صحافة البحث

ذاكرة إعلامية.. سمير فريد: وزارات الثقافة العربية تتعامل مع السينما كأنها ملاهي ليلية.

- الإعلانات -

ذاكرة إعلامية هي نافذة سيطل من خلالها قراء موقع µ على أعمال صحفية ذات قيمة فكرية، أدبية، فنية و سياسية سبق للصحفي المصطفى روض أن أنجزها و نشرها في مجلتي الحرية و الفكر الديمقراطي الفلسطينيتين و منابر أخرى بالمشرق وصحيفة أنوال بالمغرب. و ستكون البداية مع الحوارات في محور السينما ستتلوه محاور المسرح، الشعر، النقد الأدبي و السياسة و الفكر.  

كان دافعنا الأساسي في هذا الحوار مع الناقد السينمائي المصري سمير فريد الوصول إلى خلاصات و أفكار أساسية عن “النقد السينمائي” باعتباره مجالا لا يحظى بأدنى عناية

لا من حيث البحث في مناهجه ولا من حيث تأسيس معاييره وأسسه العلمية في حقلنا الثقافي العربي. والناقد المصري سمير فريد غني عن التعريف فهو مارس النقد منذ فترة طويلة في مجال المسرح و بعدها في مجال السينما، كما أسهم في الكتابة النقدية السينمائية في العديد من المنابر و ألف في هذا الإطار عشرة كتب. لهذا السبب كان لحوارنا معه ما يبرره في محاولة استجلاء الكثير من الإشكاليات المتعلقة بالنقد السينمائي و بالكتابة عن تاريخ “السينما العربية”.

  •  يجري الحديث باستمرار عن مفهوم النقد السينمائي، فإلى أي حد يمكن اعتباره موجودا من الناحية العملية في الثقافة العربية؟

سمير فريد:  إنه موجود بالطبع لأن النقد السينمائي في مختلف الثقافات هو على نفس الحالة التي عليها في الثقافة العربية و الفروق فقط في القيمة و المفهومية و في مدى الدقة  العلمية. و كل ما يشكل رأيا في الأفلام هو نقد سينمائي، أما كون هذا النقد هل هو علمي أو منهجي أو مجرد انطباعي و بسيط، فهذه مسألة أخرى. في أميركا حين بدأت السينما كان النقد عبارة عن آراء في الأفلام يكتبها أشخاص غير متخصصين و غير منهجيين. و المسألة النقدية مرتبطة بحالة السينما ذاتها، مثلا، النقد الأدبي غير منفصل عن حالة الأدب، و النقد السينمائي عير منفصل عن حالة السينما نفسها، و هو موجود في الثقافة العربية منذ أن دخلت السينما إلى العالم العربي، و بدا الناس يشاهدون أفلاما أجنبية قبل البدء في الإنتاج السينمائي و لكنه ارتبط بوضع السينما و الثقافة في المجتمع. 

             حتى نهاية الخمسينات لم يكن هناك رأي سينمائي إلا لأحمد بدرخان

  •  عملية النقد السينمائي في أمريكا اللاتينية بالنسبة لسينمائييها التقدميين منبثقة من تصوراتهم السينمائية و الثقافية و التي كانت دائما موجودة قبل عملية الإنتاج، و بخلاف ذلك يمكن تلمس غياب عملية النقد السينمائي في واقع الثقافة العربية و علاقتها بالسينما. فما هو رأيك إذن ؟

سمير فريد:  إن أول من كتبوا نظريات في السينما و عبروا عن تفكير نظري حول السينما كانوا مخرجين في كل العالم. الكتب الأساسية الأولى هي لـ “إيزنشتاين” و مخرجين آخرين مارسوا العمل السينمائي ثم فكروا في وضع أفكار نظرية، أو ما يسمى تجاوزا، نظريات في السينما، و هذا يؤكد الارتباط الهام بين الإنتاج السينمائي والنقد في العالم العربي. المخرجون الأوائل و الأواخر، حتى الآن، لم يفكروا نظريا في السينما ولا حتى أن يكتبوا عنها، و من خلال ممارساتهم السينمائية تنبثق لديهم فكرة أو رأي في السينما. ربما الوحيد الذي عبر عن رأي سينمائي كان أحمد بدر خان عام 1936. و هذا الرأي رغم عدم تكامله وضعفه الشديد، فإنه الوحيد الذي قيل قبل الخمسينات، و يقوم على أساس أن السينما فن هدفها التسلية وإظهار الصور الجميلة، و بناء عليه فهو يحدد أماكن التصوير التي يجب التصوير فيها لدرجة أنها أماكن جميلة مثل مشاهد سباق الخيل و محطات القطارات و المرافئ، و يرفض المشاهد التي يعتبرها مؤدية للعين كمناظر الفقراء و الفلاحين. و انطلاقا من ذلك، فهو حدد قصص موضوعة الفيلم، إذ وجد بأن السينما عبارة عن رجلين يحبان امرأة واحدة، أو امرأة تحب رجلين.. و هذا كان أقصى جهد نظري في السينما العربية حتى نهاية الخمسينات. الوضع اختلف في الستينات و السبعينات بحيث أصبحت السينما موضوع اهتمام مثقفين من فنون مختلفة. 

و بعد عام 1967 ظهر مخرجون، هم أصلا نقاد للأدب والفنون التشكيلية، أو يمارسون فنونا أخرى غير السينما. و على هذا الأساس انطلق التفكير النظري في السينما في العشرين سنة الأخيرة.

          موقعنا من الطفرة النقدية السينمائية العالمية محدود جدا

  •   ما ذكرته عن بعض المخرجين السينمائيين الأوائل الذين نظروا لأعمالهم السينمائية، مثل “سيرغي ايزنشتاين”، فإن هذه الظاهرة لم تعد موجودة حاليا في الساحة السينمائية العالمية و حتى في الثقافة العربية فإننا نجد كل ما ينزع باتجاه المنهجية النقدية السينمائية غالبا هم مثقفون لا علاقة لهم بالإخراج السينمائي و الإنتاج السينمائي. أليس كذلك؟

سمير فريد: في العشرين سنة الأخيرة ظهر مخرجون سينمائيون مارسوا العمل السينمائي وكتبوا أبحاثا ومقالات فيها تفكير نظري صحيح بكل معنى الكلمة. فقيس زبيدي كتب في هذا الإطار، كذاك بالنسبة لخيري بشارة و عدنان مدانات و هاشم النحاس في مصر، و هذه ظاهرة حديثة. أما على المستوى العالمي فالوضع قد اختلف تماما بحيث هناك منظرين للسينما لا يمارسون البتة الإخراج السينمائي فيما كف مخرجون آخرون نهائيا عن الكتابة. و أعتقد أن آخر مخرج كان ينظر و يكتب عن السينما هو “جان لوك غودار”، و بعد ذلك، و خلال العشرين سنة الأخيرة حصلت طفرة ضخمة جدا في الثقافة و النقد السينمائيين في أوروبا و في العالم كله. ما حدث في العشرين سنة الأخيرة في أميركا و أوروبا يعادل كل ما حدث في تاريخ السينما في الستين سنة السابقة عليها، مع التذكير أن في العشرين سنة الأخيرة لم توجد في العالم بأكمله و في كل اللغات أكثر من 10 أو 15 كتاب عن السينما سواء على المستوى النظري أو على مستوى البحث في اللغة السينمائية. اليوم هذه الكتب تزيد عن 500 كتاب بفضل الأقسام السينمائية في الجامعات الأميركية و المجلات النظرية العديدة في أميركا و بريطانيا و فرنسا. و هذه طفرة ضخمة جدا و موقعنا نحن بالنسبة لها محدود جدا.

             ما هو موجود في المغرب العربي عادات و تقليد للغرب

  •  في مسألة النقد السينمائي يلاحظ غياب بعض المناهج النقدية و هي تستخدم -حصرا إلى حد ما –  داخل الأندية السينمائية في كل من تونس و المغرب كالمنهج الماركسي و المنهج السيميولوجي و المنهج البنيوي- التكويني، و هي حسب علمي مناهج متطورة. هل لديك تصور عن هذه المناهج النقدية و مدى خدمتها في تطوير الثقافة السينمائية العربية؟

 سمير فريد: لا أعرف إذا كان هناك تفكير نظري سينمائي في تونس و المغرب أو  في الجزائر. لكن اعتقد أن الموجود هو عادات و تقليد للغرب أكثر منه تأصيل لمنهج يصلح للجمهور المتلقي، فالمنهج المستخدم للنقد، لمن هو معمول أصلا؟ و لمن يوجه عمله سواء كان نظريا أو تطبيقيا؟ أكيد هو غير موجه إلى صانعي الأفلام بقدر ما هو موجه إلى المتفرج كي يساعده على مشاهدة أفضل لفيلم. إذن وظيفة النقد منصبة على المتفرج و بالتالي فاستخدام المنهج – أي منهج – إذا تحول إلى لذة ثقافية بالنسبة للكاتب – بغض النظر عن الجمهور المتلقي – يصبح تأثيره منحصرا وسط المثقفين. و في  رأيي أن المنهج الذي يتبناه أي ناقد لا بد أن يكون مرتبطا بالجمهور الذي يتوجه له بهذا العمل النقدي، بمعنى، ما قيمة أي ناقد منهجي علمي – يكتب عنه و يشهد به – إذا لم يكن له تأثير و ليس له أية فعالية مع جمهور معين في التلقي و في مساعدته على مشاهدة أفضل للفيلم و في اختيار نوعية هامة للأفلام. و أنا انطلق في الحقيقة من الوجهة الأخرى لأن المسالة ليست ما هو المنهج الأفضل و الأصح الذي نستطيع أن نتفاعل به مع الجمهور؟

فأنا في ممارستي  الخاصة في النقد السينمائي حين بدأت لم يكن هناك منهج بنيوي و لم أكن اعرفه في منتصف الستينات و لم أكن اعرف كافة مناهج التفكير النقدي الموجودة في العالم. و لكن من خلال الممارسة نفسها مع الجمهور الذي أتوجه إليه تكون عندي منهجي الخاص و الذي يصعب علي أن أقيمه شخصيا، أو أقيم إلى أي مدى هو صحيح أو خطا أو هو دقيق أم العكس؟ هذه مسألة متروكة للآخرين و للقراء. و المنهج الذي أتبعه بمنتهى البساطة، هو أن أشاهد الفيلم و أن أتمكن من قراءته من خلال الأسئلة التالية: بأية لغة؟ في أي بلد تم إنتاجه؟  من الذي صنعه؟ ما هو الزمان و المكان و هوية الشخص صانع الفيلم؟ هذا هو أساس النقد الذي يقوم عليه منهجي. مثلا تطبيقيا: فيلم أمريكي و هو من إخراج “روبيرت آلتمان” سنة 1970. بالنسبة لي، أميركا و المخرج “آلتمان” يشكلا ثلاث حقائق، و هي الأساس الذي تستند عليه قراءتي النقدية للفيلم. فأتساءل من هي أميركا الموجودة في الفيلم ؟ الشركة المنتجة هل هي صغيرة، كبيرة، مستقلة أم تابعة لشركة توزيع ضخمة؟ موضوع الفيلم، حرب الفيتنام، هل أنتج في عام 1970 و الحرب قائمة أم انتهت؟ إذا كانت الحرب منتهية فالفيلم يتعرض للماضي، و إذا لم تكن منتهية  فالخطاب قد يعكس الحاضر. “روبيرت آلتمان” من هو؟ هل هذه أول مرة يقوم فيها بإخراج فيلمه أم هي المرة العشرين ؟ لديه خبرة كبيرة و فنان متكون أم ما زال يبحث عن أسلوبه السينمائي ؟ فهناك عناصر كثيرة قد تترتب على الحقائق الأساسية الثلاث. و على هدا الأساس أقرأ الفيلم و أنقده لكي أساعد المتفرج في إلقاء الضوء على أشياء قد تغيب عنه بحكم انعدام المهنة لديه فقط. و أعتبر أن هناك مهنة إسمها ناقد سينمائي، أو ناقد أدبي، و هي ليست على هامش المهن الأخرى، فحين أدخل إلى صالة السينما يكون بجواري مهندس و فلاح و أمي .. أي مستويات ثقافية و مهن مختلفة، و اعتبر أن كل واحد  من هؤلاء لديه مهنة و أنا مهنتي هي النقد السينمائي، و هي ليست امتيازا إنما مجرد تمييز.

         وزارات الثقافة العربية تتعامل مع السينما كأنها نوادي ليلية

  • إحدى الإشكاليات الخطيرة في الثقافة السينمائية العربية هي إشكالية كتابة تاريخ “السينما العربية”. و قبل ست سنوات نشرت بعض الصحف العربية خبرا يفيد نية بعض السينمائيين باقتراب مباشرة كتابتهم لهذا التاريخ، لكن لحد الآن لم يظهر أي شيء، فما هو السبب إذن؟

سمير فريد:  أنا اعتقد أنه ليس ثمة تاريخ للسينما العربية بما فيها الموجودة في مصر أو المنتجة في بلدان أخرى. و هذا ليس قصورا عند النقاد و المؤرخين و السينمائيين. لو كانت الأوضاع الموجودة في البلاد العربية هي نفسها الموجودة في فرنسا و أمريكا و الاتحاد السوفييتي لما كان هناك كتاب واحد عن تاريخ السينما في أي من هذه البلدان إطلاقا. تاريخ السينما يتطلب أن يوجد أرشيف للأفلام، و بما انه غير موجود فلا يمكن أن يلام الناقد أو الحركة النقدية على عدم كتابة تاريخ السينما، و المحاولات التي تمت لإيجاد تاريخ سينمائي عربي ضعيفة و قاصرة للسبب نفسه. العاملون في النقد السينمائي في العشرين سنة الأخيرة هم على مستوى أكثر وعيا من السابقين عليهم. لهذا لم يحاولوا – و هذا أفضل – كتابة تاريخ السينما بدون معرفته. و أعتقد أن ما يمتاز به النقاد اليوم أخلاقيا و علميا هو أنهم لم يكتبوا تاريخ السينما في بلادهم. فأنا و أنت نتحدث عن السينما المصرية من دون أن نعرفها. أنا كمصري لا أعرف السينما و أي ادعاء بمعرفتها من أي ناقد أمريكي أو فرنسي أو مصري… هو ادعاء كاذب و مضلل لأن السينما المصرية هي عبارة عن 2000 فيلم، و إذا لم تشاهد 1000 فيلم – على الأقل – من هذه الأفلام فأنت حتما لا تعرف عنها أي شيء. أنا شخصيا أعيش في مصر منذ عشرين سنة و لم أشاهد ألف فيلم مصري لأن الأرشيف غير موجود لكي أعود إليه حتى أشاهد هذا الكم من الأفلام و أستطيع آنذاك  وأن أقيم تاريخها. إذن فنحن نعيش في ظل حكومات و وزارات للثقافة تصل في علاقاتها بالسينما إلى حد الجهل المطبق مهما كان هناك من شعارات و مهرجانات سينمائية و كتب و مظاهر براقة خادعة و هي عادة تقليد للغرب. و أي وزارة ثقافية تدعي أنها تهتم بالسينما أعتبرها كاذبة و طالما لا توجد وزارة ثقافة واحدة في العالم العربي تهتم بأرشفة الأفلام العربية فإن تاريخ السينما لن يتحقق ككتابة. إن وزارات الثقافة تتعامل مع السينما كأنها ملاهي ليلية و كباريهات، و هذه هي مأساة كتابة تاريخ “السينما العربية”.

  •  يتردد، بين فينة و أخرى، وجود ما يسمى بتيار الواقعية الجديدة في السينما المصرية خصوصا في أفلام السينمائيين الجدد. إلى أي حد يصح ذلك و ما هي ملامح هذا التيار؟

سمير فريد:  الواقعية موجودة في السينما المصرية منذ أواخر الثلاثينات و هي منذ ذلك الوقت حتى الآن اتخذت أشكالا مختلفة. و لكن مفهوم الواقعية في الثلاثينات، كان بدائيا و بسيطا جدا يتمثل في تصوير أشياء أقرب إلى حقيقة ما يدور في الشارع و هذا ليس مفهوما صحيحا للواقعية. و ما كان سائدا مثلا عند كمال سليم في فيلم “العزيمة” حيث بمجرد أن صور حارة فيها فقراء اعتقدوا أن ذلك واقعية. يمكن أن تصور قصرا فيه “عظماء” و تعتبر هذا واقعية. فثمة مناهج و مذاهب فنية عديدة و أدبية تندرج تحت اسم الواقعية، و أول واحد حاول مذهبة الفكر الواقعي كان كامل تلمسماني سنة 1943 في فيلم “السوق السوداء” الذي عبر عن أزمة موجودة في واقع تلك الفترة الزمنية مع ظهور “سوق سوداء” نتيجة إغلاق الأسواق في مصر إبان الحرب العالمية الثانية. و نوع هذا الفيلم يطلقون عليه اليوم ما اصطلح عليه في أوروبا بالسبعينات “السينما السياسية” التي هي ليست بمصطلح و لكنها وصف لمجموعة أفلام تتناول الواقع بشكل مباشر. كامل تلمسماني تناول قضية “السوق السوداء” و عبر من خلالها عن ميكانيزم المجتمع الرأسمالي كله و أنهى فيلمه برؤية صحيحة. فهو سيظهر للمشاهد الشعب و هو يقتحم مخازن تجار السوق السوداء و ينتزع المؤن بالقوة و يتمكن من الاصطدام و المواجهة مع البوليس، لأن التجار كانوا يختزنون الغلال حتى ترتفع أسعارها و يبيعونها بأسعار غالية. و كان الهدف من الفيلم هو تحريض الجمهور الذي يعاني من هذه المشكلة. الفيلم راديكالي إلى حد بعيد، و منع ثلاث مرات لمدة ثلاثة سنوات، و حين عرض لأول مرة تم التآمر عليه بشكل عنيف جدا، حيث فشل الفيلم فشلا ساحقا بسبب محاصرته، و ظل يعاني طيلة حياته من محاولته فرض مفهوم للواقعية منذ عام 1943، كما ظل مخرجه يعاني الكثير حتى توفي في منفاه ببيروت عام 1972. أنا اعتقد أن أحدث تيار في هذا الشأن هو ما يمكن تسميته بالواقعية الجديدة في مصر بالثمانينات و المتمثلة في أفلام عاطف الطيب و محمد خان و خيري بشارة و رأفت الميهي و بشير الديك. هذه المجموعة شكلت الواقعية الجديدة كونها أقرب إلى استخدام المصطلح هذا لأنه مرتبط بالتيار السينمائي الذي ظهر في إيطاليا بعد الحرب.

              نحن متأخرون سينمائيا عن أوروبا عشرين عاما

  • الغرابة في قضية “الواقعية الجديدة” أنه تظهر الآن في مصر بينما أخفقت في إيطاليا أواخر الخمسينات؟

سمير فريد:  هذه هي المسافة الزمنية التي بيننا و بين التطور السينمائي في أوروبا و هي مسافة طبيعية، و نحن متأخرون كمجتمعات مائة بالمائة كسينما حوالي عشرين أو ثلاثين سنة. في رأيي لا يوجد فن يخفق بالاتجاه و المذهبي الفني لا ينتهي بمجرد انتهاء الفترة التي ظهر فيها. التعبيرية في ألمانيا ازدهرت في العشرينات مع انتهاء تلك الفترة لكن المذهب الفني ظل مستمرا في الحياة الثقافية، و حتى الآن يمكن أن تشاهد الأفلام التعبيرية و الأعمال الفنية التي أنتجت في فترات سابقة و كانت مزدهرة تصبح ملك كافة الفنانين للأبد.

  •  لم أكن أقصد إخفاق الواقعية الجديدة في إيطاليا أنها فشلت و انتهت، و إنما قصدت بالإخفاق استنفاذ إمكانية استمرارها في الواقع السينمائي و خروج مؤسسيها على أسس الواقعية الجديدة التي وضعوها هم بأنفسهم. و هذا ما نجده في اتجاهات أعمالهم السينمائية ما بعد الواقعية الجديدة، و يمكن ملاحظة ذلك عند بازوليني و ديسيكا و فيلليني…الخ؟

سمير فريد:  نحن لا زلنا نعيش ما قبل هذه المرحلة و هذا الوصف له طابع أدبي و ليس اصطلاحيا (الواقعية الجديدة بمصر)، هو نوع من التوضيح أكثر منه اصطلاح باعتبار أن ثمة عناصر و ظروف متشابهة. الواقعية الجديدة انطلقت من واقع مادي بسيط جدا و من واقع نظري هام، و كانت البداية ما تعرضت له الاستوديوهات من تحطيم جراء الحرب مثل ما حصل في اليابان، زلزال 1923 أدى إلى ظهور الواقعية لأن الاستوديوهات تحطمت بالزلازل، و في إيطاليا تحطمت الاستوديوهات بالقنابل، و في مصر الإدارة البيروقراطية حطمت الاستوديوهات و بذلك أصبح المخرجون يصورون في الشارع و الواقع ينعكس في أعمالهم رغما عنهم.

  •  المهرجان الدولي السينمائي الخامس بدمشق نظم ندوة حول السينما العربية و كنت أحد المشاركين فيها، فما هي ملاحظاتك النقدية  حول السينما العربية سواء فيما يتعلق بالبنيات التحتية أو مسألة التوزيع أو فيما يخص الاستثمار و الخصوصية ؟

سمير فريد:  كان هذا هو موضوع بحثي بالذات، “البنية الأساسية في السينما المصرية”، و هو محاولة لفحص الصناعة في مصر باعتبارها صناعة للسينما العربية، بمعنى أن المخرج المصري، أو العراقي، أو السوري، أو المغربي، لا يستطيع أن يتجاهل حقائق التاريخ و الجغرافيا. مثلا المخرج المغربي يوجه عمله لجمهور سينمائي و هذا الجمهور يذهب إلى دور العرض التي تعرض الأفلام الناطقة بالعربية، تراث هذا الجمهور هو أن يحلل كيفية إنتاج الفيلم في مصر في وضع يؤثر على فهم صحيح، و بحثي الذي قدمته في الندوة فيه إجابات واضحة حول سؤالك.

  •  الوعي السينمائي و وضع بنياته الذهنية هو محصلة لما هو سائد سينمائيا منذ فترة طويلة سواء تعلق الأمر بأفلام غربية أو أفلام ميلودرامية عربية. هذا يعني أنه إذا كان عمل المخرج وفق ذهنية الجمهور كما هي، فإن هذا سيؤدي حتما لفشل المخرج إبداعيا. ما رأيك في هذا الملاحظة؟

سمير فريد:  ليس هذا الأمر هو الذي سيغير ذهنية أو وعي الجمهور لأنك لا تستطيع أن تغير شيئا دون معرفته و معرفة نقاط ضعفه و قسوته و تستثمرها في عملية التغيير.

         السينما في المغرب تعبير عن ذات المخرجين و ليس أي شيء آخر 

  •   إذن في هذه الحالة السينمائي مطالب قبل الإنتاج بدراسة ذهنية الجمهور و يمكن أن تدخل في ذلك وسائل أخرى أهمها وسائل علم الاجتماع النفسي؟

سمير فريد: طبعا، هذا ليس موضوعا جماليا و لا نقديا بالمرة، و إنما ظاهرة للسينما كظاهرة اجتماعية. أنا أشك أن يكون السينمائيون في المغرب العربي بالذات مشغولين بقضية جمهورهم. و أعتقد من خلال أفلامهم، و ليس من خلال معرفتي الشخصية بهم، أنهم لا يفكرون في جمهورهم و لا يدخلونهم في اعتباراتهم.. أنا لا أصدر حكما مطلقا على كل السينمائيين المغربيين، و إنما أتكلم عن الظاهرة الغالبة من المخرجين في الجزائر و تونس و المغرب، فهم يفكرون في الفيلم كتعبير عن ذاتهم كأشخاص و كفنانين. و هذا شيء مطلوب لكنه غير كاف لصنع عمل فني كبير. فهم يفكرون مباشرة في الغرب ليثبتوا أنفسهم في مهرجان سينمائي دولي عن طريق مقال ينشر في جريدة “لوموند”، أو.. و هذا هو السبب في أن السينما في المغرب العربي غير ناضجة و غير ذات قيمة.

  •   قلت إن المخرجين المغاربة يعكسون ذاتهم في أفلامهم، إذا أخذنا مثلا يوسف شاهين كأبرز سينمائي مصري نجده في جل أفلامه يعكس ذاته بشكل قوي جدا؟

سمير فريد:  هذا شيء طبيعي، و لكن هذا لا يكفي لصنع أعمال فنية مؤثرة و الفن هو عمل من شقين: تعبير و توصيل. تعبير عن الذات و توصيل لجمهور معين. جان بول سارتر قال بأن ثمة كاتب له جمهور و كاتب له قراء. هذا الفرق أعتبره مقياسا مهما في فهم ظاهرة الفن. الكاتب له جمهور محدد المعالم مثل نجيب محفوظ في مصر. و في السينما نجد يوسف شاهين له جمهور محدود جدا. لكن ثمة مخرجين لهم فقط متفرجين يخرجون للشارع بالصدفة و يدخلون صالة السينما لمشاهدة الفيلم من دون معرفة مخرج هذا الفيلم. لكن الجمهور هو الذي يرى أفلام يوسف شاهين قصدا لأنه يعرف قيمته الفنية. مع الأسف أغلب المخرجين حتى في المغرب العربي لهم متفرجين و ليس لهم جمهور.

           مشكلة نقابة الفنانين في مصر هي تعبير عن مشكلة الديمقراطية

  •  السؤال الأخير يتعلق بنقابة الفنانين المصريين، ما هي حقيقة الموقف فيها الآن؟

سمير فريد: موضوع الأزمة الفنية و أزمة النقابات الفنية في مصر باختصار بدأ مع نهاية الدورة الثانية و الأخيرة حسب القانون. سعد الدين وهبة كنقيب للسينمائيين و حمدي غيث كنقيب للممثلين و أحمد فؤاد حسن كنقيب للموسيقيين و سعيد الدين وهبة كنقيب للاتحاد الذي يضم النقابات الثلاث، هؤلاء النقباء الثلاثة، انتهت مدتهم القانونية في أبريل الماضي. و من المفترض أن تعقد جمعيات عمومية لانتخاب مجلس جديد و نقباء جدد. لوحظ في نقابة السينمائيين بالذات أن المرشح لمنصب النقيب و هو بدر خان دخل المعركة  الانتخابية و معه قائمة من اثني عشرة عضوا أعلنوا عن نفسهم كمرشحين و نقباء بشكل علني باعتبار أن قائمتهم كاملة و معروفة لكي تنتخب هذه القائمة كمجموعة  لتكوين مجلس نقابة قوي. المجلس كان فيه يوسف شاهين و توفيق صالح و صلاح مرعي و صلاح أبو سيف و مجموعة أخرى. و مسألة اختيار بدر خان كنقيب مقصود منه  التأكيد على دور الشباب (سن 45 لم يعد شابا بالمعنى الطفولي)، محمد فاضل و بشير الديك هما أيضا في هذه المجموعة و هي تأخذ على عاتقها مهمة مقاومة تطبيع العلاقات مع إسرائيل و تضم أكثر الفنانين تقدما في فكرهم و في أعمالهم و أكثر مجموعة مستقلة. و الخطأ الذي حصل هو أن سعد الذين وهبة، رغم انه كاتب و صحفي و شخصية مهمة في الحياة الثقافية في مصر و له تاريخ وطني هائل و لا تشوبه شائبة، سبق أن انتخب مرتين بالإجماع. لكنه دخل عضوية الحزب الوطني منذ فترة قريبة و مرتبط بالالتزام الحزبي و أصبح رئيس لجنة الثقافة في الحزب الحاكم و رئيس لجنة الثقافة في مجلس الشعب. و بحكم هذه الأوضاع لجا الحزب الحاكم – مستخدما سعد الدين وهبة – إلى أسلوب خاطئ تماما في التعاون مع المرشحين  الذين هم خارج الحزب الوطني الحاكم. و هذا الأسلوب ليس مجرد تغيير للقانون و فرضه على الجماعة، فهذا الأمر كان ممكنا أن يحصل بعقد جمعية عمومية يحصل فيها على الأغلبية مما يجعل القانون يمر بهدوء. لكن القانون الذي أرادوا فرضه يحتوي على مجموعة بنود تستبعد المرشحين و تعطي حق الترشيح للمرة الثانية و الرابعة.. الخ. و الخطأ الذي وقعوا فيه ببساطة شديدة جدا هو عدم عرضهم للقانون الجديد على الجمعيات العمومية، و هذا كان نوع من الجبروت في افتقار إرادة الجماعة حيث فوجئوا بسقوط القانون عليهم  في صباح أحد الأيام مما استفز الجميع بمن فيهم الذين لم يفكروا في التصويت لصالح بدر خان أو ليوسف شاهين، إذ الجميع أصبح مستفزا من خلال الشكل الذي أريد به فرض القانون بمضمونه المجحف. و قد تحولت المسألة بذلك إلى مشكلة ديمقراطية لأنه لا يعقل أن تفرض قوانين على الناس من دون استشارتهم و موافقتهم. و تصاعد الموقف و تحولت الاجتماعات من خمسين شخصا إلى الآلاف الذي عبروا عن احتجاجاتهم بالبيانات و الاعتصام ثم الإضراب عن الطعام. و حاول واضعو القانون أن يدخلوا في حروبهم المعتادة بإطلاق الإشاعات و الأكاذيب و توجيه التقارير الملفقة للقيادة السياسية. و حاولوا بجميع الطرق تشويه حركة الفنانين الشرعية التي كان لها تأثير إيجابي في الرأي العام و تضامنت معها الصحافة مما أدى إلى صدور قرار من القيادة السياسية قضى بإجبار سعد الدين وهبة على التوقيع بتوقيف العمل بالقانون و عدم إجراء الانتخابات على أساسه.

الحوار القادم مع المخرج السينمائي الليبي محمد علي الفرجاني.