية والداخلية، يفرغ المغرب العميق من رجاله، تتكرس عزلة النساء ويصير مجتمع القرية أميسيا، وهو ما حصل في الفيلم، بقيت الام والإبنة والشجرة الشامخة. شجر الأركان لا يعوض فرار الرجال. 

ترك الأب ابنته وزوجته في ظل الأركانة العطشى، وهي مصدر زيت ورعي وحطب وظل وهوية، فهي بمثابة الجدة، كاتمة أسرار الطفلة التي بقيت في المغرب العميق، مغرب يعطش ولابد له من معجزة. والمعجزة المأمولة أن يأتي ملاك يضرب الأرض المحجوجرة بجناحه لينبجس الماء وتشرب الأسرة المهجورة من نبع صاف. 

وفرت جغرافية المكان مواقع مختلفة للكاميرا لتطل على فضاء شاسع جعل عمق الكادر جذابا… ومن على تلك الهضبة، مازالت يامنة تنتظر بكبرياء… وقد قدم موقع التصوير إضافة كبيرة للفيلم. فبفضل روبيراج ذكي جرى التصوير في ديكور يوفر متعة للعين. جرى تقديم المكان بشكل ممنهج، فنحن لا نتعرف عليه دفعة واحدة، بل نكتشف تفاصيله على مراحل…

وقد بدأ الفيلم بلقطة دامت عدة دقائق دون أن ترْمش الكاميرا… بذلك أعلن المخرج أسلوبه الذي قدم صورا مؤثرة في لقطات مشهدية plans séquences تم الحصول عليها بفضل تنظيم جيد لحركة الممثلين أمام الكاميرا، سواء في العمق أو في المرور العرْضي… وقد جرى استخدام سلم لقطات متنوع مع غلبة اللقطات المتوسطة plan de demi ensemble (PDE)، وهي تعرض المشهد دون تفاصيله، لكن تظهر الشخصية ضمن الديكور الذي تتحرك فيه. وقد استخدم المخرج الحسين الشكيري اللقطات الكبيرة grand  plan  باقتصاد لأنها تقصي الديكور وتلغيه من الشاشة، وبذلك تمنح الكاميرا المتفرج الإحساس بأنه يعيش داخل الأحداث وفضائها معا. 

ولزيادة درجة انغماس المتفرج في واقعية الفيلم، تم توظيف المؤثرات الصوتية في لحظات التوتر. وهكذا نسمع الغنم تثغوا ونسمع صراخ طفل يرفع إيقاع اندماج الطفلة في قصة النبي التي سمعتها من أمها… حينها تجد يامنة الحل، تقرر أن تنجب طفلا من أجله سينبجس الماء من الصخرة تحت الأركانة الشامخة…  

 تتناص قصة يامنة مع قصة إسماعيل فتتكشف المرجعية الدينية للسرد. وقد استخدمت التشابهات كوسيلة لعرض وتكثيف موضوع الفيلم. ففي القصة القديمة يهجر إبراهيم الخليل زوجته وابنه بأمر إلهي. بسبب الحاجة للماء تجري هاجر بين الصفا والمروة سبع مرات فينبجس نبع زمزم. في فيلم “زمن المعجزات” رحل لأسباب اقتصادية. رحل حزينا دون أن يردد دعاء إبراهيم الخليل ” رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ “. لذا تجري يامنة بين الحجر قرب الأركانة وتتوهم أن طفلا يصرخ حولها، يستنجد بها من العطش، لكن الطبيعة لا ترحم، والماء لا ينبجس من الصخر… لا معجزة تنقذ المغرب العميق من العطش… هذه هي الحقيقة المرة، زمن المعجزات ولى. لكن الفن السابع يستعيدها ليمنحنا أفقا وأملا لنستمر في العيش…    

           أدور الشرف الأكبر   المقاومة بعيدا عن مارشي سنطرال 

بعد الأساطير جاءت لحظة السينما التاريخية مع فيلم آدور، والذي تم عرضه في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة 2017. وهو الفيلم الثاني الناطق بالأمازيغية في تلك  الدورة. فيلم تاريخي عن المقاومة في جنوب شرق المغرب. هذا تذكير بأن المقاومة لم تكن فقط في فاس وفي مارشي سنطرال بالدار البيضاء. بل إن مقاومة الجنوب أخرت كثيرا الاستعمار الفرنسي الذي لم يسيطر على المنطقة إلا في 1935. أي لم يدم إلا عشرين سنة. وقد كان لذلك ثمن.

فبعيدا عن المقاومة الجماعية للقبائل كان هناك مقاومون فرادى تمكنوا من تدويخ المستعمر بفضل معرفتهم بتضاريس المنطقة واحتضان السكان. فهؤلاء بالنسبة للمقاوم مثل الماء للسمكة. 

أعتقد أن المخرج لم يخصص ما يكفي من الوقت لعرض أشكال النهب التي يمارسها المستعمر تجاه الشعب. هناك غياب تام لبرويتاج المرحلة. لم نلحظ النهب المزدوج الذي يمارسه المستعمر وأشباه الباشا لكلاوي… ففي الربع الأول يظهر المغاربة فرادى لا كجماعة تعطي للمقاومة بعد سياسي. وبالنسبة للقطات التي تنقص من صدقية الحدث أنه عندما يهجم المقاوم على حفل الجنود الفرنسيين لا يطلقون النار عليه. هو وحده من يسدد ببندقية يبدو أنها تحتوي مائة طلقة… 

رغم صعوبة هذا النوع الفيلمي فقد أمتع المخرج الجمهور بصورة قوية وصوت مؤثر مضاف عبارة عن مواويل أمازيغية. المشكل أن الصوت المركب على الصورة يملي على المشاهد الأحاسيس بدل أن يكتشفها على مراحل. 

               منزل الحقول طالا حديد الفرار من الحقل 

يعتبر فيلم تالا حديد الناطق بالأمازيغية حفرا في المغرب القروي العميق لاستكشاف صوت طفلتين. نرى بقرة ومعزة وحمار وكلبين ودجاجات… وبرد شديد شظف العيش في المغرب العميق تحمل أيدي الأمهات تجاعيد تراكم الشقاء. بالنسبة لي كشخص ولد في منطقة مشابهة عايش وعرف لا أجد جديدا في الفيلم. 

الصور ساحرة وقوية حضرت في وقت طويل. في فيلم طالا حديد الوثائقي كان السرد أكثر تماسكا وكان مرور الزمن أكثر وضوحا من أفلام تخييلية كثيرة. وهذا درس للذين يصورون ربوروتاجا في أسبوع ويسمونه فيلما وثائقيا. الزمن حاسم في تشكل الإبداع.   

عرض الفيلم في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة 2018 و توج بجائزتين هما جائزة لجنة التحكيم وجائزة المونطاج. الفيلم لمخرجة مغربية عراقية قضت وقتا طويلا في الجبل لتفهمه. نتابع اقتصاد الجبل في كل الفصول. كما نتابع قصتين متوازيتين لهما ااتجاهان متناقضان. 

أولا حكاية مهاجر عاد للقرية الجبلية، مهاجر قضى خمسة عشر سنة في أوروبا… ثم حكاية طفلة كرهت العمل الشاق في الجبل. فللأطفال حلم مختلف. حلم الهروب من الريف بسبب جاذبية المدينة. تحضر المدينة في الحلم وفي المشروع الفردي للخلاص. الذهاب إلى الدار البيضاء مهر مناسب للهروب من الجبل. من جديد يحصر البعد الثقافي الأمازيغي في الجبل.  

                    خلاصات وتوصيات لتقدم السينما الأمازيغية 

فنيا: ما  الذي حصل في هذه العشرين سنة؟ على صعيد القصص حصلت نقلة من اقتباس الأسطورة إلى مقاربة الواقع. على صعيد الأسلوب ظهر وعي أكبر بالأشكال الفنية بدليل استخدام لقطات اقصر بدل حوار في ثلاث دقائق. على مستوى المؤثرات تم الانتقال من توظيف الفولكلور والمواويل (ثموايث) والأغاني الجاهزة  مسبقا إلى استخدام موسيقى تصويرية درامية. 

رغم هذا لابد من تجنب بعض المشاهد المكرورة في الأفلام الناطقة بالأمازيغية، ومنها: 

  • كثرة الأحلام والتخيلات:  

شاهدتم ممثلا مستلقيا على ظهره وعليه غطاء خفيف أبيض غالبا، تقترب الكاميرا من وجهه في لقطة كبيرة ثم تدخل في الإطار أحداث كثيفة وضجيج فجرح فموت فصرخة فاستيقاظ وخوف.

الشخصية تحلم.

  • مشهد التذكر والإفراط في الفلاش باك

 شاهدتم ممثلا يجلس في مكان عصري يبرز لنا مهنته أو وضعه الاجتماعي، تقترب الكاميرا من وجهه، يصبح ضبابيا ثم يبدأ في تذكر أحداث مرت عليها سنوات، أحداث تسبب الألم وينوي الآن أن يعلمنا بها ثم يرينا كيف يتعايش معها.  

  • مشهد المجاذيب والمجانين:

  مشهد يجري حول أضرحة الصّلحاء. أو يجري في المدن ويظهر فيه مجانين يقولون الحقيقة. غنه علام الجنون و السرية واللا عقل. سبب اللجوء لهذه المشاهد؟  ما يعجز المخرج عن تفسيره يدفع به لعالم اللا منطق ليعفي نفسه من عبء التفسير يفسر ذلك بأنه عودة إلى النبع للتزود بطاقة روحية.  

  • مشهد النية أبلغ من الحدث

شاهدتم ممثلا يستحم يصب عليه الماء يفكر في الهجرة ويحلم بأنه هاجر ووصل وسط بحر هائج فغرق ومات، ينهي الاستحمام فيعود للواقع فيقرر ألا يهاجر.

انتهى الفيلم.  هذه أحلام يقظة، وهي تتحقق كاملة.

  • مشهد الممثل في الزنزانة 

   من باب اقتصاد تكاليف الإنتاج، للتخلص من ضجيج الحياة اليومية وقوانين الإضاءة وصعوبات تحريك الكاميرا، يختار المخرج غرفة بلا نوافذ ويحشر ممثليه في زاوية، يضع الكاميرا أمامهم ويبدأ في تصويرهم… هذا ليس سجنا، إنه ضريح أو منزل أو مقهى مفبرك… يصور برؤية إخراجية فقيرة.

في كل هذه الحالات يتم الاحتيال على قانون التعاقب الزمني بالحلم والتذكر، ويتم الإحتيال على حيوية الفضاء الاجتماعي باختيار أماكن تصوير مغلقة لا تنبض بالحياة.  

بعد كل هذا يجب التذكير أن السينما المغربية الناطقة بالأمازيغية قد حققت تراكما ولديها جمهور. 

لكن المطلوب اليوم هو أفلام أمازيغية مدينية وليس فقط أفلام ريفية بدوية تكرس وتفرض السمة القروية على الثقافة الامازيغية. لابد من تقديم صورة حداثية عصرية لا يخجل منها شبان اليوم. وهذا تحدي من أجيل تجاوز النظرة الفولكلورية.

لتحقيق ذلك يجب أن تنتقل الحركة الأمازيغية من مرحلة النضال إلى مرحلة المأسسة، وهذا ما يفرض على المناضل المدمن على الاحتجاج والتنديد أن يتعلم منطق المقاول المعتاد على الإنجاز والمتابعة والتكيف مع السياق ليقدم فنا يعيش بجمهوره وليس بالدعم فقط. فن يجعل من التمويل الذاتي هدفا.

هوامش

  • تزفيتان تودوروف “مدخل الى الأدب العجائبي” ترجمة الصديق بوعلام دار الكلام، ط1 – 1993 الرباط ص 18.
  • أندريه تاركوفسكي “النحت في الزمن” ترجمة أمين صالح، وزارة الإعلام، البحرين 2006.