صحافة البحث

حراك الريف: الاحتقان، الاستقرار السلطوي والأمننة.

- الإعلانات -

تسارعت الأحداث والوقائع المراكمة لدينامية الاحتجاج المطلبي والسياسي، والمرتبطة بما أصبح يعرف في يوميات” الزمن السياسي ” المغربي، بـ “حراك الريف “، لتجعل من ملف الحراك، ومن منطقة الريف، إحدى بؤر التوتر الاجتماعي والسياسي التي وضعت مصداقية الدولة، كما مؤسساتها واختياراتها على المحك.

فالدينامية التي بدأت سخطا واحتجاجا على مقتل محسن فكري ، طحنا ، في أكتوبر 2016، تبلورت واحتقنت، وصارت حراكا أنتج ملفا مطلبيا، عادلا ومشروعا، تداخل فيه القانوني بالحقوقي، الاقتصادي بالاجتماعي . بل طالب بالقضاء على الفساد والاستبداد، وجعل الشعب مصدرا للشرعية، وتأطير كل هذا وذاك، برمزية “الصنديد” عبد الكريم الخطابي. وهو ما يمكن اعتباره تعميقا للسقف المطلبي والسياسي الذي مثلته حركة 20 فبراير 2011 .

اتُّهِم حراك الريف، بمباشرة ” تضليل إعلامي ممنهج “، و ” تبخيس لجهود للدولة التنموية “، واتهام أطراف معينة ، وذات “امتدادات خارجية ” ، بزعزعة استقرار و ولاء ” الرعايا الأوفياء”. بل الأنكى من ذلك، أن عمم القصر صمته ، ودفع برئيس حكومة ” التدبير ” سعد الدين العثماني، وجه النظام الجديد، إلى الإعلان وعلى الهواء مباشرة ، ” عدم قدرته على تفسير ما وقع …” ، قبل أن تحشد الدولة العميقة، إجماعا مرحليا، لازما للانقضاض على الحراك وإبطال مفعوله.

وبين شرعية المطلب وتعميم سلوك التعنيف والقمع، استعاد سكان المنطقة خاصة، وعموم المغاربة، ما شكله الريف في ” مِخيال ” الدولة السياسي : إقليم تأسس ” وعيه الجمعي ” على فعل المقاومة المسلحة ( 1920-1926) التي التفت حول الزعيم عبد الكريم الخطابي، ابتداء من عشرينيات القرن الماضي، مرورا بإعلان جمهورية الريف 1921، كنموذج عصري، بأبعاد وطنية تحررية، وبإرهاصات ديمقراطية، أعادت النظر في بنية السلطة، وانبنت على فصل السلط، وتحديث الهياكل القبلية، وهو ما شكل تحولا عميقا في البنية الاجتماعية والسياسية للريف ” ورفض اتفاقات إيكس ليبان غشت 1955، وانتهاءا بأحداث الريف 1958-1959 و 1984. وهي صيرورة عمقت من جروح التاريخ، ومن إحساس جماعي بغياب العدالة الاجتماعية، وتعميم الحيف والتفقير والحرمان.

لقد انفجر حراك الريف في سياق مليء بالوقائع والمعطيات، تحكمت في مآلاته و آفاقه. أولها، صيرورة التغيير و استقرار وتأكيد الطابع السلطوي لنظام الحكم بالمغرب، بعد أن استكملت الملكية رهان بناء العهد الجديد، ، وقاربت التحكم والسلطوية، كـ”مرحلة انتقالية، كنظام مؤقت، وشرٌّ لابد منه، لإطلاق صيرورة الدمقرطة” . وهوما جعل بعض الدراسات ، تتحدث عن ” الأنظمة السلطوية الهجينة ” ، التي تمزج بين بنيات مخزنية وسلطوية عميقة، وآليات ديموقراطية حديثة. مزج يؤكد عسر وصعوبة الانتقال الديمقراطي. ومن تم يصبح الاحتجاج آلية من آليات التعبئة والمشاركة والمواطنة.

الحراك وسيرورة انتفاح النظام

فالناظر المتبصر، لوقائع الحياة السياسية المغربية، لن يجد عناء، للتأكيد على هيمنة المؤسسة الملك ونخبتها الانتقالية، وقدرتها على إعادة هيكلة النظام السياسي كإجابة على استراتيجية ملحة ، بدأت بالاتفاق على إنجاز ” تناوب مراقب “، وتوافق على تدبير أمور الاستخلاف وانتقال العرش إلى الملك محمد السادس ( بين الحسن الثاني و الأستاذ عبدالرحمن اليوسفي 1999 )، هيكلة تنبني على دسترة جديدة ونوعية لموقع المؤسسة الملكية، تجاه باقي المؤسسات، وتوافق على اقتسام المجال العمومي وفق تراتبية تكرس أولوية الملك في توزيع الأدوار وتحديد مجال المنافسة بين الفرقاء السياسيين.

كما أن العهد الجديد، بشرعياته واختياراته، لم يؤسس مقومات ومداخل مأسسة التحول والتغيير الديموقراطي، بل كرس تصورا للدولة في عملية الانتقال الديمقراطي، لا يوفر حتى مقومات تأسيس التحول، واكتفى بإطلاق صيرورة انفتاح النظام ولبرلته ،كمحاولة لتهذيب صورة المخزن البشع والمعاقب ، وهو ما ساهم في إعادة رسم صورة النظام ، المتجدد، السائد والمُقَوَّى وهوما لا يخرج عن سياق Le statut qui tend à pérenniser le système actuel.

من هذا المنطلق، يمكن مقاربة الحراك الشعبي بالريف، كدينامية اجتماعية تدخل، سياسيا، في إطار التعبيرات الجديدة للحركات الاحتجاجية، في السياقات الانتقالية. وهي التي تتميز بموجة انفتاح ولبرلة الأنظمة السلطوية. تعبئة الموارد والفرص السياسية.

معطى آخر يؤطر سياق انخراط حراك الريف، هو انحسار و تلاشي مشروعية الأحزاب التقليدية، واهتزاز شرعية أقطابها ورموزها وزعاماتها ، كتجلٍّ لأزمة التمثيل السياسي، وتحول الأحزاب والتنظيمات ، من مؤسسات مفترضة للتأطير والتعبئة والتنشئة الاجتماعية ودعم المشاركة السياسية، إلى قنوات انتخابية، اتسم أداؤها بالتسوية والوصولية، وتراجَعَ منسوب فعلها التأطيري و السياسي والتنظيمي، وصارت لا تجاري تحولات المحيط والسياق، فتوقَّفَ أفق مشاريعها الاصلاحية عند عتبة التناوب التوافقي (1999-2003).

وبالموازاة مع هذه الصورة القاتمة، تنتصب مفارقة هامة تفيد مُتَغيِّراً جوهريا، أنه إذا وصل المجتمع السياسي الى أفق مسدود، وغير مضمون المآل. فإن المجتمع المغربي ، بتنظيماته المدنية والحقوقية والثقافية والشبابية والنسائية، يعرف دينامية جسدت توسع رقعة الاحتجاج جغرافيا ، وتتابعها زمنيا، وتعددها وتنوعها تنظيميا ( تنسيقيات، لجن دعم، مبادرات…) . لقد أصبحت دينامية الحراكات الشعبية تساءل وتحاسب ثغرات ونواقص صيرورة البناء الديمقراطي والتنموي. ونقلت المطالب من بعدها المادي الاجتماعي والاقتصادي، إلى بعدها السياسي والحقوقي والقانوني، وارتقت بسقف المطالب إلى محاربة الفساد والاستبداد، والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية. فأصبح دور الدولة و اختياراتها موضوع متابعة ومساءلة واعتراض من طرف الإرادة العامة.

بيد أن السياق الذي انبثق فيه حراك الريف، ساهم إلى حد بعيد، في التأثير على مآله ورسم معالم انخراطه في الدينامية الاحتجاجية. وهو مآل تمحور حول الربط بين مشروعية البناء الديمقراطي والتنموي وبين العدالة الاقتصادية والمجالية.

لقد أوضح حراك الريف، وبالملموس، إفلاس مقاربة الدولة لورش الحكامة المجالية والترابية. وتأكد من خلال هذا الإفلاس، انفصام بين ما ” تزخر” به مناظرات وتوجهات الدولة و” مراكز ” بحوثها، وبين ما يتم تنزيله وتحقيقه من مشاريع على أرض الواقع .

كما أن صمود الحراك، وتشبت فاعليه بشرعية المطلب والاحتجاج، يؤكد انتكاسة استراتيجية الدولة في التعامل مع الحركات الاحتجاجية منذ 2011 . إن تغليب المقاربة القمعية، وانتهاج أسلوب المناورة والتعنيف و ” الأذن الصماء” ، جعلها مرشحة للتصعيد ومصدرا للاحتقان، وقابلا للانفجار.

إن تطورات الحراك، وما صاحبه من تعنيف واعتقالات وتشنيع، وعدم الإستجابة لمطالب الحراك ، يثير إشكالات عديدة تمس في العمق، مصداقية العهد الجديد بنخبه واختياراته.

بدءا بإفلاس المقاربة القمعية المؤطرة لورش الجهوية المتقدمة. مقاربة تؤكد حقيقة واحدة ألا وهي سقوط الشعارات المؤسسة للعهد الجديد الواحدة تلو الأخرى : المفهوم الجديد للسلطة، العدالة الإنتقالية، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية… وكل ما يقع في الريف، ما هو إلا تأكيد لعودة تجليات الدولة الأمنية، وما تمثله من انتكاسة على المستوى الحقوقي والقانوني والسياسي.

إضافة إلى انسداد أفق الملكية ونخبة الانتقال في التعامل مع مطالب الحركات الاحتجاجية . فبريق العهد الجديد، وحركة “الافتتان” الذي مارسته طيلة عشرية 1999 – 2010 ، قد اضمحلت و تراجعت أمام مأزق الخطاب التنموي وفشله.

كما تأكدت محدودية ” الانتقال والتوافق ” اللذان أطرا رهان الاستخلاف والدمقرطة ، وسقطت أمام أول تمرين ديموقراطي، والذي ينتصب كمؤشر دال وفاعل على صدقية ورش الانتقال الديموقراطي والتوافق حول مداخله وأبعاده ورهاناته، ألا وهو مؤشر القطع مع التسلط والاستبداد، والقمع المادي والجسدي الذي تمارسه الدولة في حق مواطنيها .

لقد ربَطَ الحراك الشعبي بكافة روافده و تعبيراته، مشروعية السلطة واختياراتها التنموية بالإرادة الشعبية العامة، وحولها إلى طرف أساسي في مساءلة الفعل السياسي عبر سلوك الاحتجاج . إن احتلال الفعل الاحتجاجي للفضاء العام، يؤكد حقيقة واحدة، انبعاث قوى الرفض والمساءلة والمطالبة ( الشعب) وانتقالها من طور الحياد ومن حيز الهامش، إلى حيز الانخراط الفاعل في مساءلة تدبير الشأن العمومي، ومشاكسة أشكال الهيمنة والهدر والتحكم.

لقد تمكن حراك الريف، من تجاوز الإشكالات، المتعلقة أساسا، بتدبير عامل الزمن، كمورد سياسي في صيرورته الاحتجاجية والسياسية ، وهو ما ساهم في تقليص مساحات هدر الزمن الاحتجاجي . فتوارت الإشكالات والسجالات حول طبيعة المرجعية الفكرية والسياسية والايديولوجية ،والتنظيم الداخلي وطبيعة القيادة ، وأظهر قدرة عالية على استثمار الإمكانيات التي يتيحها “الفضاء الافتراضي” على مستوى استراتيجية التخطيط والتعبئة والتنظيم، وأساليب الاستقطاب، وأيضا في خلق تواصل بين مساحات الاحتجاج ومواقع التواصل الاجتماعي من أجل نقل مجريات التظاهر ، وساهم في بلورة “تأكيد جماعي لوجود سياسي متحرر بشكل أو بآخر من مراقبة سلطة الدولة، استثمر الفضاء العمومي بحثا عن شرعية المكان وضمانا لمشاركة الجماهير، أو للحصول على مصداقية المطالب، بما يشكل الضغط الكافي على السلطة السياسية للتجاوب معها”.

مواجهة الذاكرة والتاريخ

ولكل هذا وذاك، شكل حراك الريف مواجهة مع المخزن على واجهتي الذاكرة و التاريخ . فبقدر ما كان التاريخ حاضنا للحراك ( الراية، رمزية الزعيم، قسم الريف) وهو استحضار مباشر لزمن الجمهورية و لبيعة عبد الكريم . ترجع الدولة إلى عمقها التاريخي لتأكيد سجلها التدبيري للأزمات السياسية. كما أن استحضار ” زمن الجمهورية “، هو تذكير بأن المخزن ” هو من أجهض بتحالف مع اسبانيا وفرنسا حلم الجمهورية ومشروعها التحرري “، وفي هذا المقام بالذات، يزخر السجل التاريخي للمخزن، بالمحلات السلطانية، والحملات التأديبية لتطويع معاقل التمرد والاحتجاج. و حينما يجمع المهتمين بسوسيولوجيا الحركات الاجتماعية والاحتجاجية، على العمق التاريخي لفعل الاحتجاج وزمن التمرد، تجيب الدولة بسياق ” تاريخية الدولة “ومؤسساتها في مواجهة الحراكات التاريخية.

وحينما يستحضر حراك الريف، قسم الريف، من خلال شعار “عاش الريف “، وهو استحضار للإقليم، للمجال وللجغرافيا، كبعد أساسي في صيرورة التعبئة والتنظيم. وبالمثل ،تستحضر الدولة العميقة كل الرمزية التاريخية من أجل ترويض المجال والجغرافيا، و استحضار آلية “الإجماع والتوافق ” السياسي من أجل محاصرة فعل الاحتجاج و الانقضاض على الحراك.

وبالجملة، لقد أكدت صيرورة الحراك ومآله، حقيقة جوهرية، ان هذه الدينامية المجتمعية، استمدت شرعيتها من فعل الرفض والامتعاض من مواقف وممارسات وسياسات منتهجة من قبل الدولة، من فعل التغيير كشرط مؤسس لوجودها، من عنصر القضية المولد لها ( الوعي بالمطالب والحاجات). وبالفعل المستمر لتواجدها، كجهود منظمة وعابرة تروم كتابة زمن آخر، ينتفي فيه واقع، ويتأسس فيه آخر.

آفاق حراك الريف : الأمننة، العدالة والدمقرطة .

لقد وضعنا الحِراك والفوران الشعبي والاحتجاجي، في سياق تجذير الفعل الاحتجاجي، و نشوء ” سلطة مضادة ” تعيد النظر في سؤال الهيمنة وصراعات التحرر منها. و أعادت نوعا من التوازن في أشكال ممارسة السلطة والصراع في المغرب الحديث. كما وضعنا أمام سؤال سبل إنتاج وإعادة إنتاج الاحتجاج بشرطه المؤسس، وقضيته المولدة، وفعله المستمر. وهو استفهام سيُعِيد رسم تمثلات علاقة الحركات الجماهيرية مع الدولة والتنظيمات الحزبية.

إن إعادة تشكيل هذه العلاقة، ترتبط بآفاق الحراك، التي لن تخرج عن احتمالين: أولهما، استمرار سيناريو هدر الزمن السياسي، والاستمرار في أمننة sécurisatiion الحراك والمراهنة على عزله و تطويقه، وإبطال مفعوله وتفاعله مع محيطه الاجتماعي والسياسي، وبالتالي اجتثاث الزمن الاحتجاجي.

وثانيهما، يهم معالجة جروح التاريخ وحروق الذاكرة، التي تساهم في تعميق الشعور بوجود عداء وجودي وتاريخي ممتد في الزمن بين النظام و منطقة الريف. وبالتالي، استثمار وإعمال ما تتيحه صيرورة انتقال ديمقراطي حقيقي من إمكانات وفرص ، تتأسس على عدالة انتقالية ” كآلية لدمقرطة النظام السياسي، كحامية للشرعية وللقانون ، وكآلية مؤطرة للسياقات الانتقالية، تساهم في تكريس المصالحة الوطنية “، تبدأ بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ، المعتقلين على خلفية الحراكات الشعبية، ومعتقلي حرية التعبير والرأي . والمعالجة الفورية لجروح الذاكرة والتاريخ، و لواقع التفاوتات الاقتصادية والمجالية، وإعمال مقاربة تنموية تجعل من العدالة الاقتصادية والمجالية والتوزيع العادل للثروات، أساس المشروع التنموي.

الحراك ، هل تستطيع الحركات الاحتجاجية إنجاح صيرورة تحولها من حركات قابضة ومُجَمِّعَة لكل التعبيرات الاحتجاجية، إلى حركات اجتماعية وجماعية، مُهَيْكَلة ومُنَظَّمَة structurée ،قادرة على تعبئة الموارد وتوزيعها، وقادرة إطلاق دينامية تهدف إلى إعادة هيكلة وترتيب أشكال الدفاع الذاتي و تجديد آليات المقاومة لدى التنظيمات المجتمعية تهدف إلى تشكيل مجتمع حركي متحرر من كافة أشكال التحكم و الهيمنة. وحاضن لمسلسل مساءلة ومحاسبة أشكال الممارسة السياسية. وهو ما يعتبر في نهاية المطاف، تأسيسا ” ليقظة مواطنة ” تنم عن منعرج سياسي نوعي يربط المسؤولية بالمحاسبة، يشاكس السياسة، يسائلها ويحاكمها.

إن حركية كهذه، ستساهم في إعادة بناء العمل السياسي من القاعدة، ليس انصياعا لأوامر الشيخ أو السلطان، ولا خضوعا لتوجيهات الأمير أو الزعيم، بل بناءا على قناعة جماعية، تحسم مع بنيات التجهيل، وتتبنى أولا وقبل كل شيء التثقيف والتوعية السياسية، وتجعل من تعبئة الشعب وتقوية مناعته وأشكال مقاومته ” عزمها الداخلي وشرط عزيمتها “.

لقد اتخذ زمن التغيير السياسي بالمغرب، شكل حقب ومراحل متعددة، متتابعة وأحيانا متناقضة. و الحقيقة المؤكدة، هي نجاح الملكية ونخبتها الانتقالية في استعمال استراتيجية للبقاء تقوم على النزعة المحافظة، وعلى الترويض الدقيق على الإصلاح والتغيير، والتحكم في أبعاده ورهاناته.

لقد اتخذ زمن التغيير السياسي بالمغرب ، شكل حقب ومراحل متعددة، متتابعة وأحيانا متناقضة . وما أفرزه حراك الريف ، هو تأكيد لحقيقة كبرى ، تفيد نجاح الملكية في استخدام استراتيجية للبقاء تقوم على النزعة المحافظة ، وعلى الترويض الدقيق على الإصلاح والتغيير، والتحكم في رهاناته وأبعاده.

إن التغيير الدوري ، هو في حقيقته، تعميق لبنيات الثبات والاستقرار structures de l’immobilisme ، ويحافظ على الوضع القائم ، ويعيد بناء التوازنات اللازمة لاستمراريته و لاستقراره.

لقد أزهر الحراك الشعبي، حركة 20 فبراير، المطالبة بإسقاط الفساد والاستبداد وإبعاد رموزه، وبإحقاق العدالة الاجتماعية و فصل السلط وتحديدها، وإعمال مبدأ الملكية البرلمانية، ونجحت في” فرض” خطاب 9 مارس 2011، المؤسس ” للهندسة الدستورية الجديدة ” . وهو نفس الحراك الشعبي الذي تأكد، توسع وتعمق مع حراكات قطاعية ومجالية جرادة، بوعرفة، سيدي إفني، زاكورة، الخميسات وحراك الريف. وبقدر توسع رقعة الحراك الشعبي، وتعميق مطالبه ، و تزايد أشكال الالتفاف والتضامن الجماهيري، بقدر ما تفننت الدولة في حشد التوافق والإجماع من أجل قمعه، و تحييده وإفراغه من محتواه.

إن رهان الدمقرطة الأسمى، هو تحويل السلطة، من أداة تشرعن القهر والإكراه والقمع الجماعي، المادي والجسدي، إلى سلطة تنظم ، وتشرعن التفكير والحركية والفعل الجماعي ، وأن تصبح ملكا جماعيا محفزا، وقوة دافعة ورافعة للدينامية الاجتماعية ولحركية المجتمع والتاريخ .

كما أن السلطة السياسية هي ، أولا وقبل كل شيء، سلطة المواطن، يتمتع بها ويمتهنها في كل المجال العمومي، والذي بدونه، تعتبر سلطة الدولة، من منظور ديموقراطي، غير شرعية.

هذا المجال وتلك السلطة، تساعد على خلق الرأي الحر، وتوسيع نطاقات التداول والنقاش الحر، الهادئ والبناء ولا غرابة حين يؤكد جهابذة السياسة، عن العلاقة بين الفكر والسلطة، والحركة والفعل…حيث تصبح السلطة ، كما تبين حنا أرندت، هي الشرط اللازم لتحرك وتعبئة الجماعة ، هي مؤسستها، هي شرط عزيمتها وعزمها الداخلي.

المراجع:

  • انظر وثيقة 5 مارس 2017 في هذا الرابط
  • محمد أنيا : عبد الكريم الخطابي وأسطورة الانفصال، ( 1921 – 1926) حفريات نقدية في خطاب الجمهورية الريفية ، الطبعة 1 ، 2018.
  • Dabène O : Autoritarismes démocratiques et démocraties autoritaires…la Découverte, 2008
  • مؤلف جماعي، الحراك الاجتماعي في المغرب والمشرق، الاتجاهات الراهنة والآفاق، منشورات مختبر الأبحاث القانونية والسياسية والاقتصادية، تازة 2015.
  • أحمد بوجداد، مسارات التغيير، الهجانة السياسية والاستقرار السلطوي، الحراك الاجتماعي، مرجع سابق .
  • R. El Mosadeq : consensus ou jeu de consensus au Maroc , 1995
  • أحمد بوجداد، الملكية والتناوب، مقاربة لاستراتيجية تحديث الدولة وإعادة إنتاج النظام السياسي بالمغرب، 2000
  • محمد الساسي، التحول وخطاب التحول، أفاق التحول الديمقراطي بالمغرب، مجلة نوافذ، أبريل 2000
  • Cubertafond. B : la vie politique au Maroc, l’Harmattan 2001
  • Santucci. J. C : état et société au Maroc et perspectives de changements, in le Maroc actuel, Paris 1983
  • يوسف أشلحي : المجتمع المدني ومولد الفضاء العمومي، الدولة وحراك الريف، مؤلف جماعي، سلسلة بدائل قانونية وسياسية، 2018.
  • منير الجوري: الخطاب السياسي والفضاء العمومي في زمنية الاحتجاج، مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، 2018
  • عبد الحميد بنخطاب : حول العنف السياسي في سياق الحراك الاجتماعي بالمغرب ، الحراك الاجتماعي.
  • رشيد شريت : الحركات الاحتجاجية بنفس تاريخي، الدولة وحراك الريف.
  • عبد الرحيم العطري : الحركات الاحتجاجية بالمغرب، مؤشرات الاحتقان ومقدمات السخط الشعبي، دفاتر وجهة نظر (14)، 2007
  • KORA. A : la justice transitionnelle, Gallimard 2012
  • Saaf. A : images politiques au Maroc , 1987
  • Férrié. J. N : la nouvelle architecture constitutionnelle et le trois désamorçages de la vie politique marocaine, in : le Maroc : changements et faux-semblants, confluences méditerranée, N 78/ 2011
  • Arendt. H : Condition de l’homme moderne, 1994.

مداخلة  في موضوع : حراك الريف، السياق، المآل والآفاق:  الأسبوع التضامني الرقمي مع حراك الريفالحزب الاشتراكي الموحد، تيار اليسار المواطن والمناصفة،  11-18 ماي 2020