صحافة البحث

ذاكرة إعلامية.. حوار مع محمد الرگاب حول نشوء السينما المغربية وصعوبات النمو و التسويق

- الإعلانات -

ذاكرة إعلامية هي نافذة سيطل من خلالها قراء موقع µ على أعمال صحفية ذات قيمة فكرية، أدبية، فنية وسياسية سبق للصحفي المصطفى روض أنجزها و نشرها في مجلتي الحرية والفكر الديمقراطي الفلسطينيتين و منابر أخرى بالمشرق وصحيفة أنوال بالمغرب. و ستكون البداية مع الحوارات في محور السينما ستتلوه محاور المسرح، الشعر، النقد الأدبي و السياسة.  

محمد الركاب مخرج سينمائي مغربي، خريج المعهد السينمائي في الاتحاد السوفياتي، أنتج فيلم “رماد الزريبة” مع مجموعة من السينمائيين الشباب عام 1976. و أنتج بعد ذلك، فيلم “حلاق درب الفقراء” الذي حاز على إحدى جوائز مهرجان فالنسيا، و هو كان يستعد، قبل وفاته، لإنجاز عمل سينمائي جديد حول القضية الفلسطينية من خلال رسم معاناة إنسان فلسطيني  في بلد عربي معين.

مجلة الحرية الفلسطينية التقت محمد الركاب، صيف 1986، في منزله بمدينة الدار البيضاء، و أجرت معه حوارا مطولا حول السينما المغربية و علاقتها بالثقافة الوطنية وبالجمهور ننشر نصه فيما يلي:

  • ما هي رؤية محمد الركاب كمخرج سينمائي مغربي للوضع السينمائي في المغرب وخصوصية هذا الوضع؟

محمد الرگاب: الضرورة تملي علي إعطاء لمحة تاريخية عن السينما في المغرب لمعرفة الجوانب الإيجابية والسلبية. و أظن أن السينما ليست حالة خاصة حين نقارنها مع جميع المجالات الثقافية الأخرى والموجودة في المغرب، إلا أنها بدأت متأخرة في نهاية الستينات مقارنة بالمسرح والكتابة مثلا. المبادرة الأولى كانت من طرف الدولة بالاشتراك مع القطاع الخاص وأعطت ثلاثة أفلام كنا نعتبرها نموذجا “للسينما الرسمية”.

لأن الدولة هي التي تبنتها مع القطاع الخاص، و أعطت هذه التجربة الأولى ثلاثة أفلام: “حياة كفاح”، و”عندما تنضج الثمار” و “شمس الربيع”، أنتجت بين عامي 1968 و1970، ولم تكن نتيجتها مرضية عنها كتجربة سينمائية. و كسينمائيين كنا نقول بأن هذه التجربة تبناها المركز السينمائي المغربي وهو الذي يتحمل مسؤولية وجودها وبأنها لا يمكن البتة أن تكون نموذجا للسينما الوطنية مستقبلا.

و في بداية السبعينات، أنتج شريط “وشمة” من طرف أربعة سينمائيين مغاربة، و لم يخضع للتجربة الأولى بحيث أنتج بعيدا عن القطاع السينمائي المغربي، و بعيدا كذلك عن القطاع الخاص.

والهدف الأساسي للسينما الوطنية هو مواجهة النموذج السينمائي الأمريكي المهيمن عالميا وما يتبع هذا النموذج الذي لا هم له سوى إنتاج أفلام بإمكانيات ضخمة لإبهار المتفرج و إخضاعه لعملية استهلاك الصورة و الصوت والألوان و الجماليات بدون أية مردودية ثقافية.

والسينما الثالثة كانت تناقش هذا النموذج باهتمام و جدية بالغين، وكانت تجابهه وتقترح تعويضه بنموذج آخر ألا وهو إنتاج أفلام بإمكانيات ضئيلة جدا وتضمينها إمكانيات إبداعية هائلة مع المواضيع و المضامين غير الموجودة في السينما التجارية. هذه السينما التي وجدت في كوبا والبرازيل والأرجنتين و في معظم دول أمريكا اللاتينية (و المسماة بالسينما الثالثة) منها أخذت تجربة “وشمة” و كانت تعتبر تجربة جديدة في المغرب.

و ثمة شباب سينمائيون مغاربة قادرون على بناء سينما وطنية مستقبلا حيث لا يكفى القول بأنه لا يمكن بناء سينما وطنية كما يريد أن يوهمنا النموذج الأول الذي ظهر في آخر الستينيات والذي يقول أصحابه بأنه لا يمكن فعل أكثر من ذلك، وفي السبعينيات تبين أن السينما المغربية يمكن أن تكون جيدة و لو بإمكانيات ضئيلة.

التجربة الثالثة ظهرت في السبعينات في إطار الإنتاج المشترك بين المغرب والدول الأجنبية. و هذا النموذج كان يشرف عليه المخرج سهيل بن بركة، إذ أن جميع الأفلام التي أنتجها منذ فيلمه الأول “ألف يد ويد” و حتى فيلم “أموك” تنتمي إلى هذا النموذج المشترك، و الذي كان يخضع، مع الأسف، لبعض الشروط، حيث يستحيل أن تصنع فيلما مع الإيطاليين وتفرض عليهم إنتاج فيلم على شاكلة “رماد الزريبة”. الإيطاليون يشترطون على السينمائي المغربي إشراك ممثل أو ممثلين إيطاليين ويفرضون عليه قيمة إنتاج كبيرة وبأن تكون بحوزته إمكانيات مادية ضخمة حتى يتمكن من الإنتاج المشترك معهم و يضمنوا له في هذا المجال السوق العالمية لعرض الفيلم. و الفرق هو أن الإنتاج المغربي لا يخرج عن السوق المغربية و لا يصل إلى السوق العالمية، ولا يمكن أن يعرض إلا في المهرجانات وفي بعض المؤسسات الثقافية و الأندية السينمائية.

و على هذا الأساس فهو ليس  قادرا على فرض نفسه في السوق العالمية التي تستعين بها السينما التجارية، لأن الفيلم المغربي لا يتجاوب في موضوعه وتركيبته و أسلوبه مع السينما التجارية. و مع ذلك، قد نتساءل، كما تساءلنا في السابق، هل بإمكاننا صنع فيلم سينمائي أولي؟ الجواب هو أن في المغرب شبان لهم القدرة على بناء سينما وطنية. لكن هناك غياب للإمكانيات والأطر والقوانين…

المهم هو أن هذه التجربة يميزها شئ واحد هو أن ظهورها كان مرتبطا مع شخص وبدل الدولة أو مؤسسات.. فقط أفراد طرحوا النقاش وخرجوا بهذا النوع من التجربة منذ بداية السبعينات إلى سنة 1980.

الكم الإنتاجي للسينما بين عامي 1980 و1983 مستواه التقني والفني خال من أي تقدم

محمد الرگاب

أما بعد 1980، فإن الوضعية ستتغير، و كل ما قيل سوف لن يتكرر و التجارب التي ظهرت كانت تنتمي إلى أفراد من خلال همهم الثقافي والسينمائي والمعنوي و بالتالي لم يعد لهم النفس الذي كان سابقا. لماذا؟ لأن الدولة سنت قانونا يسمى “صندوق الدعم” و يقضي بمنح كل منتج مغربي- وألح على هذه القضية – وليس سينمائيا مغربيا- إذا صنع فيلما مغربيا تسلم له منحة قد تصل إلى حدود مليون سنتيم. هذه السياسة خلقت حافزا عند كل السينمائيين- و حتى غير السينمائيين- لإنتاج أفلام كي يصلوا إلى غاية واحدة و هي الحصول على المنحة. و لاحظت شخصيا- مع كامل الأسف- بأن السينمائيين سقطوا في فخ الإنتاج و ليس في الإبداع السينمائي، و بذلك تحولنا إلى منتجين- و نحن لسنا منتجين- و تناسينا أنه يجب أن نكون مبدعين قبل أن نكون منتجين. إذن، أصبحت المنحة هي الغاية والهدف الذي يفكر فيه و ليس السينما. الغريب في الأمر، هو أن قانون المنحة هذا أعطى إنتاجا هائلا، فخلال سنتين ثم إنتاج ثلاثين فيلما بينما خلال عشرين سنة لم يتم إنتاج سوى سبعة أفلام فقط. و قد نتساءل كيف حصل ذلك؟ الحقيقة أن هناك حوافز لها علاقة بأهداف مادية أكثر من هموم سينمائية و ثقافية. لماذا؟ لأن ثلاثين فيلما لم تكن من ورائها أية نتائج ثقافية ولا حتى مهنية. و إذا تفحصنا هذا الكم الإنتاجي الذي ظهر بين عامي 1980 و1983 نجد مستواه التقني والفني خال من أي تقدم، بل ليس هناك تغيير بين الأفلام التي أنتجت عام 83 وبين فيلم “رماد الزريبة” الذي أنتج عام 1976، وعكس ذلك، نجد فيلم “وشمة” لا زال يتميز بجودته التقنية أكثر من الأفلام المذكورة.

 إذن، هذه التجربة أعطت سلبيات أكثر، لأن ذلك الكم من الإنتاج السينمائي لم يستثمر لكي يشاهد من قبل الجمهور ولا هو طرح إشكالية السينما الوطنية في المغرب رغم وجود هموم و انشغالات عند السينمائيين المغاربة. و الغريب أن الدولة صرفت من أجله إمكانيات مادية من خلال المنح ولم ترتبط به كمضمون يمكن استغلاله على مستوى التوزيع. و هذا شيء سلبي واقترح لو أعطيت المنح المالية وإمكانية الإنتاج للأندية السينمائية لما كانت الأمور أفضل بكثير.

ولا بد من الاعتراف بأننا لسنا دولة مصنعة. و إذا كانت السينما مرتبطة بالصناعة والثقافة، فعندنا في بلدنا مرتبطة بالثقافة، و لا يمكن أن ترتبط بالصناعة لأن المغرب لا توجد فيه صناعة سينمائية. و إذا كنا نحلم بتأسيس سينما غدا، فنحن نكذب على أنفسنا، لأن السينما صناعة كما هو معروف عالميا، و لا يمكن أن تتأسس إلا في بلد صناعته واقتصاده يقومان على الإنتاج الوطني و التصدير. و بما أن السينما تخضع لهذا التعريف، و بما أننا لسنا دولة مصنعة، فيجب – كذلك- أن تكون هناك سينما، فبواسطتها يتم التوجيه والتربية و التعبير عن واقع محدد، و هي ضرورة من الضرورات الموجودة في أي بلد، شأنها في ذلك، شأن الصحة والتعليم.. إلخ. و بما أن حال بلدنا كما شرحت لك، فلا يمكن إخراج فيلم  مطول في غياب أدوات السينما الفنية كمختبر الألوان ومصنع التحميض. و بما أن السينما غير موجودة والصناعة كذلك غير موجودة، وجود الأولى رهين بوجود الثانية، فما هو الحل إذن؟

الإنتاج المشترك يعتبر من الحلول الموجودة في العالم المتخلف، و بما أننا نفتقد للصناعة يجب أن نتعامل مع إيطاليا التي لديها صناعة سينمائية، و نحن نمارس الثقافة الوطنية من خلال عمل مشترك معها، و نقوم بتحميض و تركيب الفيلم في إيطاليا. وهذه إمكانية تعمل بها أمريكا و فرنسا، و كذلك الاتحاد السوفياتي.

  •  في حديثك أشرت كأساس لسينما وطنية وجود دولة مصنعة، و نحن نعلم أن ثمة مجموعة دول غير مصنعة، و مع ذلك لديها سينما ضخمة، و نأخذ كمثال مصر أو تركيا اللتين لا يمكن اعتبارهما من الدول المصنعة و كذلك الهند التي تعتبر أول بلد منتج من حيث الكم على المستوى العالمي و تفوق بكثير هوليود. هذه ملاحظة أولى، أما الملاحظة الثانية فتتعلق بالفيلم المشترك الذي قد يؤدي إلى إلغاء الخصوصية الثقافية المغربية، خصوصا إننا نعاني من غياب السينما الوطنية، بل لم يمهد لها حتى الآن. في ظل هذه الحالة، كيف تتصور إمكانية إنتاج أفلام مشتركة فيها سمات معينة للثقافة الوطنية المغربية؟

محمد الرگاب: الحديث عن الدولة المصنعة ليس معناه بالشكل الذي توجد عليه أوروبا أو أمريكا. من النماذج التي اخترت لمناقشتي هي مصر و الهند وتركيا. مصر مثلا، ليست دولة مصنعة كما هي إيطاليا أو أمريكا أو الاتحاد السوفياتي، و لكنها مصنعة فقط على المستوى السينمائي بحيث بدأت فيها الصناعة السينمائية منذ الثلاثينيات داخل الوطن المصري و بالتالي تم تأسيس سوق سينمائي سمح ببلورة صناعة سينمائية و ضمن تقدمها.

نحن في المغرب لا يمكن أن تكون عندنا صناعة سينمائية.

الهند البلد الوحيد الذي ينتج 600 فيلم سنويا لأن سوقها تسمح لها بأن تصبح مصنعة. صحيح أنها لا تمتلك  صناعة الطائرات والسيارات و لكنها تمتلك صناعة السينما حيث تعتبر من الصناعات الضخمة الموجودة في الهند، إذ تتوفر على  1600 أستوديو للتصوير، و هذا العدد لا تتوفر عليه هوليود التي لم يسبق لها أن عرفت مثل هذا الكم من الاستوديوهات.

نحن في المغرب لا يمكن أن تكون عندنا صناعة سينمائية. لماذا؟ لأن السوق المغربية غير قادرة على خلقها. والفيلم المغربي يساوي مائة مليون سنتيم، ويتم توزيعه في السوق الوطنية التي تحتوي على 2600 صالة (سنة 1986) وهو لا يعرض سوى في 16 منها، نصيبه من الرصيد المالي كدخل، حتى لو كان كبيرا، تِؤخذ منه الضرائب جزءان و الموزع جزءا، و لا يبقى من ذلك الرصيد المالي سوى ستة أو سبعة في المائة. الفيلم المغربي حين يعرض في كل صالات المغربي لا تتجاوز مداخليه 80 مليون سنتيم. 

إذن، لا يدخل القيمة العامة منه، حتى القيمة الإنتاجية له، و بذلك يستحيل على هذه السوق أن تخلق صناعة سينمائية داخل هذا الوطن. حينما تصنع فيلما مع إيطاليا، فإنك تستعمل استوديوهات و مخابر وتقنيين من هذا البلد. أنت تقول بأن الفيلم المشترك قد يلغي الخصوصية الثقافية المغربية في الوقت الذي لا وجود فيه للسينما الوطنية. أنا أقول في  الظروف التي نعيش حاليا ثمة أناس سينمائيون لديهم الهم الثقافي ولديهم القدرة على القيام بإنتاج فيلم مشترك مع إيطاليا بحيث يضمنون خصوصية الثقافة الوطنية. و مثال على ذلك، فيلم “ألف يد و يد” لسهيل بن بركة، فهو فيلم ليس ناجحا مائة في المائة على مستوى تركيبته و كتابته الأدبية والثقافية، و لكن بإمكان هذا الفيلم أن يعطي خصوصية للثقافة الوطنية.

  •  هناك ملاحظة أساسية في جانب الصورة حيث تم توظيف البطاقة السياحية (البطاقة البريدية) و هذه مآخذ النقاد على سهيل بن بركة في فيلميه “ألف يد و يد” و “عرس الدم”، و بما أن البطاقة السياحية تثير إعجاب المشاهد الأوروبي، فثمة احتمال كبير أنها شرط إيطالي و في ذلك مرة أخرى، أساس لإلغاء خصوصية الثقافة المغربية.

محمد الركاب: هذه مسؤولية تعود إليه. واعتقد جازما أن العمل المشترك يجب أن يكون من ورائه سينمائيون يحملون هم الثقافة الوطنية ويبرزونها داخل الفيلم المشترك. ما هي الغاية من الفيلم المشترك؟ الغاية مادية أكثر منها ثقافية، حيث تلتقي منتجا أجنبيا يقرأ السيناريو وعندما يعجبه قد لا يعترض على مضمونه في حال وجود حمولة للثقافة المغربية، وما يهمه أكثر هو وجود مؤشرات لدر الأرباح لا غير، و إذا جالست هذا المنتج الأجنبي و ناقشته في المسائل الثقافية داخل الفيلم، قد لا يرفضها لكنه سيناقشك في أمور أخرى كالممثلين والمصور ومن سيمثل بجانب الممثلة وربما يطلب منك إضافة مشهد للإغراء. وهذه الأشياء تعطيه إمكانية الدخل المادي، و إذا كنت تدافع عن نقاط أساسية في السيناريو ولها علاقة بخصوصية الثقافة الوطنية فإنه لا يرفض ولا يهمه بتاتا إنتاج فيلم مغربي مشترك ببعد ثقافي وطني. فيلم “أموك” مثلا لسهيل بن بركة كان بالإمكان استثماره في قضايا غير إفريقية، لأن المسألة تكمن في ذكاء السينمائي المغربي.

  •  هناك إشكالية ضخمة يعاني منها الفيلم المغربي و هي الجمهور. كسينمائي مغربي كيف تنظر لهذه الإشكالية خصوصا وأن معظم الأفلام المغربية لا يتواصل معها الجمهور و لم يكن عليها إقبال باستثناء بعض الأفلام مثل “حلاق درب الفقراء” و”الحال” للمخرج احمد المعنوني؟

محمد الركاب: أولا، ليس هناك رفض من الجمهور المغربي للفيلم المغربي. كل فيلم مغربي، بغض النظر عن مستواه، يجد جمهورا معينا، وأريد في حديثي أن أعرف بنوعين من الجمهور. هناك غياب الجمهور الذي بإمكانه المساهمة في خلق سينما وطنية. ولا أظن أنه سيوجد بسرعة في العام المقبل، لأن خلق هذا النوع من الجمهور يتطلب نفسا وعملا طويلين، و كذلك، يتطلب جهدا مسؤولا من الدولة حتى يكون هناك جمهور يحتم على السينمائي أن يُنتج و يُبدع. وغياب الجمهور لا ينتج سينما وطنية ونحن ليست لدينا قاعات كثيرة، وعلى قلتها نجد الجمهور يشاهد الفيلم المغربي. والعدد القليل من القاعات مع عدد الجمهور لا يسمحان للفيلم المغربي أن يعيش حتى يعطي إمكانية إنتاج فيلم آخر.

ما هي وضعية هذا الجمهور؟ الجمهور مرتبط أساسا بسينما غير مغربية يعود عمرها إلى 80 سنة، وتفرض عليه مفاهيم معينة نجدها في جميع الأفلام التجارية: جماليات، ممثلون، تركيبة الفيلم، الحركة داخل الفيلم، الموسيقى.. إلخ. هذه المفاهيم التقنية صنعت عند الجمهور المغربي عقلية استهلاكية، وأصبحت عنده رؤية خاصة وضعت بمقاييس مزاجه و عقله. ليس هناك فيلم مغربي توجد فيه مثل هذه المفاهيم والتقنيات، لأن كل الأفلام المغربية مصنوعة بإمكانيات ضئيلة، و ممثلوها غير معروفين ومواضيعها لا تهم هذا الجمهور، و إذا شاهدها فلأنها أفلام مغربية فقط. و ليس في هذه الأفلام ما يغري كما هو الحال مع الأفلام التجارية ذات التقنية الغربية، والتي تعطي “سعادة” للمتفرج سواء على مستوى المضمون أو الشكل.

المواطن المغربي مستلب من طرف السينما التجارية

الرگاب

لماذا لا يوجد هناك عدم تواصل بين الجمهور المغربي والفيلم المغربي؟ لأن ثمة إشكالية موجودة. المواطن المغربي ليس مستعدا أن يتعامل ثقافيا مع عمل ثقافي. المواطن المغربي مستلب من طرف السينما التجارية بكل معطياتها ومؤثراتها الثقافية الأجنبية. لذلك ليس سهلا عليه التعامل مع الفيلم المغربي، فهو يجهل ذاته ووضعيته داخل هذا الفيلم، والقضايا التي يطرحها لا يرغب في مشاهدتها البتة، لأن الأفلام المغربية لا تغريه و لا تقدم له الخطاب الذي يعجبه، و ربما لم يلق فيها تلك الشخصية المؤثرة التي يتقمصها.

لاحظ معي مثلا فيلم “حلاق درب الفقراء”، البطل “الحبشي” كان يظهر فيه كشخصية معذبة من بداية الفيلم حتى نهايته. الجمهور المغربي يرفض شخصية المعذب لأنه يريد أن يكون “سعيدا”، و لا يمكن أن يكون كذلك، إلا مع بطل جميل يكون دائما هو المنتصر و المتفوق والإيجابي ولديه الإمكانيات لحل كل المشكلات.

فغياب هذه المسائل في الفيلم المغربي يجعل الجمهور المغربي يبتعد عن الأفلام المغربية.

ثانيا، هناك أشياء مبعثرة تقلق الجمهور المغربي، وليس سهلا كوننا نريد صناعة ثقافة سينمائية ونعرضها للاستهلاك في أول وهلة بنفس الطريقة التي تستهلك بها الثقافة الأجنبية. فذلك مستحيل، و هذه عقلنة ليست لها علاقة بالسينما ويمكن أن نجدها في جميع المواضيع الثقافية كالشعر والقصة القصيرة والرواية والرسوم، والأفلام التي حققت ذلك فقط لأنها مست وترا حساسا عنده على المستوى الإيديولوجي، مثل فيلم “الحال” الذي توجد فيه ثقافة وطنية على مستوى الغناء. و إذا قدمت فيلما عن “الشيخات” (النساء اللائي يرقصن ويغنين في الأعراس) قد يتأثر أكثر بحكم الرنة الموسيقية. و إذا قدمت للجمهور المغربي عملا سينمائيا فيه بطل مغربي، يحتاج في الواقع لإشارات يلبسها كي يساير ذلك البطل الذي يعكس خطابا قد يرضيه بقدر ما هو منفصل عن الواقع المغربي، لأنه إذا كان خطابه يتعرض للواقع المغربي فإن الجمهور المغربي قد ينفر منه وقد يجيبك على أنه لا جدوى من عكسه لواقع يعيشه يوميا. فماذا يجب فعله إذن؟

أولا، لا بد من الكم الإنتاجي حتى و إن رفض الجمهور المغربي الفيلم المغربي لأول مرة أو ثاني مرة إذا كان مفروضا عليك استهلاك ثقافة وطنية. فكيف ما كان الحال، لا بد أن ننتج فيلما قد يعجب الجمهور، و مثل هذا الفيلم قد يكون نموذجا للفيلم الناجح في هذا البلد، و يمكن أن يأخذ طريقه نحو البلورة والتقدم باتجاه خلق سينما وطنية مستقبلا، لأنه حتى إذا تساءلنا هل لدينا سينما وطنية أم لا، أنا شخصيا أقول ليس لدينا لأنه من الصعوبة بمكان خلقها في سنوات قليلة، مثل قطار يوجد فيه رسم وموسيقى ومسرح و أدب و سينما، و بهذا القطار يمكن التكهن بإمكانية  خلق سينما ذات هوية وطنية في الوقت الذي لا يوجد عندك لا رسم و لا مسرح و لا أدب و لا شعر.

إن المنتوج السينمائي المغربي بصفة عامة تم فيه تغييب الإبداع

محمد الرگاب
  •  في هذا الإطار أريد طرح سؤالين: دائما في الساحة الثقافية المغربية ما يجري الحديث عن الثقافة الوطنية، و هناك وجهات نظر مختلفة إما أنها تطرح كمشاريع ثقافية  وإما من خلال آراء بعض المثقفين. و يهمنا بهذا الصدد معرفة تصور محمد الگاب للثقافة الوطنية على المستوى السينمائي. هذا سؤال أول، أما السؤال الثاني فيتعلق بموضوعة النقد السينمائي في المغرب، هل هناك وجود لهذا النقد و بالتالي كيف تعاملت تجربة “النقد السينمائي” مع الأفلام المغربية؟

محمد الرگاب: أظن أن هذا السؤال مرتبط بوضعية السينما كذات. نلاحظ أنه في السبعينيات كانت هناك حركة حتى على مستوى الإنتاج السينمائي ولو أنه كان ضعيفا. كانت تظهر بعض الإشارات التي تزكي وجود مكونات ثقافية في السينما المغربية والتي تنطلق من واقع مجتمع مغربي يتطلب اقتحامه من طرف السينمائي ليتعرف عليه و يكون قد عاش فيه و في مشكلاته. و من خلال معاناته داخل واقع المجتمع قد يستمد موضوعاته و يحللها ويصورها ومن ثم يقدمها لذلك المجتمع. هناك إشكالية طرحت في السبعينيات، و هي لمن يجب أن ننتج سينما وطنية؟ هل لجمهور معين أم للجمهور بصفة عامة؟ و من هو الجمهور الذي سننتمي إليه وسنصنع له سينما وطنية؟ إن المنتوج السينمائي المغربي بصفة عامة تم فيه تغييب الإبداع، و هذا راجع لكون السينمائي مستقلا من جهة و مرتبطا بإيديولوجية معينة من جهة أخرى، أي إيديولوجية الجماهير الكادحة، و أصبح يخدم لصالح الإيديولوجيا وتناسى المنتوج الذي يجب أن يرتبط به أكثر، لأن الإيديولوجيا لا تجسم في هدف العمل السينمائي. و ليس لي الحق في أن أقول، مثلا، بأني أردت القيام بعمل سينمائي كي يصفق له العامل، و إنما  أريد إنتاج عمل سينمائي وأنا مرتبط بهذا العمل. و همّي هو الإنسان و ليس شيئا آخر. و مادام همّي هو الإنسان فإن عملي سيكون لا محالة إنسانيا. إذا كان همي هو تحليل رأس المال ستجدني أنتمي إلى مدرسة تقول بتحليل رأس المال من خلال بضاعة معينة. و أعتقد أن السينما، إذا أريد لها ان تكون في هذا البلد، لن تكون إلا سينما طبقة معينة. و معروف أن التجارب الثقافية في المغرب منذ الاستقلال إلى يومنا هذا، هي تجارب حركة اليسار الثقافية. الآن يمكن الحديث عن تحول الثقافة باتجاه آخر، و الخطأ الذي يجب على المبدع أن يتفاداه، و هو ألا يبدع انطلاقا من طبقة معينة، و أن يولي الأهمية للجانب الإبداعي؟

  • وماذا عن جانب النقد السينمائي؟

محمد الرگاب: أظن بأن ثمة غياب للنقد السينمائي في المغرب، و هذا لا يرجع لغياب النقاد و إنما لغياب السينما المغربية. و لا يمكن إيجاد نقد سينمائي بدون إنتاج، فالإنتاج هو الذي يخلق النقد، و حين تضمن خلق الإنتاج فهذا يخلق النقد و النقد يخلق الإنتاج ضمن دائرة مغلقة.

الصايل كان تبنى مدرسة نقدية معينة تنتمي إلى ثقافة اليسار

الرگاب

في التجربة المغربية النقدية، كانت حركة السبعينيات (ماتت في الثمانينيات) مرتبطة بأناس مثل نور الدين الصايل وحملت توجهات نقدية لها نفس الهم الموجود عند بعض السينمائيين. وهذا كان إيجابيا. الوقت الذي كان يكتب نور الدين الصايل نقدا سينمائيا على فيلم “وشمة” و يتعرض فيه للجوانب السلبية والجوانب الإيجابية في إطارات متعددة، سواء في تركيبة الفيلم، نوعيته  في كتابته، و حتى على مستوى السوق الذي سيعرض فيها الفيلم، تجده يتبنى مدرسة نقدية معينة تنتمي إلى ثقافة اليسار. و نوع هؤلاء المثقفين مثل نور الدين الصايل قلائل جدا. وجميع الأشياء النقدية التي تبلورت في المغرب ضئيلة جدا. و إذا جمعناها ودرسناها نجدها قليلة قياسا بالإنتاج. إلا أن هناك ملاحظة، و هي أن الكلام الذي قيل عن السينما هو أكثر بكثير من الإنتاج السينمائي، وللأسف، الكلام كان أكثر صبيانية وأكثر تهديما من النقد البناء. و هذا يرجع لكون وضعية السينما في المغرب غير واضحة. و بعض الناس يتكلمون عن أشياء لا علاقة لهم بها كما حصل في الإنتاج السينمائي، بعض الناس ينتجون أفلام من دون أن تكون لهم علاقة بالسينما. كما إنني لا أفهم كيف أن الإنسان يصنع فيلما عن القضية الفلسطينية، وهو لا علاقة له بالقضية الفلسطينية لا فلسفيا ولا معنويا ولا سياسيا ولا إيديولوجيا ولا أي شيء آخر. فقط لأن هذه هي “موضة” الناس تهتم بالقضية الفلسطينية و هو يريد استغلال الاهتمام بها لإنتاج فيلم عن فلسطين. هذا في الوقت الذي نجد فيه أن الأعمال الإبداعية الجميلة يكون صاحبها قد اشتغل حياته كلها في موضوع سينمائي واحد. “برغمان” اشتغل على موضوعاته منذ ولد، و تتمحور بالأساس في موضوعات التحليل في أعماق البشر. يتناول الإنسان و يعمل على النفاذ إلى داخله ليكتشف ما عنده في حياته اليومية وارتباطاته مع صديقته و زوجته و هكذا.. و هذا النوع يوظفه في جل أفلامه.

  • سمعت مؤخرا عن مشروعك الجديد لإخراج فيلم عن القضية الفلسطينية، إذا آمكن أن تعرفنا على توجهكم في هذا الجانب؟ هل سيكون الفيلم عن القضية الفلسطينية مفصولا عن التجارب السينمائية السابقة التي تعاملت مع القضية الفلسطينية، كالتجارب العربية عند السينمائيين الفلسطينيين والعرب و التجارب الأوروبية أم أنك ستوجه فيلمك انطلاقا من إحدى التجارب المذكورة؟

محمد الرگاب: في الواقع سوف أخرج عن الأعمال والتجارب السينمائية السابقة، لأن هذه الأعمال عن القضية الفلسطينية ذات طابع تكميلي.. كل عمل يكمل الآخر وتوجد فيه أفكار قد تكون جديدة بالنسبة للأعمال القديمة. لا أظن أن هناك التباس من طرفي أو من طرف يوسف فاضل الذي أنجز السيناريو. لسنا نحن من يجب أن يقول هل يجب أن يكون الفيلم خارج أو داخل الأعمال السينمائية السابقة لأن ذلك مهمة الجمهور والنقاد. كل ما هنالك أن الفيلم سنخرجه بصدق و بإيمان بالقضية الفلسطينية. والفيلم  سوف لن يطرح المشكل الفلسطيني كما طرح في الأعمال السابقة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. هذا فيلم يتكلم عن القضية الفلسطينية خارج فلسطين. و سبق أن أشارت له الصحافة، و كان مقررا إنتاجه مباشرة بعد “حلاق درب الفقراء”. و لكن لظروف موضوعية لم نتمكن من ذلك. والآن، يظهر لنا بعض الطموح من طرف المسؤولين الجدد في المركز السينمائي المغربي، و على رأسهم سهيل بن بركة الذي رغب في تقديم هذا المشروع، وتوجد كذلك رغبة عند منتج تركي اسمه فريد ابدكو، و هو كاتب ومنتج، كما أن هناك رغبة عند منتج مصري اسمه خليل عثمان خليل. كل ما هنالك هو أن المضمون الأساس لهذا الفيلم مرتبط بالقضية الفلسطينية وبالوضعية العامة بالشرق الأوسط. 

  •  وضعية هذا الإنسان الفلسطيني، لكن من أية جوانب مثلا، هل تقصد مجموعة علاقات محددة؟

في مجموعة علاقات و في انهيارات الإنسان الفلسطيني داخل الدول العربية. إنسان فلسطيني يريد العمل في المسرح كممثل، طموحاته محدودة جدا و سيزور الأقطار العربية لكي يعمل في المسرح كغاية أساسية وهو متزوج و له أولاد ولكنه (في البلد العربي) كان يدور في دوامة من التفكير في عمله، و سنكتشف في آخر الفيلم أنه سيحبط و لا يتوفق نهائيا في العمل بالمسرح.

*الحوار القادم سيكون مع الناقد التونسي الطاهر شريعة