ذاكرة إعلامية.. يوسف شاهين: لا أحب الرمزية في أفلامي.. وكوبولا شاهد أفلامي قبل أن أرى أعماله.

- الإعلانات -

   ذاكرة إعلامية هي نافذة سيطل من خلالها قراء موقع µ على أعمال صحفية ذات قيمة فكرية، أدبية، فنية و سياسية سبق للصحفي المصطفى روض أن أنجزها و نشرها في مجلتي الحرية و الفكر الديمقراطي الفلسطينيتين و منابر أخرى بالمشرق وصحيفة أنوال بالمغرب. و ستكون البداية مع الحوارات في محور السينما ستتلوه محاور المسرح، الشعر، النقد الأدبي و السياسة.  

المخرج السينمائي المصري يوسف شاهين برز في السنوات الأخيرة كظاهرة سينمائية مميزة أثارت جدلا سينمائيا على المستويين العربي و الدولي. و رغم التباين في مسار هذا الجدل المتنامي فإن احتمالاته الأكبر تروم باتجاه موضعة أفلام يوسف شاهين في إطار ما اصطلح عليه تعددا: سينما جادة، بديلة، هادفة، وطنية و ما إلى ذلك من الأسماء التي تطلق على أفلامه.

و يوسف شاهين يتفرد سينمائيا ببعدين متضايفين، إنه بعد “سينما شكل المضمون”، و بعد “سينما مضمون الشكل”. فموضوعاته التي ينتقيها للصياغة السينمائية لا بد أن يكون لها محتوى يرتبط بواقع متعدد الأبعاد سواء في مستويات السياسية، و المجتمعية، و الثقافية، أو على مستوى الذات. و بهذا نجد شاهين ينصهر كذات في مادته الفيلمية ليعكس همومه السينمائية من داخل بنيتها التقنية و يسعى في كل مرة إلى أن تمتزج تلك الهموم بهموم أخرى، و مثلما تلامس وضعه السياسي و الثقافي و الاجتماعي، فإنها تكون مجبرة، بحكم تقنياته السينمائية المستخدمة، غلى ملامسة أوضاع عامة للمجتمع المفكك و للتاريخ و الأزمنة المحرجة التي تناقض الطموحات المشروعة للمجتمع.

إن رؤية يوسف شاهين السينمائية تطورت بعد الانعطافة الحاسمة التي تمثلت في فيلم “إسكندرية ليه” و الذي شكل خطوة هامة باتجاه مسار سينمائي بقدر ما ابتعد عن أفلام عربية كثيرة ذات النوعية الجيدة، فإنه يقترب من المستوى المتقدم الذي ينعش الرؤية البصرية للمشاهد، و هذا كما يثير السؤال المشروع و يخلق حافزا مستمرا لإعادة السؤال عن أفلام مثل “اليوم السادس” و “حدوتة مصرية” الذي برع في أفلمة موضوعاته وفق السيرة الذاتية ليوسف شاهين.

حول هذه الموضوعات، حاورنا يوسف شاهين، الذي كان نفسه قصيرا في الحوار معنا، حين كان يلجا للمقاطعة عندما لا يعجبه السؤال، آو يتهرب من الإجابة أحيانا أخرى. و رغم ضيق وقت يوسف شاهين استطعنا إجراء الحوار التالي معه لفائدة مجلة “الحرية” الفلسطينية خلال المهرجان الدولي للسينما بدمشق سنة 1987:

  • قلت في إحدى المرات بأنه يجب أن تمر من تجربة الموت لكي تعرف أوليات الحياة. كيف تمكنت من إعادة صياغة الحياة سينمائيا من خلال أفلام “إسكندرية ليه”، و “حدوتة مصرية”، و “وداعا بونابارت” و “اليوم السادس”؟ 

                    كان هدفي قول الحقيقة بدون لف أو دوران

يوسف شاهين: أعتقد واضحا بأن القرار الذي اتخذته – و أكدته – في عملية مواجهة الموت تكمن وراء وظيفة الإنسان السينمائي في أن ينجح و يتمكن من إيصال تجربته للناس. فأنا قد عاهدت نفسي، و عاهدت الذي سيأتون بعدي بأن أكون وسيلة إيصال و توصيل حقائق جيل – جيلي أنا – إلى الجيل القادم و أزيح لهم عن كل الزيف الذي كان يحيط بنا. فإلى أي حد كنا مدركين فعلا للإطار الذي كنا نعيش فيه على صعيد السياسة و الاقتصاد و القومية العربية و الاعتزاز بالذات و فهم الذات؟ و كل هذا كنا نفهمه بالطريقة المألوفة. نحن جاءتنا الفرصة لمواجهة الحقائق بشكل عنيف عام 1967، و القرارات التي اتخذها قادتنا العرب تجسمت أمامنا و هي تفكيك العالم العربي.

لكننا نحن لم نفعل أي شيء إزاء هذا التفكيك الذي حصل لعالمنا العربي كما نراه بأعيننا، وكنا نتوهم بأننا نفهم الخطة، و بعد ذلك ظهرت بعض الحقائق الفعلية عن أنفسنا و التي تفاعلت مع ظواهر أخرى موجودة. ثمة خصائص تبقى لك لوحدك و لا تعود لغيرك و أنت الذي تشعر بها و تتفاعل من خلالها و تتخذ قرارات بشأنها.  

كل الأفلام من “إسكندرية ليه” إلى “حدوتة مصرية” إلى “وداعا بونابارت” إلى “اليوم السادس” كان همي فيها هو أن أوصل للمتفرج عبرها، بقدر الإمكان، ما يمكن قوله من أشياء عن الحقيقة بدون لف أو دوران، لكن في إطار سينمائي درامي و أعتقد أنني وفيت بوعدي في هذه المسألة.

                           أنا لست مثل كوبولا

  • بالنسبة لفيلم “حدوتة مصرية” استخدمت فيه تقنيات متقدمة خصوصا عند استخدامك لتقنية “الفلاش باك” العام (من خلال المحاكمة) و مجموعة “الفلاش باك” المتفرعة عن “الفلاش باك العام”، و كانت هذه العملية التقنية مربكة للمشاهد حتى أن بعض المثقفين وصفوا فيلمك بأنه ينتمي “لسينما النخبة”، فما هو رأيك في هذه المسألة؟

يوسف شاهين: ماذا تريد من هذا الرأي؟ أن تكتب مقالا باسم الشعب أم تريده أن يكون باسمك؟ هذه المسألة مربكة لك و ليس للمشاهد!

  •  لم أكمل سؤالي بعد، فوصف أفلامك بالنخبوية ليس رأيا شخصيا بقدر ما هو رصد لانطباعات و أراء مجموعة من المثقفين، هل إطلاق صفة النخبوية عن أفلامك يعود، في نظرك، لما اعتاده المشاهد من سهولة و بساطة أم من اعتبارات أخرى؟

يوسف شاهين:  ليس المشاهد وحده من يعتمد البساطة و إنما نحن كذلك نحاول الاعتماد عليها من دون أن تكون بدائية كي نعرف كيف نشاهد أعمال سريعة جدا. فكل الأفلام و الدعاية أصبحت سريعة كما أن إيقاع الحياة أصبح سريعا، و الفيلم يوجد من يدركه بسرعة و يوجد من يدركه ببطء، و ربما يحتاج البعض أن يرى الفيلم مرتين أو ثلاث كي يدركه. إذن، كل واحد عنده سرعة ما في الفهم.

أنا اعترف لك بأن فهمي بطيء، و كل قضية يجب أن تستغرق مني يومين أو ثلاثة و أنا أفكر فيها و قد أتوصل إلى فهمها بالشكل الذي يعجبني. غيري قد يفهمها في ربع ثانية و لكن ممكن أن ينساها بعد نصف ساعة. المهم أن الناس تفهم بطرق مختلفة.

  • في فيلمك “حدوتة مصرية” الذي يعتبر عمل متقدم في إطار “السينما العربية”  استخدمت اللقطة الكوبولية، نسبة إلى فرانسيس فورد كوبولا… (و لم يتركني أكمل سؤالي إذ قال لي:

يوسف شاهين:  أنا لا أريد أن أتحدث انطلاقا من هذا المستوى، أنا لست مثل كوبولا و أنا في العمل السينمائي أقدم منه، و هو ممكن أن يستخدم أسلوبي و ليس أنا الذي أستخدم أسلوبه السينمائي. “الكوبولية” و “الفيللينية”، كل هذه الأسماء التي تعودتم عليها، ليست سوى ثغرة فيكم، لأنكم تتحدثون عن أن كوبولا قدم أفلاما جيدة، و ليس لكم اعتراض عليه. أنا أعرف كوبولا شخصيا منذ زمن طويل. لماذا لم لا يظهر لكم أنه يجب أن أكون مثل كوبولا، انتم ترون أن الأجنبي يعمل سينما، أما بالنسبة لي انأ كعربي فانا فقط أستخدم أساليبه، حين ترون هذا فإن ذلك ينم عن احتقار للأعمال التي قدمتها.

                      كوبولا شاهد أعمالي قبل أن أرى أعماله

  •  ما قصدته من سؤالي الذي قاطعته، ليس كل لقطات “حدوتة مصرية” هي لقطات كوبولية، و إنما قصدت بذلك ما استخدمته في ثلاث أو أربع لقطات كان فيها عنصر الإضاءة بارزا؟

يوسف شاهين: لم أستخدم لا ثلاث و لا أربع لقطات لكوبولا، لا يوجد مخرج محترم يسرق لقطة ويستخدمها في أفلامه، نحن كلنا نتعلم من بعضنا، من فيلليني إلى كوبولا إلى عمر أميرلاي إلى يوسف شاهين.. لا تحاولوا أن تجعلوا من المخرجين الأجانب أساتذة علينا، نحن كلنا نعيش عهدا واحدا. ثمة سينمائيون تقدموا في بعض التقنيات و نحن تقدمنا في تقنيات أخرى. لقد شاهد كوبولا أعمالي قبل أن أشاهد أنا أعماله.

                      اليوم السادس فيلم شاعري

  •  ثمة تفاوت ملحوظ بين “اليوم السادس” و “حدوتة مصرية”. في الأول توفقت في إيجاد نوع من الشعر في الإضاءة بينما “حدوتة مصرية” كانت بعض لقطاتها، سواء عندما كان الممثل نور الشريف وراء الكاميرا أو حين كان يؤدي دور المحامي، استخدمت فيها الإضاءة بشكل ثابت مرة باللون الأحمر و مرة باللون الأبيض، مما أفقدها الشعرية بخلاف “اليوم السادس” الذي كانت فيه الإضاءة متحركة و متشابكة الألوان مما أكسبها الجمالية الشعرية. أليس كذلك؟

يوسف شاهين: أنا متفق معك، ففي اليوم السادس استخدمت أسلوبا آخر لأنني 
أردته أن يكون فيلما شاعريا كالشاعر المأساوي. الإرادة ظهرت من السيناريو و من سياقه و من طريقة الراوي و الإضاءة و التمثيل. هذا جانب، و من جانب آخر، كان هناك  هدف قاس. كنت قاسيا كثيرا على نفسي لأنني أحسست بعدم تمكني من القراءة التي رغبت فيها لطرح مشاكل شخصية وجدت صعوبة في طرحها.

و يمكن القول إنني استعملتها بقسوة ضد نفسي و ضد الشخصيات الأخرى. لكن الهدف كان هو إتباع أسلوبية واقعية على قدر الإمكان. و ثمة تركيز في هذا الفيلم أكثر من اللازم، و بما أن القضايا كانت شخصية فقد كنت قاسيا، و هذا ما ترجمته في الإضاءة و في الإيقاع و في التركيب ذاته مما أدى إلى صياغة الشعر بالإضاءة لظهور نظرة فيها شيء من العصبية.

                         أنا لا أحب الرمزية في أعمالي

  •  شاهدت فيلم “اليوم السادس” و حاولت تفكيك بعض القضايا و الإشارات المطروحة لكي أعثر فيها على الأبعاد الدلالية و الرمزية، مثلا: وباء الكوليرا، ذكر فلسطين مرتين، موت الطفل حسن، الشاب عكا عمره 16 سنة، و الصْدِّيقة عمرها 45 سنة، و علاقة الحب و الصراع بينهما. لكن، لم أعثر على أي بعد رمزي كما فعل آخرون. فهل كنت تقصد رموزا ما في هذا الفيلم؟

يوسف شاهين: أنا لا أحب الرمزية. و ما نراه في فيلم “اليوم السادس” ليس إلا عبارة عن نماذج حية من البشر. و هناك نموذج واضح في الجيل الذي تضايقت منه. و هذا هو الفرق بيني و بين أندري شديد في الرواية، فهي كتبتها حين كانت صغيرة و أحبت أن تكتبها مرة ثانية بعد مشاهدتها للفيلم. و أندري امرأة عظيمة إذ قالت بأنها ستكتب الرواية برؤية جديدة و برؤية هذه المرأة “الصْدِّيقة”. و الصْدِّيقة بالنسبة لها ملاك و تثير الضحك. و انأ استخدمتها كواحدة من جيلي “كذابة” و “تواعد” في محاولة منها للظهور بقناع المرأة الجيدة تأسر زوجها و تفكر جنسيا في الأستاذ و تهيئ له الطبخ.. و ذهبت تبحث عن الفلسطيني الذي يتكلم شعارات ثورية و لكنه لا يريد الذهاب إلى فلسطين بغرض الكفاح و إنما بغرض ترحيل أهله إلى مصر لكي يريحهم و يبعدهم عن “البلاد كلها”. و المرأة المتخشبة هذه و التي لا تريد أن تتفهم  أحاسيس الأجيال الجديدة، جاءتها آخر فرصة جميلة مع شاب اسمه عكا سيقول لها: “أنا أحب عملي و أضحك الأطفال” فماذا تريد من “شعارية” أكثر من ذلك. و عكا سنه صغير و أحبها لدرجة أنه قد برهن لها عن إمكانية تطوره، و رغم جبنه أخرج الطفل المريض بالكوليرا و أراه البحر الذي يعتبره حلمه، و في هذا تجسيم لقوة حبه و للمدى الذي يصل إليه هذا الحب.

عكا تحدى مشكلة السن معها (فعمرها 45 سنة) و هي لا تعرف كيف تتعامل معه. هي غادرت فلسطين منذ سنوات و تحلم بان تكون مثل الممثلة الأرمينية التي تعمل في مصر، تريد أن تكون أسرة جيدة و محترمة، و لكن من داخلها هي ليست جيدة، تأسر زوجها و لا تعمل على تحقيق أحلامها. كما أنها تفتقد الجرأة تماما في المواجهة الفعلية لأخطائها، فهي تريد أن تحارب وباء الكوليرا لوحدها، و حين يأتي أحد ما لمساعدتها لا تشعر به رغم أنه أفضل منها بكثير. إنها نموذج لجيل فاشل مثل جيلنا.

من هو الخاطئ إزاء شباب اليوم، أليس من المفروض أن لدينا خبرة؟ نحن نريد أن نوصل لكم هذه الخبرة،  فلماذا لا توصل؟ أعتقد أن هذا الجيل لا يفهم و إن كنت أنتمي إليه و أحبه و أفكر فيه، فما زالت لديه عادات بورجوازية موروثة من الداخل و الخارج، و هو غير مدرك للحياة الحقيقية اليومية للإنسان. و الصْدِّيقة حتى آخر لحظة كانت غير قادرة على أن تقول شيئا – مع أنها تحب عكا – كي يحصل تفاعلا تاما و تكمل تجربة الأجيال القادمة.

                           أكتب مرات و خدودى تحمر خجلا

  • مسألة الهم السينمائي و المعاناة السينمائية عند يوسف شاهين دائما نجدها معكوسة في أفلامك سواء في “اسكندرية ليه” أو “اليوم السادس” أو “حدوتة مصرية” بشكل خاص، فهل كان يتم ذلك بخلفية السيرة الذاتية أم لاعتبارات اخرى؟

يوسف شاهين: السيرة الذاتية ليست نرجسية كما يعتقد بعض الناس. و أنا عكست في أفلامي هموم مأساوية، أنتمي حسيا إلى الناس العاديين أحبهم لدرجة الموت. و بدأت أرفض تلك التخاريف الطبقية التي زرعوها في أو التي سمحت لنفسي بأن زرعوها في لأنه جعلتني في صراع دائم. فأنا يجب أن أفعل ما يسعدني، و أن أكون مع الناس الدين ليس لهم هموم الحكاية الطبقية.  و هؤلاء هم الأغلبية و هم الذين يتوفرون على قضية، و أعتبرهم أهم مني. ثمة أناس يبتعدون عن حقيقة الحياة لكنهم موجودون. و هذا الصراع أحب أن أظهره عبر أفلامي، و إذا كانت السيرة الذاتية تعني بأنه لا داعي لضياع الوقت لكنه يضيع، لماذا؟ لأن التربية كانت تتم بالشكل الذي تربيت فيه، و أنت ربي أولادك بشكل مختلف و لا تفعل مثلي، لا تكذب، و لا تخجل وراء أقنعة الأصول و الناس الجيدين..!

بلادنا كلها مفككة و هم يسعون إلى استمرار هذا التفكك، حتى الذاكرة أرادوا تفكيكها. يجب أن نحلل السلبيات الموجودة فينا من أجل توظيفها في أفلامنا، و هذه بحاجة إلى جرأة. هل تعتقد أنه من السهل علي أن أقول بان أبي و أمي كانا على هذا الشكل من السلبية؟ أنأ اكتب مرات و خدودي تحمر في الغرفة حتى الساعة الرابعة صبحا، و عندما أجد أنني وحدي، لا اعرف كيف أكتب و لا بد أن أشحن نفسي بالقوة و الشجاعة كي أواجه الحقائق، فإذا لم أواجه الحقائق هل تريدني أن أسليك؟ ليس هدفي تسلية أحد. نحن نبقى دائما نمارس ردة الفعل، و الفعل ذاته هو الذي يعطي بعض الخطوات التي أقدمها (…)، “حدوتة مصرية” تعني “حدوتة مصرية” فيها معاناة و تعب، و صعب أن تدرك أن أول خطوة يجب أن تخطوها في حياتك هي المواجهة مع ذاتك، و إذا لم تكن عندك الشجاعة الكافية لذلك فبأي حق تريد إبداء الرأي في الآخرين؟

              لا بد أن تحب نفسك لكي تحب الآخرين

  •  سؤال أخير يتعلق بمفهوم الزمن عند يوسف شاهين. إنك مغرم بصياغته سينمائيا في أفلامك، و هذا كان واضحا في فيلم “حدوتة مصرية” من خلال اللقطة التي ظهرت فيها أم كلثوم و هي تغني. فهل توظيفك للزمن نتيجة لقسوته و لكونه أخذ مسارا مخيبا لطموحات الناس أم لأسباب أخرى؟

يوسف شاهين: لما كانت أم كلثوم في مجدها لم أكن أحس بها إطلاقا، و لم أحس بها إلا حين تفاعلت معها كإنسان. في أحد الأيام طلبتني – طبعا أنا مجنون و هي عظيمة جدا- و قد حصل خصام بيننا و شتمت أبي و واجهتها بغلاظة. “حبيتها” فيما بعد و بدأت أستوعب وأحب أم كلثوم بعدما أنكرت وجودها سنين طويلة. و كنت أسمع كلاما من بعض التقدميين على أن هذه المرأة رجعية و تغني عن قضايا متخلفة. و لما أحببتها فهمت أشياء كثيرة جدا، لذلك و وظفتها في لقطة من أهم لحظة في حياتي و التي ابتدأت فيها باحترام نفسي. حين مارست السعادة وجدت أنه كان من حقي أن أكون سعيدا منذ زمن مضى. و من الأشياء التي أسعدتني حين سمعت أم كلثوم هو اكتشافي لحب الذات، فانا بدأت أحب عمري و تجاوزت هي نفسي و احترمها الآن. و لم يعد سلبيا هذا الأمر بالنسبة لي، القول بأن حب النفس أنانية لم يعد ينطلي علي، و هذا كلام “أهبل” و تحليل بدائي و شعاراتي. جيلنا كان يردد شعارات هي ضد طبيعة الإنسان، و حين بدأت أحب طبيعة الإنسان (تكون زي ما بتكون أنا ما يهمنيش) بدأت أحب طبيعتي أنا و لن ألغيها بسبب هذا الهدف أو ذاك. و بعد أن بدأت أحب عمري اتضح لي أن هذه هي أول مرة أخطو فيها نحو الصواب الحقيقي، و تبين لي أنه لا بد للنظر إلى نفسي كي أكون مرتاحا من الناحية الفكرية. إذا أردت أن تحب الآخرين، لا بد أن تحب نفسك، و هذه كانت لحظة مهمة جدا وظفتها في الفيلم.

ملحوظة: الحوار القادم سيكون مع السينمائي المغربي المرحوم محمد الركاب

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Open chat
1
مرحبا