صحافة البحث

طاروس يكتب: أظافر .. وأعناق

556

- الإعلانات -

تقف سيارة الأجرة الصغيرة. أمام فندق راق بالمدينة الحمراء. تنزل خديجة من السيارة الصفراء، نحيفة، رشيقة، شعر مُصْفرّ. تنعكس الشمس على لونها القمحي. تجتاز بوابة الفندق. توزع التحايا والابتسامات. تصل إلى جناح التجميل. تدخل. تحيي المضيفات. المجملات والمدلكات، الحلاق الناعم. يجيبها بضحكة راقصة.

تبدأ العمل. تتصفح لائحة الزبناء. تنطلق في الممر الوحيد. تخترق بخار الصونا، الروائح العطرة، الموسيقى الهادئة. تصحبها ثلاث فتيات مساعدات. تمر بالمسبح الدافئ. حركات رياضية. فرح طفولي.

تدخل قاعة التجميل. تمسح الفضاء. إنارة خافتة، شموع ملونة، متناسبة على الجنبات. أربعُ نسوة في منتصف العمر، مستلقيات على الأرائك، ملفوفات بمنشفات صوفية، تُظهر بقايا مفاتن. نسوةٌ مهووسات، بالرشاقة، بنعومة البشرة، بخفة الوزن. نسوة من كوكب آخر.

تنطلق عملية الصيانة. تستسلم الأجساد إلى الأنامل، إلى الملاقط، الأقنعة، النتافات اللاصقة. تستمر الألسنة في اللغو، في التباهي والتفاخر. أسواق عالمية. ماركات النفيسة، حلي ومجوهرات، فساتين، ملابس الداخلية. آخر الصيحات، أحسن العارضات. تعرف خديجة أسرار الحفلات الباذخة، المغامرات الخاطفة. حكايات، غرائب، مغامرات، أساطير، تسمعها خديجة كل يوم. تُشعرها بالغثيان. تُعمِّق إحساسها بالفقر، بالدونية، بالحرمان. لاتبالي

تستمر خديجة في عملها. يتطور الحديث. ترخي أذنيها. تركز بصرها على المرأة الشقراء، ذات الشفتين المنتفختين. تشير إلى ظفرها المكسور. تحكي: ” انظرن ما فعلت بي المجرمة. ضبطتها في المطبخ. تتحدث إلى عشيقها على الهاتف. نهرتها. نظرتْ إليّ متحدية. تطاير الشر من عينيها. لطمتُها. ظلّتْ صامدة. جذبتُها من شعرها. غرستُ ظفري في عنقها المتعفن.. كسّرت ظفري الغالي!!.” تواصل الشقراء “. ذُعرت. صببت عطوري الباريسية لتعقيمه”. تتمايل رؤوس الأخريات تصديقا. تتبادل خديجة والمتدربات نظرات اشمئزاز.

تلتفت السمراء، صاحبة الشعر القصير” لماذا نقضي الوقت في تربية الأظافر؟ في السوق أنياب وأظافر ومخالب. وأنت تملكين الجاه والمال؟. تنفث دخان سيجارتها. تستمر: ” أنا في الحقيقة لا أتفاجأ من سلوك خادمتك. الفقيرات منحرفات بالفطرة”. تتلذذ بسيجارتها. تتذوق خديجة مرارة الدخان. تستمر أناملها في إنعاش العضلات المترهلة.

تتململ القصيرة البدينة. تخرج رأسها من كتفيها. “الأمر أخطر. بدأن يتحدثن حقوقهن كعاملات. الأجور، التعويضات، التغطية الصحية..  الخطر كبير” تنظر خديجة إلى زميلاتها. تتبادلن نظرات بلهاء.

تبتسم ذات الشعر الأسود، مزهوة بعينيها الخضراوين” هذه هي الديموقراطية. لِمَ ننشغل بهن؟ السوق يعج بالبدائل. الفرنسيات، الإفريقيات، الأسيويات”. تضحك. “الأسيويات رخيصات، صغيرات، رقيقات، صمُوتات، قنوعات. يكتفين بالقليل من الأرز. ينمن في أضيق مكان. بل ويعلمن أطفالنا مبادئ الفنون الحربية”. تصيح النسوة: ” الفنون الحربية؟ سنفقد كل الأظافر”. تضحك خديجة، تضحك المتدربات. تضحك الزبونات. يتحسسن آظافرهن.