عبد الجليل حليم.. سوسيولوجيا التبعية

- الإعلانات -

عبد الجليل حليم من الجيل الثاني للسوسيولوجيين المغاربة. عضو دائم في الأمانة العامة لاتحاد الاجتماعيين العرب وأحد مؤسسي الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة والتي كان سوسيولوجيون كثر من الفاعلين فيها. مدير لمركز الأبحاث والدراسات النفسية والاجتماعية. انخرط أواسط سبعينيات القرن الماضي في اهتمامات جيله وكذا الجيل المؤسس. وخصوصا المسار الذي رسمه نقديا عبد الكبير الخطيبي وميدانيا بول باسكون. لم يكتف عبد الجليل حليم باستهلاك إشكالات المؤسسين والمتمحورة حول كيفيات التعامل مع الإرث السوسيولوجي الكولونيالي والأنجلوساكسوني، بل سينخرط سوسيولوجيا في استكشاف سؤال الجيل الثاني والمتمحور حول طبيعة المجتمع المغربي: هل هي إقطاعية أو فيودالية أو تنتمي إلى أنماط إنتاجية أخرى؟ ينتمي السؤال في جزء منه إلى إرث المؤسسين، سواء عبر بحثهم في طبيعة التراتبات الاجتماعية بالمجتمع المغربي أو عبر العمل على تحديد موقعه داخل خريطة المجتمعات الواضحة بنيتها الاقتصادية والاجتماعية. سيشتغل عبد الجليل حليم على الإقطاع وتملك الأرض بالمغرب انطلاقا من حالة منطقة الغرب، وذلك لنيل أطروحة السلك الثالث سنة 1977. وانطلاقا من هذا العمل سينخرط في النقاشات التي كانت دائرة آنذاك وبعدها بسنوات حول الهوية الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع المغربي. سينشط عبد الجليل حليم مجلة الأساس بمقالات عدة حول ماهية الإقطاع؟ وماهية الفيودالية وأصول الفيودالية بالمغرب والرأسمالية الزراعية بالمغرب والبرجوازية التابعة والهيمنة السياسية والإمبريالية وإدماج التشكيلات ما قبل الرأسمالية… 

عبد الجليل حليم

لقد قرنت الدراسات المنشورة وغيرها من المداخلات العلمية غير المنشورة اسم الدكتور عبد الحليم جليل بالسوسيولوجية القروية، وجعلته وكأنه يسير على نفس هدى بول باسكون. لقد راكم في هذا الباب، إلى جانب أطروحتيه الأكاديميتين (إحداهما بالمناسبة مهداة إلى بول باسكون)، دراسات عدة حول القرية المغربية، سواء عبر سؤال الملكية العقارية أو التحديث القروي أو البدو والسلطة السياسية في المغرب، وإشكالية التغير في العالم القروي… وجاء كتابه الجامع لكل ذلك يحمل عنوان: « البنيات الزراعية والتغير الاجتماعي بالمغرب.. من الإقطاع إلى الرأسمالية » سنة 2000. لن تدفع التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية المتداخلة والمتعايشة والمتصارعة بالمجتمع المغربي إلى استهلاك أو إعادة إنتاج الأطروحة الباسكونية الفائلة بالمغرب المزيج، بل بقدر ما سيدقق الأستاذ حليم في مفاهيم كثيرة مثل الإقطاع والقطيعة والفيودالية، بقدر ما سيرحل بسؤال طبيعة المجتمع المغربي إلى منطقة إشكالية مغايرة لإشكالات المؤسسين. سيتخذ من المجتمع القروي موضوعا للبحث ليسائل من خلال ذلك سبل الخروج من وضعية التخلف والتبعية لينال حظه من ثمار الحضارة الإنسانية الجديدة وينخرط في الحداثة والتنمية العقلانية العلمية. ذلك هو السؤال المحفز لأبحاث حليم عبد الجليل, وفي سياق الإجابات السوسيولوجية عنه سيكون من السوسيولوجيين المغاربة الأوائل الذين سيغيرون بوصلة السوسيولوجيا المغربية نحو السوسيولوجيا الأمريكو- لاتينية (دوس سانطوس وغاندرفرانك) والتي تقترح مفهوم التبعية كمقاربة نظرية شاملة للتنمية في المجتمعات التي تعيش في وضعيات متناقضة داخليا وتبعيات متعددة للمراكز الخارجية. يقول عبد الحليم جليل في هذا السياق: « عوض اعتبار التخلف نتيجة بنى عتيقة متأخرة ما قبل رأسمالية، فإن نظرية التبعية تتيح تجاوز هذا الموقف الزائف وتفسر التخلف من وجهة نظر تاريخية كنتيجة لوضعية عالمية وكنتيجة لانتشار الرأسمالية على الصعيد العالمي… إن التبعية مجموعة من البنى الداخلية الخاصة بالبلدان المتخلفة والناتجة عن التنمية كظاهرة تاريخية عالمية وتكون وتوطد وانتشار النظام الرأسمالي. ذلك أن انتشار الرأسمالية وتطورها كانت لهما آثار على البلدان غير الرأسمالية، ومن ثم فإن دراسة تطور الرأسمالية هذا، في المراكز المهيمنة، قد أعطى الاستعمار والإمبريالية، أما دراسته في البلدان الأخرى فستعطي نظرية التبعية. ذلك أنه أصبح من الضروري تجاوز النظرة التي تدرس تطور الرأسمالية من وجهة نظر المركز المهيمن وحده، وأصبح من اللازم أن يؤخذ بعين الاعتبار مجموع المناطق المحيطة بصفتها تكون جزءا من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية السائدة على الصعيد العالمي ». 

من الانغراس في قضايا العالم القروي وانتقالا بأسئلته إلى فضاء سوسيولوجيا التبعية والتنمية والتغير الاجتماعي ووصولا (لا يتعلق الأمر بتوقف لأن حليم عبد الجليل ما زال معطاء) إلى التتبع السوسيولوجي لقضايا الشغل والتشغيل بالمغرب وكذا أشكال الانتقال بالسوسيولوجيا من مرحلة التأصيل إلى مرحلة الإبداع بكل معيقاتها ومستلزماتها، ظل عبد الجليل حليم مثل المهندس المدني يزاوج بين تصور المدينة الشامل وتشكيل ملامحها العميقة والتحتية. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.