عبد الصمد الديالمي.. الجنسانية المغربية

- الإعلانات -

عبد الصمد الديالمي من السوسيولوجيين المغاربة المنتمين إلى الجيل الثاني. ابتدأ مثل كثير من مجايليه مدرسا للفلسفة بالثانوي ليلتحق بعدها بجامعة ظهر المهراز أستاذا لمادة السوسيولوجيا، ومعها سيدشن مساره العلمي المميز. داخل شعبة السوسيولوجيا بفاس، لم يكون السوسيولوجي مثله أن سكون موضوعا للامبالاة. لقد كان مزعجا لزملائه ولكثير من مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب أنذاك، لاشيء سوى لأن يهضم بسهولة. فالديالميات ظل النعت الذي يصف به أساتذة وطلبة كثر أي اقتراب من أطروحة وأنماط تحليل عبد الصمد الديالمي. اشتغل أكاديميا على موضوعة المرأة والجنس في المغرب، وبلورها في محاضراته مثلما عمقها في إنتاجاته العلمية المتلاحقة (المعرفة والجنس، الجنس والخطاب، بالمغرب، نحو ديمقراطية جنسية إسلامية، السكن والجنس والإسلام، نسائية، أصولية، صوفية، الشباب والسيدا والإسلام، المدينة الإسلامية والأصولية والإرهاب…). لم يكن الديالمي مزعجا للحقل الجامعي فقط، بل ظل ولازال يقلق فقهاء الإسلاميين وحركييهم. دفاعه عن أطروحته العلني والجريء والرصين عرضه لصدامات مع هؤلاء وتهديدات من طرفهم وإقصاءات من طرف القيمين الرسميين على الشأن الديني بالمغرب. 

سيرحل بالسوسيولوجيا الوطنية بعيدا عن إشكالات المؤسسين. وسؤالهم الأساسي حول كيفيات التعامل النقدي مع السوسيولوجيا الكولونيالية وموضوعاتها. مثلما لم تستهوه السوسيولوجيا القروية بمرجعياتها النظرية وطرف الاشتغال الميداني وطرق المرافق لها. بل بعيدا عن ذلك سيفتح بشكل مميز موضوعة الجنس على الحقل الجامعي، على اعتبار أن جدة الأمر كامنة في هاته النقلة. فإنتاج موضوعة الجنس ظل يتم خارج الجامعة وبعيدا عن اهتماماتها. في كتابه « المعرفة والجنس » سيعرض الدكتور الديالمي مرجعياته النظرية وكذا كيفيات تحويلها نحو موضوعه المحلي. سيحضر كارل ماركس وسيغموند فرويد، لكن على الطريقة التي سيركبهما وسيحولهما بها ولهالم رايخ، الطبيب والمحلل النفسي النمساوي. فهذا الأخير كان رفيقا لفرويد وعاملا معه وفي الآن نفسه مناضلا في الحزب الشيوعي. فرويديا وماركسيا سيرحل رايخ على غرار هربرت ماركيوز بالأطروحة الماركسية ومفاهيمها إلى خارج حقلها الأصلي، وما مفهوم الاقتصاد الجنسي الذي بلوره في كتابه المهدى لسيغموند فرويد، « وظيفة الوجد الجنسي »، وكذا تفسيره للعصاب بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية (مشكلات السكن والتبعية الاقتصادية للمرأة إلى الرجل…) وربطه الحرمان الجنسي والفاشية، سوى دليل على ذلك. سيعتبر الديالمي ولهالم رايخ المدخل الحقيقي للسوسيولوجيا الجنسانية. في هذا السياق، سيشغل مفاهيمه حول القمع الجنسي والحرمان الجنسي والديمقراطية الجنسية. 

وسيشكل عبر أطروحته الأساسية والمتمثلة في كون الحرمان الجنسي حينما يتشاكل مع بعض العوامل السوسيواقتصادية كالتهميش والفقر وأوضاع العيش والسكن المزرية فإنه ينتج التسلط الذكوري والعقلية الأصولية والفعل الإرهابي. يقول بهذا الخصوص: « المحرومون من الجنس والمال والجاه والسلطة والثورة والتعليم والشغل وكل ملذات الحياة يشكلون التربة الخصبة لزرع بذور الإرهاب في المجتمع ». 

بفضل أطروحته تلك سيفسر النزوع الأوصولي في المجتمع المغربي وأشكال تغذيته. وأنماط رفضه للحداثة الجنسية ومعارضته للديمقراطية الجنسية. واتباعا لذلك كيفيات انتقال هذا النوع الأصولي إلى مستواه المتشدد والمتطرف والإرهابي، وبنفس الأطروحة سيفسر الدور الذي يلعبه المجال عموما وأنماط السكن خصوصا في تشكيل ملامح الشخصية الأصولية. لا يتردد عبد الصمد الديالمي في إعلان المواقف التي تؤدي لها تحليلاته وكذا فرضيات اشتغاله، فلكي نعالج الأسس السيكوسوسيولوجية العميقة للحرمان الجنسي والتسلط الذكوري والقمع الجنسي والتي تشكل في ظل فضاءات الفقر والتهميش والعوز مرتع استنبات الأصوليات المعتدلة والمتشددة، من المفترض علميا التأسيس العلمي لحقل الجنس كحقل جامع للمرأة والأسرة، وفكريا إشاعة الفكر اللائكي لأن غيابه يؤدي إلى انتشار الإسلاموية والحركات الأصولية والإرهابية، ومجتمعيا ترسيخ الحداثة الجنسية، وقيميا الإقرار بالحق في المساواة الجنسية، ومعرفيا فتح نصوص القداسة على الحق المعرفي قي القراءة والتأويل، وسياسيا ترسيخ الديمقراطية لا بوصفها نظاما سياسيا يصلح فقط لتدبير الشأن العام، بل أيضا بوصفها سلوكا يوميا ونمط عيش في الحياة الحميمية الخاصة. فالديمقراطية في الأسرة، حسب الديالمي، مرآة الديمقراطية السياسية في المجتمع. 

إن الحقل الجنسي يقول عبد الصمد الديالمي، شبه ملعون ومهمش، غير محبذ، لأن الدراسات الجنسية تعري واقعا وتصف السلوكات وتشخص الممارسات والتي تكون من بينها سلوكات وممارسات غير قانونية وشرعية. لذلك فهي تزعج السلطة السياسية. 

مازالت عطاءات السوسيولوجي المغربي عبد الصمد الديالمي قائمة، ومازالت معها أطروحة الحرمان والجوع الجنسيين تفسر النزوعات المتشددة عقلا وفعلا، لكن إطلالة قصيرة على التحليل النفسي تكشف أن الحرمان، والحنسي منه بشكل خاص، ليس مؤداه الوحيد والضروري هو الأصولية وتفجير الذات، بل قد يكون رغم محيط الفقر الذي يحيط به، هو التسامي المبدع وليس الزاهد والصوفي فقط. أي بقدر ما يكون الحرمان الجنسي مؤداه إنتاج الإرهابي، بقدر ما يكون مؤداه إنتاج الأديب والرسام والمسرحي والعالم والتقني الماهر والعاشق الشاعر.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.