صحافة البحث

[افتتاحية].. قبل أن يزحف الظلام على الذاكرة.

- الإعلانات -

تدنيس تذكار الراحل عبد الرحمن اليوسفي، من قبل مجهولين بطنجة،  يظهر النفق المظلم مُمْتلئً بالحقد والكراهية ونبذ القيم الإنسانية. الظلام الذي يُورّث لأجيال بغطاء الإيديولوجيا أو الدين. كراهية وظلام يوجد في النقيضين على حافة أقصى اليمين السلفي، إلى حافة أقصى اليسار الراديكالي. ولو أن  الراديكالية الدينية هي التي غزت عقول شباب، متحمس ومكسور، وفرت له الطوباوية في زمن محذور فيه الحلم.

ذاكرة المغاربة النضالية، من المقاومة وجيش التحرير إلى أحداث خنيفرة ومولاي بوعزة سنة 1973، والحركة النضالية اليسارية من داخل السجون أيام سنوات الرصاص، (الذاكرة) « حفات » وتلاشت باستراتيجية نظام الملك الراحل الحسن الثاني التي كانت تهدف إلى طمس التاريخ وكتابة تاريخ رسمي يرفع أمجاد الملكية ويمحي أي اشتراك لرجالات المقاومة والكفاح. 

الصراع اليوم لم يعد فقط صراعا حسِم في أغلبيته للملكية في مسألة صناعة الذاكرة والفرجوية الوطنية (الفلكلور)، بل أصبح الصراع هوياتيا أكثر بعد ظهور الحركات الإسلامية وخاصة بعد صعودها إلى تدبير السلطة مع حراك « الربيع العربي ». فالصراع اليوم أصبح صراع مراجع: بين الشريعة والشرعة الدولية (القوانين الكونية)، بين الزعامة السياسية والدينية… 

فلنعد فقط إلى خبر تغيير أسماء مجموعة من الشوارع والأزقة بمدينة تمارة، التي يسيرها حزب العدالة والتنمية الذي يقود أغلب المدن الكبرى، ووضع أسماء مشايخ الشرق عليها عوض الإحالة على شخصيات مغربية من رجالات الأمس، أفلا يعني ذلك وضعها وتمريرها من مجلس منتخب أن « الذاكرة حفات » ؟، أم هي محاولة زحف المرجعية السلفية والإخوانية بأعلامها وأسمائها لمستوى ما يحلم به العقل السلفي لتعود « دولة خلافة الأمة »؟ في تغييب تام للشخصية المغربية التي ساهمت، بلا شك، في تشجيع الفكر النقدي من داخل النص الديني نفسه لتنتج سلفيتها الوطنية وتدينها الخاص الذي لا يمت لسلفية « الخطر القادم من الشرق » بصلة. 

فتدنيس التذكار/الشاهد لعبد الرحمن اليوسفي، يحمل رمزية صراع « شواهد التاريخ » أكثر من حادث عابر لمجموعة « ضالة » أو تخريبية. صراع يبدأ بطمس الماضي وتبديله بجديد يعبّر عن هوية ومرجعية يراد لها أن تكون غالبة. 

بتغييب شهود الأمس نبدأ في خلق شعب بلا هوية مستقبلا، ووشم ذاكرته بمرجعية يختلط فيها الإستبداد السياسي بالديني، وعوض أن يفتخر أبناء هذا البلد برجالات ماضيه ستصبح ذاكرته منقسمة إلى قسمين: قسم يحيل على مرجعية « الدولة المؤدلجة » من خلال رموز ودلالات تحيل على تاريخ مجد « الدولة »، زائفا كان أو حقيقيا، وقسم أخر يُحيل على مرجعية التدين السلفي والإخواني وذلك بترميز شخصيات من المرجع السلفي الوهابي ومحاولة إقحامه في الهوية/ الشخصية المغربية التي بدأت تطبّع معه منذ بداية الثمانينيات، ومنذ لحظة دعم هذا التوجه من قبل الدولة آنذاك لهزم الحركة اليسارية داخل الفضاءات العامة. 

فلا تدنيس تذكار اليوسفي ولا تبديل أسماء شوارع بمدينة بأسماء شخصيات « وهابية »، هي أخبار عارضة، بل هي إنذارات أولية قبل زحف الظلام  على الذاكرة الوطنية، بعدما زحف سياسيا واجتماعيا، في السبعينيات، لكن صراعه، على ما يبدو، لا يحده حقل السياسة وانتقل إلى صراع الهوية والذاكرة.