صحافة البحث

ذاكرة إعلامية.. محمد بنيس: علاقة الثقافي بالسياسي ضرورية لبناء تصور اجتماعي مغاير.

- الإعلانات -

   ذاكرة إعلامية هي نافذة سيطل من خلالها قراء موقع “µ” على أعمال صحفية ذات قيمة فكرية، أدبية، فنية و سياسية سبق للصحفي المصطفى روض أن أنجزها و نشرها في مجلتي الحرية و الفكر الديمقراطي الفلسطينيتين و منابر أخرى بالمشرق وصحيفة أنوال بالمغرب. و ستكون البداية مع الحوارات في محور السينما ستتلوه محاور الشعر، المسرح، النقد الأدبي و السياسة و الفكر.  

عندما التقيت الشاعر محمد بنيس، كان الأمر الجوهري الذي رغبت في إثارته معه، هو على وجه التحديد، رؤيته لواقع الثقافة العربية اليوم، ارتباطا بآرائه و أفكاره التي غالبا ما خاض من خلالها، سجالات و نقاشات ساخنة.

و محمد بنيس ليس شاعرا فحسب، بل هو مثقف عربي متميز مسكون بأسئلة الوعي النقدي. و الحوار معه، كما نشرناه في مجلة “الحرية الفلسطينية” عام 1987، كان يتجه نحو إثارة جملة من التساؤلات حول واقع و آفاق الثقافة العربية.

الثقافة العربية الحديثة لم تمر إلا بفترة وجيزة بمرحلة المساءلة

  •  نبدأ حوارنا بسؤال يتعلق برؤيتك للوضع الثقافي العربي و مميزاته و تجليات الأزمة في الثقافة العربية بشكل عام؟

محمد بنيس: تعلم أن موضوعا كهذا أصبح شغلا يؤرق بعض المثقفين العرب، بل تحول إلى هم بالمعنى الذي أعطاه جورج لوكاش لمفهوم الهم. ذلك، أننا نجد في البداية انهيار نماذج ثقافية و شعارات ثقافية، تعلمنا أنها من منطلق الحداثة العربية. و أتحدث هنا عن النموذج الثقافي منذ ما يسمى بالنهضة إلى الآن. إن مفهوم الحداثة الثقافية، و مفهوم حرية الفكر، و مفهوم الخلق و الإبداع، و مفهوم الحوار الفكري هي كلها مفاهيم تصطدم، يوما بعد يوم، بواقع الإخفاق. و لهذا ذكرت في البداية ما سمي بالنماذج، سواء نموذج الارتباط بالغرب، أو نموذج الارتباط بالأصول، أو الجمع بين الأصول و الغرب.

 إن الثقافة العربية الحديثة لم تمر إلا في فترة وجيزة و نادرة بمرحلة المساءلة. و المساءلة كانت و ما تزال هي أساس إعادة البناء. و بطبيعة الحال، فالمساءلة لا تتم إلا بموقع معرفي بارتباطه مع الأسئلة الفردية و الجماعية التي تطرحها مرحلة تاريخية مشروطة بوقائع اجتماعية تظل متفردة ضمن ما ترتبط به من وقائع أخرى في مناطق أخرى قريبة أو بعيدة. فسواء نظرنا إلى العالم العربي على أساس انه جزء من العالم الحديث أو جزء من البحر الأبيض المتوسط، أو جزء من العالم الثالث، فإن هذا الجانب ذي المستويات المتنوعة يعطينا نصف وجه الحقيقة المتعلقة بالعالم العربي، لأن عالمنا هو هذه الأشياء و هو أشياء أخرى، و حينما ننسى هذه الأشياء الأخرى أو لا نفكر فيها، فإننا بكل بساطة نلغي ما تتفرد به. و باعتقادي أن عدم إدراك البعد الحضاري و التاريخي لأمة من طرف مثقفيها هو ذهاب نحو الهاوية، بمعنى أن كل بناء نظري نقوم به يكون بناء منهدما من بدايته، على عكس الانهدام الذي تتعرض له نظرية أو فكرة في مسار ثقافي مغاير، كأن تتحدث مثلا عن انهدام الأنسجة الغربية أو نتحدث عن انهدام الوضعية.

و لكن هذا الذي يحصل في الغرب (كمثل الذي حصل عند العرب القدماء و الحضارات الصينية و الهندية و الفارسية) نجده اليوم لا يحصل في الثقافة العربية. بمعنى آخر، أن الثقافة العربية الحديثة لم تختر بوضوح الموقع النقدي، لقد ظلت حبيسة الرؤية التقليدية للعالم و للعلاقات الاجتماعية و لمفهوم الفرد كما لمفهوم الجماعة. و تبعا لذلك نسيت ما كون المجتمع العربي القديم بتعقيداته الناتجة أساسا عن الفروقات اللانهائية  التي ضبطت مساره و مسيرته بسبب غياب الوعي النقدي ينضاف إليه غياب المؤسسات الثقافية، و ما عرفناه و نعرفه هو مجرد بناءات منهدمة أصلا، لأنها بناءات لم تكن واضحة في إستراتيجيتها الثقافية التقليدية المستبدة في العالم العربي.

الثقافة المنتصرة الآن هي الثقافة التقليدية

و إلى هذين العنصرين، أضيف عنصرا ثالثا و هو مفهوم المثقف الحديث في العالم العربي. من قبل كنا نسمع أن الناس يعيشون في زمن يرون حالة و بالتالي فإن الأحوال لا تتبدل بسهولة، أما زمننا هذا – و أتحدث عن زمني الذي لا يتجاوز العقود الأربعة – رأينا فيه من الحالات ما يندر أن تراها في عصور متراكمة برمتها. إن المثقف العربي الذي أعطانا صورة التحديث أو انتمى إلى الحداثة لم يكن منفصلا بوعي عميق – دائما – عن المؤسسة التقليدية، في نفس الوقت كان غياب المؤسسة الثقافية مساعدا على إعطاء المثقف المسمى بالحديث فرصة أن ينجح في غير الثقافة و بغير الثقافة. أما الحداثيون فلم يجدوا مكانهم لا في المؤسسة التقليدية و لا في المؤسسة الحديثة. و يمكن أن نعطي هنا لائحة مطولة للباحثين عن شرائط أخرى للإنتاج الثقافي بدون المصالحة مع التقليد أو من يشتبه به، و أقصد الذين اختاروا المنفى إما في المكان أو في اللغة. فهناك مثلا جبران خليل جبران كنموذج رفيع جدا لمن اختار في البداية البعد إلى أمريكا ثم فيما بعد المنفى اللغوي، أيضا كشرط من شروط الكتابة بدون المصالحة مع التقليد. ماذا نرى الآن؟ نرى الآن المثقفين يعودون إلى المؤسسات الثقافية التقليدية و كأنهم نادمين على خروجهم عليها أو خروجهم منها، أضاعوا ما كانوا يحلمون بالوصول إليه عن طريق المؤسسة الحديثة، و بالتالي نحن إذا أردنا أن نواجه بصراحة ما نحن عليه نقول أن الثقافة العربية المنتصرة الآن في العالم العربي هي الثقافة التقليدية، و لم تنتصر لأن هناك مؤامرة عالمية على الثقافة العربية و ثقافة الحداثة، و لكن لأن المشروع التحديثي أو الحداثي للثقافة العربية، سواء على مستوى البنية الفكرية و الذهنية و بالتالي على مستوى الرؤية للحداثة أو على مستوى المؤسسات الثقافية (الكاتب و المثقف نفسه) هي جميعها تقليدية، فقط أنها كانت غير مكشوفة بفعل ما كان يعتبر شعارا واضحا، و بالتالي فإن الأزمة التي نعيشها اليوم، برأيي أزمة طبيعية ضمن هذا المسلسل و ضمن النموذج العام الذي تم تبنيه و لربما أصبح الكلام عن الحداثة في مفهومها الشمولي و بعدها النقدي ضربا من الجنون في العالم العربي. فالأوراق و هي تختلط توضح شيئا فشيئا بأن الثقافة التقليدية راسخة أكثر مما كنا نعتقد، و راسخة بفضل مفهوم الحداثة الذي مارسناه و تلاعبنا به. و يكفي أن نجد الآن محاكمة الحداثة من طرف من يدعون الحداثة، كذلك، بطبيعة الحال، هذا الموضوع يغرينا أكثر في الحديث، فأزمة الثقافة العربية من ناحية أخرى لها صلة بأزمة الثقافة على المستوى العالمي. و نحن الآن نلاحظ تقهقر التصورات اليقينية عن الفرد و الجماعة و الكون، أي عن ما هو اجتماعي – تاريخي و ما هو طبيعي. و المفاهيم التي اعتمدتها الحداثة الغربية هي نفسها تتعرض الآن إلى الانهيار بفعل التحولات و بفعل الوقائع التي يعيشها الغرب من داخله أو في صلته بخارجه، بالعالم الثالث أو باليابان أو بغيره.

نعم، من ناحية أخرى، يمكن القول بأن هناك ثقافة حديثة معزولة في العالم العربي، لأنها لا تستسلم للبنية التقليدية العامة التي تحدثنا عنها سابقا، و هي إذ لا تستسلم تمارس فعلا أوليا هو الهدم و لا تعطي شيئا آخر غير الهدم. و هناك من يرى في الهدم فعلا سلبيا لا يعطي أشياء ملموسة و إيجابية في بناء تصور ثقافي أو ممارسة ثقافية أو إستراتيجية ثقافية. و هنا أقول بأن الهدم بناء أيضا، و إنه – أيضا – إستراتيجية.

نحن لا يمكن أن نخرج من مرحلة مطلقات لندخل إلى مرحلة مطلقات أخرى، و لا من مرحلة تنميق الخطاب الطوباوي إلى مرحلة أخرى من تنميق خطاب طوباوي آخر. 

لذلك فإن الثقافة العربية الحديثة بالمعنى النقدي موجودة و لكنها معزولة و هي تختار هذه العزلة لا بالمفهوم الساذج و التبسيطي لمصطلح العزلة، لأن العزلة التي أتحدث عنها هي عدم القبول بلعبة البنية الثقافية التقليدية، و عدم القبول بما هو حتما و فورا لعب خارج قواعد اللعبة السائدة. وعلى هذا الأساس، لا يمكن أن نكون في الموقعين معا و بسهولة.

لذلك فإن هذه الحالة الثقافية العامة محكومة بالتقليد و محكومة بالبنيات المدعية للتحديث و بالتالي فإن وضعية الحداثة فيها على مستوى الراهن مأزومة أيضا.

حتى الآن لم تتأسس ثقافة نقدية في المغرب معاكسة لما في المشرق 

  • قلت إن الثقافة العربية لم تجد موقعا نقديا. إذن على هذا الأساس نحن في الثقافة العربية أمام إشكالية المنهج النقدي. و لكن ثمة مثقفين في المشرق العربي يرون بحكم إطلاعهم و قراءاتهم للإنتاج الثقافي المغربي بأن المناهج النقدية في المغرب باتت جد متقدمة لما عليه المناهج في المشرق العربي. إلى أي حد يصح هذا الكلام؟ هذا من جهة، أما الجانب الآخر فيما تحدث عنه من أزمة في الثقافة العربية، أين الثقافة المغربية داخل هذه الأزمة؟

محمد بنيس:  أولا، حين تكلمت عن غياب البعد النقدي في الثقافة العربية الحديثة ذكرت هذا الغياب مع استثناءات: فطه حسين، و هو من كبار مؤسسي الحداثة الثقافية، تبنى السؤال النقدي و خاصة في كتابه عن الشعر الجاهلي، ثم جبران خليل جبران هذا المارد النادر الذي انطلق هو الآخر من رؤية نقدية. و لكن هذا الوعي النقدي لم يدخل نسيج الثقافة العربية و لم يسائل ذاته أيضا. من هنا نجد أن ما يحصل الآن في المغرب بما هو متميز بنوع من التبني للوعي النقدي سواء في الميدان الفكري أو في ميدان النقد الأدبي أو في الممارسة النصية (و لا أستطيع هنا أن أعطي فيه مبررا واحدا أختزل فيه وقائع وضعية ثقافية بكاملها). إن ما يراه المشارقة من سيادة للمناهج الحديثة و من تبني للوعي النقدي هو – أيضا – نسي في المغرب حتى داخل من يتبنون المناهج الحديثة و الرؤية النقدية، و هو ما يزال يبحث عن نفسه بين المد و الجزر، فليس هناك حالة ثابتة و لا استمرارية تجعلنا نقول بأن هناك بالفعل بديلا ثقافيا متكاملا في المغرب، بمعنى أن هناك ثقافة نقدية هي الآن تتأسس في المغرب على عكس ما يوجد في المشرق. هناك اهتمام متزايد بمفهوم الحقيقة و بما سميته الاعتراف بتعددية الحقيقة، و اعتبر أن هذا في حد ذاته مكسبا إيجابيا. لكن لا نستطيع أن نحكم عليه في آنيته، لقد علمنا التاريخ الطويل في العصر الحديث أن نحترس من إصدار الأحكام. نعم، هناك عمل جدي في بعض الحقول، و لكن هذا وحده ليس كافيا.

هذه الملاحظات السابقة تؤدي بنا إلى الاحتراس – أيضا – من خطاب موجود في المغرب يرى أن الثقافة المغربية انفصلت نهائيا عن مشاكل الثقافة العربية. و بالارتباط مع هذا الرأي، هناك رأي عربي شائع يرى أن الثقافة المغربية هي بالفعل تتجاوز مصاعب و مشاكل الثقافة العربية في المشرق. و لكن، باعتقادي، لا يمكن أن ننسى في لحظة بأن الثقافة التقليدية توحد العالم العربي، و هي سائدة في المشرق كما هي سائدة في المغرب. إن ما يعتمل الآن الحركة الثقافية المغربية متباين، فالعام و الإجمالي هو – بالنسبة لي – ما يسير وفق المنظومة العربية العامة رغم ما قد يوحي به بعض المظاهر الأولية، لأن تقييمنا من داخل المغرب أو خارجه لما يحدث على مستوى البحث و الإبداع و على مستوى الفعل الثقافي ككل يستند في أسسه على معايير ثقافية إن لم تكن قطيعة تشمل البنيات المتكاملة و المتجانسة التي تؤدي جميعها، و بتفاعل بعضها البعض، إلى إحداث بنية ثقافية مغايرة. و هذا غير متوفر في المغرب. إن المغرب يعرف بعض الاجتهادات بحكم وضعه الثقافي العام و وضعه اللغوي و الجغرافي و السياسي أيضا. و لكن هذا التحول لا يمكن – بالنسبة لي – أن أعتبره قد بلغ مرحلة يقدم فيها بناء نظريا و إبداعيا يؤسس لمرحلة ما بعد الأزمة الثقافية العربية.

مازلنا نعيش مرحلة الشورى، و الهيمنة للفرد

  •   هناك طرح ثقافي مغربي يقول عندما يغيب السياسي يحل بدله الثقافي و العكس بالعكس. كيف ينظر الشاعر محمد بنيس لهذا الطرح و كيف تتحدد علاقة السياسي بالثقافي؟

محمد بنيس: هذا الطرح ليس مغربيا، و إنما هو طرح لأفراد معينين في المغرب. و أعتقد أنه طرح يرى ما هو مظهري في الفعل لا حركية الفعل و مضمونه، أن نقول الثقافي يظهر حين يغيب السياسي معناه أن هناك أدوارا غير متزامنة بين أطراف. و  الذي، برأيي، كان سائدا في فترة طويلة هو سيادة السياسي، سواء في الفعل السياسي المباشر آو في الفعل غير المباشر (الثقافي) الذي يكون تابعا لفعل سياسي و تابعا للسياسي بكل اختصار و تدقيق. أما الفعل الثقافي في المغرب فلم يظهر إلا في نهاية الستينات و بداية السبعينات و هو في طور التأسيس. و منذ انطلاقه إلى الآن يعرف نكوصات و تقدمات. و لكن شيئا فشئا، و رغم العوائق التي تقف في وجهه، و في مقدمتها هيمنة السياسي، فرض على الأقل ضرورة التفكير في دلالة الثقافي. كنت في “بيان الكتابة” أثرت لأول مرة الثقافي و السياسي في المغرب، و للأسف الشديد، فإن الخطاب السياسي كبت التأمل في هذا المشكل. لأنه كعادته يعتقد أنه مصدر الحقيقة، و بأن مهمة الثقافي هي تصريف حقيقة الخطاب السياسي، و بالتالي فإن الفرد و الجماعة و المجتمع العربي و الوضع التاريخي العربي الذي نجتازه، كل ذلك يختزل باستمرار و ببساطة في السياسي، كأن مشاكلنا من أولها إلى آخرها هي مشكل سياسي فقط، و إذا قمنا بحل هذا المشكل ستنفرج جميع المشاكل.

للأسف الشديد أن من يقول  هذا الخطاب – و هو خطاب ساذج – رأى تحولات كثيرة تقع في العالم العربي و رأى مؤسسات و بنيات كثيرة في العالم العربي، و التقدمي منها أكثر من اليميني، لا تتحول عندما تتحول شرائط السياسي، فما هو الشيء الذي يفصل مؤسسة تقدمية عن مؤسسة يمينية في العلاقة بين الأفراد، في الرؤية للوجود، في الحياة اليومية، في مفهوم المرأة، في العلاقة بالتاريخ، ما هو هذا الشيء؟

أعتقد أن ما عشناه و ما نعيشه في المؤسسة السياسية و النقابية على المستوى العربي كاف ليبرز جانبا آخر و حقائق أخرى لا يفهمها السياسي و لا يمكن أن يفهمها لأنه هو نفسه يعيش حاجزا معرفيا مع الواقع حين يختزل معرفته لهذا الواقع فيما هو سياسي فقط، و يعتبر نفسه هو وحده الذي يمتلك الحقيقة و أن لا حقيقة أخرى لهذا المجتمع، و هذا الفرد، و هذه الجماعة. نأخذ نموذجا بسيطا: كلمة الديمقراطية في العالم العربي هي من مطالب الحداثة، و الجميع يعترف الآن في جميع التيارات الفكرية و السياسية بأن هذا المطلب لم يتحقق بعد في العالم العربي، و بالتالي فإن هذه التنظيمات الليبرالية و التقدمية و اليسارية بصفة عامة تناضل من أجل تحقيق هذا المطلب بصيغة أو أخرى. لكن من هو الشخص الوحيد داخل أي تنظيم من هذه التنظيمات يعرف بأن الذي يدافع عن الديمقراطية هو ديمقراطي في الممارسة، سواء في علاقة القيادة بالقاعدة أو في علاقة القيادة فيما بين أفرادها أو في علاقة القاعدة فيما بينهم أو فيما يختص بتحديد و رسم الاستراتيجيات و التكتيكات. إننا، بصراحة، مازلنا نعيش مرحلة الشورى، و الهيمنة بطبيعة الحال هي للفرد و ليست للجماعة داخل المجتمع العربي، بمعنى أن هذه الواحدية المتعالية هي بنية تأسيسية للمجتمع العربي. فكيف يمكن للسياسي أن يتساءل أو يسائل هذه البنية إن كان هو من داخلها لم يعش مأزق بنيته كبنية مختزلة فيما هو سياسي.

ثانيا، كيف يمكن أن نوصف الخصم بأوصاف لا ديمقراطية و نمارس نحن الممارسات اللا ديمقراطية من البداية إلى النهاية و نعلم ذلك جيدا و لكننا لا نضع أنفسنا موضع النقد و المحاكمة و نكتفي فقط بمحاكمة غيرنا. هل عقلية مثل هذه عقلية حديثة؟ قرأنا سابقا تصريحات سياسيين يقولون بأن أزمة العالم العربي سببها المثقفون، و لم أجد إلى حد الآن باستثناء جمال عبد الناصر كشخص سياسي اعترف بان هناك أزمة هو أحد الأطراف المساهمين فيها على الأقل. فإذا كنا قبل شهور مثلا، سمعنا قادة سياسيين يكررون هذه اللازمة، فنحن نتساءل لمن يوجهون خطابهم، و ما هي أهمية هذا الخطاب و مفعوله؟ إن المؤسسة العربية لم تقتنع بأن الثقافي بعد أساسي في بناء تصور اجتماعي مغاير في علاقة الفرد بتاريخه و بالطبيعة أيضا. إن هؤلاء الذين يختزلون الإنسان في مجرد خانة سياسية منغلقة، لا يقومون بقتل مشروعهم السياسي فحسب، و لكن يعلنون صراحة مناهضتهم لمجتمع آخر تكون فيه علاقة الفرد بالفرد مغايرة للعلاقة التي تحكمهم الآن، كما لعلاقة الفرد بالجماعة و بالطبيعة. و من دون إطالة أقول إما أن ندخل الآن إلى مستوى متقدم من التحليل نرى فيه الوقائع في اشتباكاتها و تفاعلاتها، و إما أننا سنستمر في إنتاج خطاب كان له الإخفاق و لا يحترف غير إعادة إنتاج الإخفاق.

الانقسام الثقافي الفلسطيني يؤشر لتبعية الثقافي للسياسي

  •  بالنسبة للمشكلات التي عاشتها الثورة الفلسطينية نتجت عنها مشكلات ثقافية بدءا بالانقسام الذي عرفه اتحاد الكتاب و الصحفيين الفلسطينيين و ما استتبعه من مشاكل على مستوى الإنتاج الأدبي و الفكري، و كذلك على مستوى الممارسة الثقافية التي أصبحت هي الأخرى تأخذ الطابع الانقسامي كما هو سائد في الساحة الفلسطينية سياسيا. كيف كان تقييم الشاعر محمد بنيس لظاهرة الانقسام في اتحاد الكتاب و الصحفيين الفلسطينيين و للمشكلات الثقافية الناتجة عنها و كيف يرى آفاق الوحدة الثقافية الوطنية للمثقفين الفلسطينيين في إطار وحدة اتحادهم؟

محمد بنيس:  اسمح لي إن قلت، و أنا بعيد عن الفلسطينيين من حيث الانتماء الاجتماعي و الجغرافي، إن ارتباطي بالقضية الفلسطينية، منذ سن المراهقة، كان ارتباطا صميميا، تعلمت منه كيف أختار.. و مأساة الانقسام في الصف الفلسطيني عشناها و نعيشها جماعيا بحزن كبير. و أقول هنا بأن الانقسام في وسط المثقفين الفلسطينيين أتى ليعمق هذا الحزن، لأني أفهم ما معنى الانقسام في الوسط السياسي و لكنني لا أفهمه بين المثقفين، إلا بإدخال عنصر أساسي سبق أن أشرت إليه و هو تبعية الثقافي للسياسي.

تقسيم اتحاد الكتاب الفلسطينيين يمتد بفعله عربيا و جماهيريا

شاءت الصدف أن أكون، أثناء انعقاد المؤتمر الأخير لاتحاد الكتاب الفلسطينيين، في زيارة شخصية إلى اليمن الشمالي بدعوة من الجامعة اليمنية، و قد عشت لحظات كان فيها تقسيم الاتحاد يبدو للطرفين هو العمل الممكن. و قد حاولت بحكم قناعتي الثقافية و بحكم احترامي للطرفين معا أن أكون عنصر حوار بين الطرفين، و لكني في النهاية اقتنعت بان لا سبيل للحوار، لأن ما كان يمنع الحوار هو السياسي و ليس الثقافي بالنسبة للطرفين. و لا أناقش حجة السياسي لكل طرف، فهذا أعتبره من مشاكل التنظيمات الفلسطينية السياسية. و لكن ما صرحت به لأصدقائي و إخواني الفلسطينيين، محمود درويش و يحي يخلف و عز الدين المناصرة، و غيرهم هو أن تقسيم اتحاد الكتاب ليس منحصرا في فعله على الاتحاد، و إنما يمتد ليؤثر على وضع ثقافي عربي عام، بل – ربما أضخم – على الوضع النفسي العام للجماهير العربية، لأن الفعل الثقافي الفلسطيني متكامل مع الفعل السياسي و مع الفعل العسكري – القتالي الفلسطيني. و أنتم تعلمون الخطوات التي بذلت بمراحلها و مآزقها لتوحيد اتحاد كتاب الفلسطينيين. و قد علمت مؤخرا أن مؤتمرا توحيديا سينعقد قريبا بين شطري الاتحاد حتى لا أسميه بين الإتحادين.

و أعتقد أن الكتاب الفلسطينيين بما يعانونه نفسيا و جسديا، أصبحوا في موقع يدفعهم للتأمل في دواعي الانقسام و نتائجه على الفعل الثقافي الفلسطيني عامة. و إذا كنت فرحت بنبأ اللقاء المرتقب لتوحيد شطري الاتحاد، فإني، من جهة أخرى، أرجو أن يدخل التأمل في العمل الثقافي الفلسطيني مرحلة أخرى تشمل تصور الفلسطينيين للفعل الفلسطيني في المقاومة الفلسطينية، كما يشمل أهمية الفعل الثقافي الفلسطيني في مقاومة العدو الصهيوني.

إذا تتبعنا الصحافة الغربية – و أتحدث عن الصحافة الفرنسية التي أتتبعها – فإننا نجد الصهيونية تشتغل ثقافيا بما لا يقل عما تشتغل به عسكريا و سياسيا. و إذا قارنا بين طريقة مواجهتنا للصهيونية في أكاذيبها و تفسيرها للتاريخ و في تقديمها لصورة اليهودي و العربي بما يقوم به الفلسطينيون، فإننا، للأسف الشديد، لا نجد أي داع للمقارنة، و بالتالي فإن ما أرجوه هو أن يتحقق هذا التوحيد للاتحاد، و لكن في نفس الوقت، يجب أن نطرح المسألة الثقافية الفلسطينية بجرأة و بوعي نقدي بهدف بناء إستراتيجية ثقافية لا تكون فقط منحصرة فيما هو إعلامي أو ما هو ممارسة أولية للفعل الثقافي، خاصة و أن شاعرا مثل محمود درويش هو من الشعراء النادرين في العصر الحديث، شاعر عالمي استثنائي، و أقولها باعتزاز أمام عطائه الفريد. و ما أقوله عن درويش يمكن أن أقوله عن كتاب فلسطينيين آخرين في مجال البحث و الدراسة. و لذلك إذا لم يكن انقسام الكتاب الفلسطينيين مجرد صدفة أو خطأ أو خلل فمن واجب الكتاب الفلسطينيين الاهتمام بما هو إعطاء للفعل الثقافي مكانة أخرى و بتصور نقدي موسع و متكامل. و بهذين العنصرين نتجنب ما يمكن أن يفاجئنا به المستقبل.

تدمير الثقافة التقدمية هو أعنف من النشاط التخريبي للاستعمار الجديد

  • حاليا في الوضع الثقافي العربي ثمة إشكالية مطروحة بحدة على وعينا الثقافي العربي، هي كيف نواجه ثقافة الصهيونية و الاستعمار الجديد بموقف ثقافي عربي موحد في وقت تغيب فيه جبهة ثقافية تقدمية عربية؟

محمد بنيس:  أعتقد أن ما يهدد الثقافة العربية من داخلها لا يقل عما يهددها من خارجها. فنحن لا يمكن أن نواجه الثقافة الصهيونية و ثقافة الاستعمار الجديد بثقافة غير مستوعبة لقضاياها و لا لتاريخها و لا لاستراتيجياتها. تعلم أن ثمة لقاءات و ندوات تمت تحت شعار مواجهة الغزو الثقافي الامبريالي على العالم العربي. و أعتقد أن مثل هذه المواضيع هي من باب الخداع و الخدعة. من هو الذي سيواجه و كيف سيواجه؟ إننا بدلا من أن نطرح مشاكل الثقافة العربية و نحدد من نحن أولا في هذا الوضع الثقافي و ما هي مشاكلنا، نقوم بإخفاء كل شيء وراء مواجهة الآخر الذي يريد أن يدمرنا. إن تدمير المثقفين الذين نسميهم بالتقدميين في العالم العربي و الثقافة الحديثة و التقدمية هو أعنف بكثير مما يترصده لنا الاستعمار الجديد و الصهيونية. لقد فكر مجموعة من المثقفين العرب قبل حصار بيروت في إنشاء جبهة ثقافية تقدمية عربية، و بعد الحصار أعلن الشاعر سعدي يوسف من خلال بيانه عن فكرة إنشاء هذه الجبهة، و قامت ضجة في بعض المناطق العربية في المشرق و المغرب، تتناول شرعية الدعوة لهذه الجبهة و شرعية الموجه لها و شرعية الموجهة لهم. و هذا الخطاب لو قمنا بتحليله لجعلنا نتلمس مرة أخرى بطريقة محسوبة هيمنة السياسي على الثقافي، لأن هناك تنظيمات سياسية تقدمية عربية أرادت أن تهيمن على هذه الجبهة و تفرض توجهها عليها حتى قبل انعقادها، كما أرادت أن تفرض أسماء ثقافية بالدرجة الأولى من شخصيات سياسية. و للأسف الشديد، ليس هناك من تحدث عن سبب إخفاق هذه الدعوة. الجميع كان يتحدث أثناء قيامها و لكن بعد إخفاقها لم يتحدث أحد. و أعتقد بأن الوضع الثقافي الآن بما فيه من خضوع و استسلام شبه جماعي يجعل الحديث عن جبهة ثقافية عربية من باب الزيادة في اللغو إن لم يكن من باب الزيادة في هيمنة السياسي على الثقافي.

نعم، نحن نحتاج كمثقفين إلى مكان نسكن فيه سماه سعدي يوسف جبهة ثقافية و لكنه اصطدم بالحاجز و قد قرأنا جميعا مذكراته التي كتبها. و لكن هذا المسكن الذي نبحث عنه، ربما يبدو سديميا يوما بعد يوم، و لكن لا أتبنى تشاؤما و لا تفاؤلا. 

إن الفعل الثقافي فعل معقد و هو يبحث باستمرار عن طرائق لضمان فاعليته و لو كانت الشهادة بمفرده هي ما يقوم به. قد يسهل الدعوة إلى تجمع من هذا و من نوع آخر، و لكن ما أومن به مرحليا هو أن الفعل الثقافي ذي الأولوية بالنسبة للمثقفين هو بناء مؤسسات ثقافية، و هذا هو المكان الأول الذي يجب أن نبنيه و نسكن فيه، بناء المؤسسات الثقافية التي لا تضمن سلطة أو امتيازا، و لكنها عبارة عن نفق سري يشتغل فيه المثقفون لإنتاج الثقافة، لبناء و عي نقدي، لتوضيح أسئلة المرحلة و ما قبلها، لرفع اللبس عن كثير مما يتقدم لنا أو تم تقديمه لنا.

أرى أهمية لبناء مؤسسات إستراتيجية ثقافية

  • بما أنك تحدثت عن بناء المؤسسات الثقافية فهل يمكن اعتبار دار توبقال للنشر في المغرب ضمن هذا السياق؟

محمد بنيس:  بمعنى ما أجيب بأنها فعلا تدخل ضمن هذا السياق. إن دار توبقال للنشر هي من تأسيس مجموعة من المثقفين المغاربة شعروا بضرورة الانتقال في الممارسة الثقافية المغربية من مرحلة العمل التقليدي إلى الدخول في مشروع طموح يهدف أساسا إلى إصدار كتاب له مستوى ثقافي متميز على صعيد البحث و الإبداع يتزاوج فيه العطاء العربي بالعطاء الإنساني في حقول متباينة. و أحس بأن مشروعا كدار توبقال يجعلني ألمس أهمية بناء مؤسسات ذات إستراتيجية ثقافية و هو ما لا يمكن أن يتحقق بدون وضع تصور متكامل و متجانس في نفس الآن، إضافة إلى اعتماد المبادرة و اعتبار الإرادة عنصرا ضروريا للانطلاق في عمل يساهم في الخروج من مرحلة الانتظار الطويل لمحاولة تعميق الحوار الثقافي بين مجموعة من الفعاليات لفكرية و الإبداعية العربية و الانفتاح على تجارب و مناهج و مدارس فكرية خارج العالم العربي من غير انحصارها بالضرورة في النموذج الغربي بمفرده.

و بهذا المعنى أرى أن بناء المؤسسة له مصاعب كبيرة جدا و لكن من حيث النتائج – يبدو لي – أكثر ضمانة من النتائج التي تؤول إليها مجموعة من الممارسات التي لا يكون فيها للمثقف سوى الدور الهامشي، و ليس له أي قدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. مع ذلك أقول أن بناء المؤسسات الثقافية، بالنسبة لي، مفهوم واسع، و من الصعب حصره في نموذج محدد سواء في هذا المجال أو ذاك. إن بناء المؤسسات يشمل الفاعلية الثقافية و شرائط الإنتاج و التواصل و التلقي. و لا شك أن الحقول الثقافية و تعدد الخبرات كفيلة بإبداع مرحلة تأسيسية في الثقافة العربية.

ملحوظة: الحوار المقبل مع الشاعرة ثريا السقاط