صحافة البحث

ذاكرة إعلامية.. الشيخ إمام يتحدث عن الفن المحاصر، سعيد المغربي والمغرب.

- الإعلانات -

   ذاكرة إعلامية هي نافذة سيطل من خلالها قراء موقع “µ” على أعمال صحفية ذات قيمة فكرية، أدبية، فنية و سياسية سبق للصحفي المصطفى روض أن أنجزها و نشرها في مجلتي الحرية و الفكر الديمقراطي الفلسطينيتين و منابر أخرى بالمشرق وصحيفة أنوال بالمغرب. و ستكون البداية مع الحوارات في محور السينما ستتلوه محاور الشعر، المسرح، النقد الأدبي و السياسة و الفكر.

بدعوة من وزارة الثقافة السورية زار الشيخ إمام سوريا لإقامة مهرجانات للأغنية السياسية. و عشية لقائه بالجمهور السوري و الفلسطيني بمدينة دمشق التي أقام بها حفلين غنائيين بقاعة تشرين الرياضية، حاولنا الاتصال بالشيخ إمام، ذاكرة الشعب المصري و صوت “الغلابة”، لنجري معه حوارا حول الأغنية الملتزمة، و استرسلنا في الحديث معه بعد أن طرحنا عليه مجموعة أسئلة أهمها: انطباعات الشيخ إزاء المهرجانات التي شارك فيها و العوامل التي ساعدت على خروجه من مصر و رؤيته للكيفية التي على أساسها يمكن للأغنية الملتزمة أن تفرض نفسها و عن المباشرة و التبسيط في أسلوبه الغنائي و حول إمكانية زيارته للمغرب.. مع كل هذه الأسئلة كان حوارنا مع الشيخ إمام الذي نشرناه بجريدة “أنوال” عام 1986:

  • س: أنا مراسل جريدة “أنوال” المغربية، أريد من خلال هذا اللقاء أن نتعرف على آرائك لما يجب أن تكون عليه في الواقع الأغنية الملتزمة كما تمثله أغنيتك، و في هذا الإطار أود أود أن اطرح عليك مجموعة أسئلة، و حتى نسترسل في ذلك، أبدا بالسؤال التالي: ما هي العوامل التي ساعدت على خروجك من مصر؟ و ما هي انطباعاتك حول المهرجانات الغنائية التي شاركت فيها سواء في بعض البلدان الأوروبية أو العربية؟

كانت هناك محاولات عشر سنوات لإخراجي من مصر

الشيخ إمام: الحقيقة، كانت هناك محاولات منذ عشر سنوات من أجل إخراجي من مصر لألتقي بالشعب العربي في كل مكان و لأستطيع زيارته، و كانت كل المحاولات تبوء بالفشل نظرا لأني كنت من بين الأسماء الممنوعة من مغادرة القطر المصري لخطورتي على الأمن كما يدعون، و ظلت هذه المسألة حتى اغتيل السادات، تم تجددت المحاولة من قبل منظمات كثيرة لحقوق الإنسان و منظمة العفو الدولية..  و كذلك من قبل وزارة الثقافة الفرنسية، و كانت اليد التي تحرك كل هذه المحاولات منذ عشر سنوات، الأخ و الصديق صادق بوزيان، إلى حين تحققت “المعجزة” و خرجنا في اليوم السابع من الشهر الرابع من هذا العام (1986)، و أقمنا بباريس ثلاث حفلات غنائية بمسرح اسمه “ليزامونديل”، ثم حفلتين بمسرح “موتياليتي”. و بعد ذلك، ذهبنا إلى أماكن كثيرة فرنسا بمدن: لييج، ليل، غرونوبل، مارسيليا، تولوز، روان.. و أماكن فرنسية أخرى لا أستطيع تذكرها، تم ذهبنا إلى بروكسيل حيث أقمنا بها حفلات، و وجهت لنا دعوة من الجزائر أقمنا بها حفلتين، و كان هذا قبيل رمضان بخمسة عشر يوما على أمل العودة إليها فيما بعد لإقامة حفلات أخرى طيلة شهر رمضان في بعض المدن الجزائرية، و تجددت، و لله الحمد، الدعوة، و عدت إلى الجزائر حيث أقمت 25 حفلا غنائيا في بعض المدن شرق الجزائر، كذلك، وجهت لي دعوات من هولاندا و سويسرا و أقمت حفلات غنائية في كل منهما، كما وجهت لي دعوة من تونس و شاركت فيها بحوالي تسع حفلات، و جئت إلى لبنان بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني بمناسبة الذكرى الستينية لتأسيسه متضامنة معه كل القوى الوطنية اللبنانية، ثم جئت أخيرا إلى سوريا و أقمت حفلات ببعض المحافظات و غدا سنقيم حفلا بالعصمة دمشق في قاعة تشرين، و بعد ذلك سنتوجه إلى مدينة درعا لنقيم بها حفلات هناك و من ثم سأتوجه إلى باقي رحلاتي.

  • س:  بالنسبة لأغانيك و أغاني بعض التقدميين العرب انتشرت جماهيريا و بالرغم من ذلك تبقى الأغنية السائدة مسيطرة خصوصا تلك التي تتغنى بالحب أو تلك التي تتغنى برموز الأنظمة العربية الرجعية، ما هي في رأيك الطريق الأنجع لجعل الأغنية السياسية الملتزمة سيدة الميدان بتكسير تلك العلاقة فيما بين الجماهير و الأغنية السائدة؟

الشيخ إمام:  الجماهير أصبحت تعي ما يضرها مما ينفعها، دائما، الأخ الكريم يعرف، أن كل ما هو محاصر يكون الإقبال عليه أكثر، فدائما الذهب موضوع لكي لا يرى، و لكن الجماهير تتخطى هذه الصخور التي تقف على أفواه البئر الذي يسقي الناس مهما تألبت كل أجهزة إعلام الأنظمة الرجعية التي لا تتجاوب مع شعوبها.. وجدت أن هذه المدرسة للأغنية الملتزمة، بعد أن كانت من فصل واحد، أصبحت ذات فصول متعددة في كل أرجاء الوطن العربي: أسماء شابة ملتهبة و مؤمنة بقضية شعبنا و وطننا و تنتج الكثير و أنا أقرأ أن كل يوم يمر يحصل فيه تطور للأغنية السياسية، و هي الآن، واقفة بقدم ثابتة على أرض صلبة من محبة الشعب و تأييد الشعب و إيمان الشعب بأن هذا هو السمين، و ما سواه فهو الغث و إن كانت موجودة في أجهزة الإعلام ليل نهار.

كل أسماء الأغنية الملتزمة تعني معنى واحدا

  • س: فيما يتعلق دائما بالأغنية الملتزمة، كثيرة هي المصطلحات التي تعطى لها، بل هي لا تدقق في الأغنية الملتزمة، تارة تسميها بالأغنية التقدمية، هناك من يقول عنها الأغنية الثورية، و هناك من يصطلح عليها بالأغنية الشعبية إلى آخر التسميات، فهل في نظرك هناك تحديد دقيق لتسمية الأغنية الملتزمة؟

الشيخ إمام: كل هذه الأسماء تعني معنى واحدا، و هو أن الأغنية التي تتحدث عن قضية شعب من أحاسيس و آلام و أفراح و أحزان يسمونها تقدمية، سياسية، شعبية، ثورية… كل هذه قنوات تؤخذ من بحر واحد كما أنك تعلم سيادتك أن اللغة العربية ذات ثراء كبير، فالأسماء كلها تؤدي إلى معنى واحد: الالتزام بقضية الشعب.

أحب أن أقول الكلام عاريا دون تنميق

  • س: هناك من النقاد من يتهم أغانيك بالسقوط في المباشرة و التبسيط، ما معنى هذا الكلام في نظرك؟

الشيخ إمام: و هذا هو الذي أوصلها إلى الناس، أنا أرفض أن أؤلف الأغنية في كيس من البلاستيك أو في ورق “سولوفان”، أنا أحب فقط أن أقول الكلام عاريا بدون تنميق و أصف فيه آلام الشعب، و هذا هو الإطار الذي أشتغل فيه.

  • س: ثمة نظرية في مجال الفن تقول إن الفن لكي يكون فنا حقيقيا لا بد أن يكون انعكاسا إبداعيا للواقع و ليس انعكاسا ميكانيكيا أو اشتقاقيا، و من هنا لا يجب اعتماد الأغنية على المباشرة و التبسيط أو على كل ما يحط من قيمتها الفنية، و ضرورة الفن مطروحة بحدة، فما هو رأيك؟

الشيخ إمام:  في الحقيقة لم أستطع أن أفهم المقصود من هذا السؤال، هل الذي رأيته حضرتك و تراه، أليس هناك تجاوب بيني و بين الناس؟

  • س:  أنا لا أشك مطلقا في هذا التجاوب، فأغنية الشيخ إمام انتشرت بشكل كبير في أوساط الجماهير و المثقفين.

الشيخ إمام: ما السر في انتشارها؟

  • س: السر هو مضامينها التقدمية بالطبع!

الشيخ إمام:  لأنها مأخوذة من الناس و هنا الأصل يا سيدي، إنك لا تأخذ شيئا غريبا و تقدمه للناس، يعني لما نأتي بقمح أسترالي و نؤكله للناس من غير القمح العربي، للقمح العربي طعم و للقمح الاسترالي طعم آخر، و دائما الذي منك، هو الأقرب إلى وجدانك من الغير، مع إيماني أن كل أرض يوجد فيها أشخاص نظيفين بلا شك، و لكن أنا لا أعرف قول سوى الكلمة التي أعيشها في شعبي العربي، أولا، في الحارة التي أعيشها، ثانيا، في الشارع الذي أعيش فيه ثالثا، في بلدي و بالتالي في الوطن العربي ككل، لأننا كلنا نعاني مضايقة واحدة من الامبريالية الأميركية و من العنصرية الصهيونية التي تقف حجرة عثرة في تقدم البشرية إلى ما هو صالح.

  • س:  أعتقد أنه خلال زيارتك للخارج التقيت بالمغني السياسي سعيد المغربي؟

الشيخ إمام:   نعم و أحببته كثيرا !

  • س: و سمعت له؟

الشيخ إمام:  نعم!

  • س:  و كيف تقيم تجربته الغنائية؟

الشيخ إمام:  هو شاب مجتهد و دائما سيتطور من داخله باعتماده على نفسه، و طالما هو سائر على الدرب سيتطور لوحده.

  • س:  ألا تعتقد أن أغنية سعيد المغربي تعاني من ضعف في جانبها الفني؟

الشيخ إمام:  الممارسة تنتج القوة!

الأغنية هي سلاح رئيسي في يد الجماهير

  • س: هناك طرح عند بعض المثقفين يقول إنه من الصعب على الأغنية الملتزمة أن تصل إلى أوسع الجماهير باعتبار ان هذه الأخيرة مستسلمة للأغاني العاطفية، و هذا الطرح يرى أن السبب في ذلك مرده الطبيعة الميلودرامية عند الجماهير العربية و بالتالي فأي محاولة مهما كانت جادة ستبوء بالفشل. فهل يصح مثل هذا الكلام؟

الشيخ إمام:  قل للمثقفين أن يرفعوا أيديهم على الناس و يتركوهم، إن الناس هم من يحكم على الخبيث من الطيب، الجماهير لديها شعور بالجميل و غير الجميل، و لم يضر هذه الجماهير سوى المثقفين الجالسين داخل المكاتب يضعون رجلا فوق رجل و لا أحد فيهم يتكلم؛ قل لهم أن يغمضوا أعينهم و يلتزموا السكوت و يتركوا الناس لمن يوعيهم بالأغنية و الكلمة و الرسم.. الناس أصبحت تفهم، كل شيء.

  • س: هل ترى أن الأغنية الملتزمة يمكن لها أن تأخذ دور الحزب السياسي كما يعتقد البعض؟

الشيخ إمام: الأغنية هي سلاح رئيسي في توعية الناس بقضيتهم.. فيها، أيضا، سلاح موجه للجيش الذي يقف أمام عدوه الوحيد و هو أميركا و إسرائيل و أمام كل ما يقف في طريقه، سلاح عظيم لم يحسن استعماله، و هذا السلاح و المستعملون له، و لله الحمد، كثيرون و أقوياء و أصحاب علم و خبرة.

  • س:  في اعتقادي، أن الأغنية الملتزمة  لكي تحقق هدف انتشارها بالشكل المطلوب يجب أن يكون هناك مجال للتنظير، هناك غياب للتنظير و النقد الذي عليه أن يوازي هذه الأغنية. هل لديك نفس الملاحظة؟

الشيخ إمام:  لست قادرا على استيعاب سؤالك!

  • س: سؤالي بالتمام: هو أن الأغنية الملتزمة لكي تحقق هدف انتشارها و تطويرها بالشكل المرغوب فيه لا بد لها من نظريات معينة على مستوى النقد موازية لها حتى يمكن الحفاظ عليها و الدفع بها في اتجاه التطور…؟

الشيخ إمام:  معمول من هذا اللون كثير و إلا لم يكن ما حدث سنوات 1967 و 1973..الخ،  كل هذا كانت فيه الأغنية الملتزمة إحدى دعائم التنظير لتوجيه الناس إلى الطريق الصحيح و إبعادهم عن السفسطة و الإسفاف الذي يدعيه بعض الناس.

الآن مستعد للعمل المسرحي

  • س:  سبق أن قرأنا في صحيفة “الأهالي” المصرية بأن لديكم مشروعا للمسرح الغنائي، أين وصلتم بهذا المشروع؟ و إلى أي حد قد تتمكنون من تحقيقه في المستقبل؟

الشيخ إمام:  و الله نحن عملنا تجربة المسرح بمقر التجمع سنة 1980، و عملنا مسرحية كانت تمثيلية غنائية و هي أول تجربة و كانت موفقة، و أنا الآن مستعد للعمل المسرحي إذا ما قدم لي أي عمل في هذا الإطار.

  • س:  هل تفكر في زيارة المغرب؟

الشيخ إمام:  و هل سيسمح لي الحكم في المغرب بدخوله؟

  • س: إذا وجهت لك القوى التقدمية المغربية الدعوة و ضمنت لك زيارة المغرب؟

الشيخ إمام:   إذا كان للقوى التقدمية هناك ثقل و استطاعت أن تدخلني المغرب كما أدخلتني هيئة نقابات العمال للشغل في تونس بالضغط على الحكومة حيث دخلتها و أقمت بها مهرجانات، فإذا كان لهذه القوى المغربية ذات الثقل، سألبي الدعوة و أدفع ثمن تذاكر الطائرة من جيبي.

 أقول للشعب المغربي لا شك أنك شعب عربي أصيل، فكن واعيا بما يحاك ضدك من مؤامرات و مخططات! وكن متماسكا كل واحد يمسك بيد أخيه، وبتماسكهم و تعاضدهم و تآلفهم سيكسرون الصخرة التي يدعون أنها جامدة، و لكنها هي أوهى من بيت العنكبوت، و أنا معهم و سأظل معهم بروحي ووجداني إلى أن التقي بهم في المستقبل.