صحافة البحث

ذاكرة إعلامية.. المخرج الليبي محمد علي الفرجاني: انتهت الحرب العالمية وبقيت الألغام في الصحراء الليبية.

- الإعلانات -

“الشظية” من قصة في جريدة إلى فيلم روائي

ذاكرة إعلامية هي نافذة سيطل من خلالها قراء موقع µ على أعمال صحفية ذات قيمة فكرية، أدبية، فنية و سياسية سبق للصحفي المصطفى روض أن أنجزها و نشرها في مجلتي الحرية والفكر الديمقراطي الفلسطينيتين و منابر أخرى بالمشرق وصحيفة أنوال بالمغرب. و ستكون البداية مع الحوارات في محور السينما ستتلوه محاور المسرح، الشعر، النقد الأدبي و السياسة و الفكر.  

الفيلم الليبي “الشظية” الذي شارك في تظاهرة المهرجان الدولي للسينما بدمشق في دورته الرابعة، ترك ردود فعل مختلفة و انطباعات كثيرة لدى المشاهدين بشكل عام و لدى المثقفين والنقاد بشكل خاص، حتى أن البعض رشحه للفوز بالجائزة الأولى. لكن نتائج الفرز الذي توصلت إليها لجنة التحكيم، جاءت بعكس هذا الرأي و لم يكن من حظ الفيلم أية جائزة.

مجلة “الحرية” حاورت محمد علي الفرجاني (1929 – 1995) مخرج فيلم “الشظية”، إذ بدا لنا من الأجدى في البدء سؤاله عن السينما الليبية التي لا يعرف عنها أي شيء سوى بعض الأفلام القليلة التي أنتجت في السنوات الأخيرة، من بينها فيلما “الرسالة” و “عمر المختار” للمخرج مصطفى العقاد، بالرغم من أننا لا نوافق لا المخرج محمد علي الفرجاني و لا أي سينمائي آخر اعتبار أن هذين الفيلمين ليبيين، لأن المقياس العالمي المتعارف عليه يحدد جنسية الفيلم تبعا لجنسية مخرجه، و مصطفى العقاد، كما هو معروف، سينمائي سوري الأصل أخرج الفيلميين بمساعدات مالية ليبية.

و قبل أن يعطينا فكرة عامة عن السينما الليبية تحدث لنا قليلا عن إنتاجه السينمائي السابق حيث أخرج 300 شريط تسجيلي في كل من مصر و الكويت و ليبيا، و قام بأول محاولة لإخراج شريط روائي قصير بعنوان “صائد الحوت” سنة 1967 بطرابلس – ليبيا و لكنها لم تستكمل.

  •  في البدء  نريد أن تعرفنا بالسينما الليبية؟

محمد علي الفرجاني: يمكن تقسيم مراحل السينما (الخيالة) الليبية منذ فترة مولدها و حتى يومنا هذا إلى مرحلتين رئيسيتين: المرحلة الأولى تبدأ مع بداية الستينات و حتى عام 1969 و هو تاريخ قيام الثورة الليبية، خلالها كان يوجد قسم للإنتاج بوزارة الإعلام يعمل إنتاج جريدة سينمائية ناطقة و بعض الأشرطة المختلفة. و كانت هناك أيضا جريدة سينمائية ناطقة أخرى يصدرها المركز الثقافي الأميركي بعنوان “ليبيا اليوم” و هو عنوان كان يحمل بين طياته الكثير من الخداع. و لم يستقر الحال بهذه الجريدة الأميركية الاستعمارية، إذ أن انقضاض الجمهور عليها و كشف هويتها الحقيقية حالا دون استمرار صدورها في ليبيا، فانتقت إلى بلد عربي آخر باسم جديد لتنفث فيه سمومها و أفكارها الهدامة.

و في عام 1969، أي بعد قيام الثورة الليبية، تأسست إدارة للإنتاج السينمائي عملت على إنتاج بعض الأشرطة التسجيلية، و كان من أهم أعمالها إنشاء معمل لتحميض و طبع الأشرطة السينمائية مقاس أبيض أسود 35 ملم و 16 ملم، و كذلك إنشاء أستوديو لتسجيل  الصوت و قاعة للماكياج و أسام للمونتاج (التوليف) و مكتبة للأشرطة الصوتية. و من أهم أعمال تلك الإدارة كذلك، إنشاء مكتبة للأشرطة تضم مجموعة كبيرة من الأشرطة التسجيلية و الجرائد السينمائية المصورة التي صورت منذ عام 1911، أي تاريخ الغزو الإيطالي لليبيا، و إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية.

و قد استفاد السينمائيون الليبيون كثيرا من هذه المكتبة (الأرشيف السينمائي) لإنتاج مجموعة أفلام تسجيلية، تعتمد في تكوينها على أشرطة الأرشيف. و قد جرت محاولة لإنتاج شريط روائي طويل  خلال عامي 1971 – 1972 بعنوان “عندما يقسو القدر” للمخرج السينمائي عبد الله زروق. و في نهاية عام 1982 و بالتحديد في 13/12/1983 تأسست المؤسسة العامة للخيالة بالجماهيرية حيث أخذت إنتاجها أربعة اتجاهات. 

  •  إذن، ما هي هذه الاتجاهات الأربعة؟ 

محمد علي الفرجاني:  الاتجاه الأول قام على إنتاج مجموعة من الأشرطة  التسجيلية إلى جانب إصدار مجلة سينمائية ناطقة.

الاتجاه الثاني قام على تحقيق إنتاج مشترك حيث تم إنتاج شريط روائي طويل مع المغرب بعنوان ” الضوء الأخضر” عام 1975. كما تم إنتاج شريط آخر بالتعاون مع تونس بعنوان “السفراء” عام 1976 و هو يعالج مشكلة العمالة العربية في الدول الغربية.

الاتجاه الثالث قام أساسا على الإنتاج الروائي الضخم ذي المستوى العالمي، حيث تم عام 1975 إنتاج فيلم “الرسالة” للمخرج مصطفى عقاد. كما تم عام 1980 إنتاج فيلم “عمر المختار” لنفس المخرج. و قد عرض هذين الشريطين على مستوى عالمي.

الاتجاه الرابع همه الوحيد كان هو إنتاج أشرطة وطنية محلية بواسطة عناصر وطنية و بإمكانيات فنية محلية. و قد تم في هذا الاتجاه إنتاج شريط “معركة” تقريفت” و هي إحدى معارك الجهاد الليبي ضد المستعمر الإيطالي الفاشي، و الفيلم من إخراج خالد مصطفى خشيم و محمود عباس دريزة عام 1980. أما الشريط الآخر فهو “الشظية” الذي أنتج في بداية هذا العام (1985).

  • نريد أن نعرف هل لديكم مشاريع سينمائية جديدة؟

محمد علي الفرجاني:  لدينا خطط إنتاجية، و سنعمل على إنتاج ثلاثة أفلام روائية ليبية ذات طابع وطني. أحد هذه الأفلام عنوانه “حب في الأزقة الضيقة” للمخرج محمد الجنيدي، و الثاني بعنوان “أبو سعدية” و هو مستمد من التراث الشعبي الليبي للمخرج محمد علي الفرجاني، و الثالث بعنوان “شرخ في جدار الزمن” للمخرج الهادي راشد.

  •   فيلمك “الشظية” خلق عرضه و مشاركته في المهرجان السينمائي بدمشق انطباعات عديدة لدى المشاهدين لجودته الفنية و لأهميته في طرح مشكلة الألغام التي ظلت موجودة في الصحراء الليبية، فما هو الدافع في إنتاجكم لهذا الفيلم و أسلوبكم الفني الذي عالجتم في سياقه المشكلة المطروحة؟

محمد علي الفرجاني: عالج فيلم “الشظية” مشكلة الألغام التي نصبتها الدول الاستعمارية المتحاربة فيما بينها فوق الأراضي الليبية خلال الحرب العالمية الثانية و التي تسببت في الكثير من الضحايا و أضرت بالاقتصاد الوطني و مازالت حتى يومنا هذا. و ذلك يعود لصعوبة إزالة حقول الألغام الواسعة الانتشار في الأراضي الشاسعة البالغة مساحتها حوالي مليون و 750 كلم مربع بسبب عدم وجود الخرائط الدالة على مواقعها. و قد انبثقت قصة شريط “الشظية” من خلال تلك المشكلة الأليمة التي عبر عنها في قالب روائي بسيط، من القصة التي سبق أن نشرتها إحدى الجرائد الليبية، فتبنتها الشركة العامة للخيالة لتدعمها ببعض المواقف اللازمة للإنتاج السينمائي الروائي الطويل. و هذه القصة تعتمد على شخصيتين رئيسيتين في معظم أحداثها. و مثل هذا النوع من القصص يجد صعوبة في إخراجها مما يتطلب الكثير من العناية و الدقة حتى لا يقع المشاهد في حالة ملل، و إضفاء عناصر الإثارة لجذب المتفرج على متابعة أحداثها. لذلك استخدمت أسلوبا أسميه الدرامي التسجيلي الواقعي. و لقد صادف إنتاج هذا الشريط الكثير من العقبات و المشكلات الفنية، و لعل من أبرزها ما تعرض له جانب كبير من الشريط، أي حوالي أرعين علبة مصورة لأشعة “إكس” بمطار لندن حيث تم إتلافها، الشيء الذي اضطرنا لإعادة تصويرها من جديد في ظروف جد قاسية داخل الصحراء و في منطقة تبعد عن مدينة طرابلس بحوالي 700 كلم. و رغم أن هذه المنطقة تمتاز بالمناظر الطبيعية الجميلة و المناسبة لمتطلبات الفيلم، إلا أنها أيضا زاخرة بالكثير من أنواع الأفاعي السامة الخطيرة، و مع ذلك، استفاد منها الفنيون في الشريط و أبرزوها في بعض المشاهد.

في الحقيقة الفيلم يكمن هدفه في مسألتين:

المسألة الأولى، إبراز المخاطر و الأضرار التي أصابت المواطنين و الاقتصاد الوطني في قصة بسيطة تعتمد على الكثير من الرموز.

المسألة الثانية، التأكيد على أهمية تسليح الشعب. و عبرنا عن ذلك من خلال شخصين في الفيلم، إذ لو كان “سالم” مسلحا لأمكنه الدفاع عن نفسه من تظلمات “البهلول” الذي سلبه ناقته.

  • كثير من المهتمين و النقاد و بسبب ما كان يدور من حديث داخل أجواء المهرجان السينمائي، رشحوا فيلمك “الشظية” للفوز بالجائزة الأولى؟

محمد علي الفرجاني:  هذه أول مرة أسمع فيها هذا الرأي، و نأمل كل خير. و على العموم فالجهد الذي بذل في إنتاج هذا الفيلم كان جهدا كبيرا، خصوصا و أني ذكرت لك المشكلات التي اعترضت الفيلم. و لولا تعاون المجموعة الفنية و تضحيات عناصرها و إيمانهم بقيمة العمل الفني لما تمكنت تحقيق هذا الشريط.

ملحوظة: الحوار القادم سيكون مع المخرج السوري محمد ملض

  •  ماذا يمكن قوله عن المهرجان السينمائي الرابع بدمشق كتظاهرة ثقافية و من حيث أهميته و تنظيمه و تسييره؟

محمد علي الفرجاني: في الواقع هذا مهرجان عربي، و نحن نشجع كل لقاء عربي، و السينمائيون العرب يلتقون في هذه الأيام للتعريف بأعمالهم الإبداعية و إنتاجهم الفني، و في الوقت نفسه نطلع على كل إنتاج جديد سواء أكان عربيا أو عالميا، و نأمل من مهرجان دمشق أن يحقق كل النجاح و التوفيق.

  •  و من الناحية التنظيمية للمهرجان؟

محد علي الفرجاني: في الواقع حدثت بعض المشكلات في التنظيم و لوحظت بعض النواقص و هذا تتعرض له بالطبع الكثير من المهرجانات السينمائية و نأمل أن نتلافى في المستقبل مثل هذا القصور؟

  • كيف ترى مسألة غياب أفلام عربية من مهرجان دمشق لدول عربية أخرى كموريتانيا و المغرب… الخ؟

محمد علي الفرجاني: في الواقع كنا نأمل أن يتوفر العدد الأكبر من الأشرطة العربية في مثل هذه المهرجانات العربية، و ألا يكون هناك قصور في إرسال أفلام عربية للمهرجانات العربية. كما أنني سمعت أن البعض يفضل إرسال أفلامه إلى مهرجانات أجنبية. و لكن نأمل أن يكون هناك تعاضد و اهتمام بالمهرجانات العربية أكثر من المهرجانات الأجنبية لأنها تعبر عن حقيقة حياتنا و تنبعث من آمالنا.

  •  باعتقاد هل لدى السينمائيين الليبيين تصور ثقافي للسينما العربية؟

محمد علي الفرجاني:  في الواقع نحن طرقنا هذا الباب في السابق. و كما قلت لك، أنتجنا بعض الأشرطة بالتعاون مع الأشقاء مثل فيلم “السفراء الذي يعالج مشكلة العمالة في الدول الأجنبية.  و هناك مشكلات نحس بها رغم أنه ليست لدينا عمالة ليبية في الدول الغربية، لذلك عملنا على إنتاج شريط يعالج مشكلة اجتماعية رغم أنها لا تمسنا في ليبيا و إنما تمسنا كعرب. و في ذات السياق يدخل كذلك فيلم “الضوء الأخضر”.

في القريب ستنظم ندوة تعد لها الجماهيرية الليبية الآن و سيشارك فيها المخرجون السينمائيون من كافة الأقطار العربية لتدارس مشكلات السينما العربية و لوضع خطة للتعاون فيما بينهم بغية تطوير سينما عربية يكون لها طابع تقدمي و تعالج مشاكلهم في المقام الأول و ترسم آفاق العمل السينمائي العربي في المستقبل.

ملحوظة: الحوار القادم سيكون مع المخرج السينمائي السوري محمد ملص