في ذكرى رحيل الأديب محمد زفزاف

- الإعلانات -

هنا شارع الأديب محمد زفزاف في الدار البيضاء، أديب رحل في 13 يوليوز 2001 بعد أن أحدث نقلة في السرد المغربي بفضل نظرته وسرده غير التقليدي، الاسم يطابق المسمى، في الشارع خضرة مبهجة على الجانبين، أضواء، فضاء أنيق، ترامواي يجعل التنقل سهلا، وحول خط الترامواي حدائق وكراسي للمتجولين…
كان هذا المشهد الرائع في الكتالوغ المرافق لإنشاء خط الترمواي، كان ذلك على الورق البلاستيكي وعلى اللوحات الإعلانية، نشرت الصور أثناء بناء خط الترامواي وأثارت البهجة، وانتشرت مع دعاية الشركات العقارية لتغري مشتري الشقق بفضاء حداثي لا عشوائي.

مع الزمن اصفرّت الصور الخضراء وصار المشهد على الأرض كما يلي:
شارع عشوائي فيه أعمدة كهربائية مفتوحة من تحت وأسلاكها المكهربة عارية تهدد سلامة الأطفال، غبار خلاطات الإسمنت التي أقيمت وسط حي سكني. شارع تهيمن عليه أرصفة وجدران وبيوت عالية لا واطئة، شارع فيه نساء وليس فيه وردة واحدة، فيه مساكن هي قبر الحياة، فضاء غير عادل، الأقوى فيه يهيمن على الأضعف، فوق العمارات في طور البناء رافعات كأفاعي كبيرة تطل على البحر، ترفع الإسمنت والحجارة إلى السقف. لا حديقة ولا بيضة ديك تكون استثناء، والسائد هو عمارات تتزايد مثل بيض الدجاج الأبيض … بين عمارات ملوك العقار الشجرة مهانة لا مقدسة، لا مكان للجن، هناك مكان للصوص الذين يأتون من حي خلفي ثقيل بسكانه، بالمقارنة بين مركز المدينة وحواشيها فالحواشي أكثر ثقلا، ومحاولة العيش فيها أصعب.

كان هذا وصفا للشارع انطلاقا من عناوين مؤلفات زفزاف وهي:
حوار في ليل متأخر، المرأة والوردة، أرصفة وجدران، بيوت واطئة، قبور في الماء، الأقوى، الأفعى والبحر،الشجرة المقدسة، غجر في الغابة، بيضة الديك، محاولة عيش، ملك الجن، ملاك أبيض، الثعلب الذي يظهر ويختفي العربة، الحي الخلفي… عناوين تعبر عن واقعية مفرطة: لقمة ومحاولة عيش بين الأفواه الواسعة. هذه نصوص سردية تجري في شاطئ وفي مدينة لا في قبيلة أو صحراء. في رواية “محاولة عيش” رصد تفاصيل الميناء التجاري بواقعية مفرطة، حميد بائع جرائد قررت أمه أنه صار رجلا فزوجته، لكن حميد صدم ليلة زفافه لأنه لم يصادف البكارة الموعودة لكي يسدد عليها.

تقص لا عصفا ذهنيا

يتشكل هذا النص عبر مراقبة وتقصي ميداني وليس عبر عصف ذهني. هذا تفكير في المدينة انطلاقا من شارع. عند التحديق في المكان من موقعين يتضح المشهد تماما:
ـ من مقعد في مقهى يظهر غيار وأزبال وضجيج، حول المقاهي يتلاقى دخان السجائر مع تراب الأرصفة الإسفلتية المغبرة بفعل اشغال الحفر والبناء الذي يظهر ولا يختفي. شاحنات عملاقة تحمل الآجر الأحمر، لا صوت يعلو على صوت خلاطات الإسمنت. تحتل الدار البيضاء المرتبة 115 بين أفضل مدن العالم في رفاهية العيش حسب”إيكونوميست إنتليجينس”. يتردد في المقهى صوت سعد المجرد يغني “كازابلانكا”، أغنية عن المدينة لكن لا تظهر المدينة القرعاء في الفيديو كليب، يظهر بحر وتظهر جدران عمرها ألف عام.

ـ من فوق عمارة يظهر البحر ومعمل خلط اسمنت وحجر، بجانب محطة الترمواي ارض خلاء قيل أنها ستكون ملعب كرة قدم صارت مزبلة ومرتعا للغنم والقبر والبشر لإراحة الغريزة. أرض خلاء اندلع فيها حريق فغطاها السواد وبقيت الحشائش الخضراء التي صمدت للنار كهياكل عظمية تخفي مخاطر للعابرين.

هذا بالنسبة لطبيعة المكان، أما بالنسبة للبشر فهذا شارع غير آمن في النهار وليس فقط في الليل المتأخر، نادرا ما يظهر شرطي في الشارع، بخلاف شوارع وسط المدينة حيث السياح الأجانب، الشرطي هو الثعلب الذي يظهر أحيانا ويختفي غالبا في الشارع الذي يمتد ست كلمترات وتحيط به أحياء مكتظة. هنا يظهر أن ساكنة المغرب تتأنث وتتمدن، تتأنث عدديا وتتمدن لأن السكان يهربون من العمل الفلاحي المنهك، مهاجرون جدد يشبهون الغجر يمارسون مهنا موسمية. بائعو خضر وفواكه وملابس داخلية وقديمة وهواتف مستعملة… تجار موسميون يرحلون مع سلعهم وينشرونها حيثما شاءوا، يصعب تنبيههم فهم متوترون لا يشعرون بالأمان وبالانتماء للمدينة التي تغريهم وتخيفهم. الهواية المغربية الأولى هي احتلال الملك العمومي، كل دكاني يضع أمامه طاولة يعرض عليها سلعه، ومن فرط كثرة الطاولات ضاق شارع عرضه ثلاثين مترا. هنا يمكن شراء ثمرة بطيخ أحمر تزن أكثر من سبعة كيلوغرامات بأقل من دولار واحد. بفضل هذا الرواج تستقطب منطقة الدار البيضاء هجرة كثيفة، غالبا ما تحسن وضع المهاجرين إليها. لكن شاعرا مغربيا يزعم أن “الدار البيضاء مدينة تأكل أبناءها”. بسبب ذلك التحسن هناك من يطالب بأن يكون دخول المدينة بالفيزا، لكن هذه المطالب الساخرة في ظاهرها والمبطنة بالعنصرية لا تجد صدى.

الفن المعاصر هو علم الاجتماع

يزيد سكان كازابلانكا عن خمسة ملايين نسمة وهي تمنح القادمين إليها وصفة مجربة يسهل التدليل عليها، وصفة مفادها أنه يمكنهم أن ينجحوا في الحياة ويصيروا أثرياء دون تعليم، دون كتب، تكفي الحيلة والجهل ليس عارا.

يقع الشارع في حي سيدي مومن الذي خرج منه إرهابيو 16-05- 2003، ورغم الانفجار العمراني في المدينة لم يُبذل جهد ثقافي لتقديم بديل لشبيبة المنطقة، لا مكتبة لا خزانة ثقافية في الشارع الأديب الذي يضم مئات المقاهي. يقضي فيها آلاف الرجال وقتهم في التخشع أمام هواتفهم الغبية رغم ضعف صبيب الانترنيت، ولا يخصص أولئك الرجال وقتا كافيا لأطفالهم.

تظهر علامات الجهل على بعض لافتات المحلات التي تسمي نفسها “محمد الزفزاف”، واضح أن واضعيها يعرفون الاسم بالسماع فقط، لذلك يستلهمون كلمة “الزفزوفي” أي برد قارص باللغة الأمازيغية. ومن الكلمة جاء الفعل العامي: زفّ عليه أي قضى عليه. ويمكن لهذا المدخل المعجمي للمكان أن يضيء أمورا كثيرة.
شارع زفزاف نسخة مصغرة للمدينة العملاقة، وهو مكان ملائم لمراقبة الحياة والكتابة عنها وهذا فن بحد ذاته، وقد ذكرت الباحثة نتالي إلينك تلميذة بيير بورديو أن “الفن المعاصر هو علم الاجتماع”. لذلك يتشكل هذا النص بمراقبة الشارع وليس بمراقبة نصوص زفزاف. حاليا تهجم الأكباش على الفضاء، الأسعار مرتفعة، صحيح أن الكبش ليس فريضة، لكن لحم العيد بالنسبة للمغربي أهم من الفريضة، هذا في الواقع لا في النص.

هذا شارع زفزاف الذي سكن الدار البيضاء طويلا، جاء إليها في بداية سبعينات القرن الماضي. نادرا ما يعيش المثقف المغربي طويلا بالخارج، إنه متجذر في تربته. كان زفزاف لا يخرج من بيته لكي لا يمارس نميمة المثقفين، كان يربي السلاحف ويكره تربية القردة، كتب نصوصا حكمها سياق عالمي فيها نفس كافكاوي ووجودي لكن زفزاف صب مضامينه في شكل روائي يخصه، كتب عن المدينة والحشيش وعبثية الحياة، كتب بواقعية دون التزام يساري ضيق.

زفزاف مبدع لم يبتلعه التيار القومي اليساري، وقد همش في وطنه حتى أن جل كتبه طبعت خارج المغرب خلال الربع الأخير من القرن العشرين، حينها كان المجد للكتاب المتحزبين الذين هيمنوا على المشهد الأدبي المغربي بوجوههم لا بنصوصهم، ومن ينظر إليهم الآن يشفق عليهم وقد ظهر عقمهم وسطحيتهم. كانوا ينشرون في صحف أحزابهم محتوى مدعوما، حين انكمش الدعم تبدد المحتوى.

عقيمة هي النصوص التي تولد من النصوص

ماذا قدم زفزاف لجيله على مستوى النظرة للعالم؟
لقد عمل زفزاف على التاسيس للرواية المغربية انطلاقا من المشهد المغربي، كسر النظرة النمطية الجاهزة الراضية الخانقة التي مجدها الأدب التقليدي، قام بتبييء (من البيئة) الرؤية السردية وكان الجنس حاضرا في نصوصه كما هو حاضر في بيئته.

لم يكن زفزاف كاتبا شبحا بالنسبة لبيئته، لم يكتب عن بُعد بواسطة التذكر والعصف الذهني، إنه منغرس في بيئته مطابق لذاته بشكل رهيب. و النص الحقيقي هو الذي يولد من التجربة التي عمقتها القراءة.
خرج نص زفزاف من جوف الفنان، نص متولد عن تفاعل حي مع العالم، بل مع قطعة صغيرة منه هي المدينة الحية، نص هو صوت فريد وعميق وابن تجربة. النصوص التي تتولد عن نصوص أخرى تكون باهتة دلاليا. نص سطحي مجرد صدى لنصوص سابقة.

زفزاف ثمرة نهضة ثقافية شاملة

عرفت سبعينات القرن الماضي جهودا كبيرة لمغربة الثقافة السائدة أي تقليص التأثيرات الشرقية والغربية بهدف الوصول لإبداع متولد من تربة محلية وغير مستعار…وظهر ذلك في الموسيقى مع مجموعة “ناس الغيوان” التي رسخها أحمد المعنوني في فيلمه “الحال” 1981 وفي المسرح مع مسرحيات الطيب الصديقي واحتفالية عبد الكريم برشيد، في النقد الأدبي مع نصوص محمد برادة وعبد الفتاح كيليطو بعيدا عن نهج طه حسين ومحمد مندور.. وفي الشعر ظهر أحمد المجاطي ومحمد بنيس… نصا وتنظيرا.

في الأغنية العصرية من يسمع أحمد البيضاوي (1918-1989) مرفوقا بتخت موسيقي شرقي يغني:
قل لمن صد وخانا
ورمى عنه هوانا
ومضى عنا وولى
وغدا يبغي سوانا
يجده نسخة إيقاعية من محمد عبد الوهاب وهو يغني:
جفنه علم الغزل ومن العلم ما قتل
فحرقنا نفوسنا في جحيم من القبل
يا حبيبي أكلما ضمّنا للهوى مكان
أشعلوا النار حولنا فغدونا لها دخان
سيقول المستمع المصري “هذه بضاعتنا ردت إلينا”. لكن من يسمع عبد الوهاب الدكالي يغني:
أنا ما إلا بشر
عندي قلب ونظر
وأنت كلك خطر
يعرف أنها بضاعة مغربية. وقد غنتها صباح وعلي الحجار.

المقارنة

من يطالع نصوص زفزاف لن يشتُم النّساخ قائلا “بضاعتنا ردت إلينا”، بخلاف من يقرأ الروائي عبد الكريم غلاب. زفزاف كاتب روائي حداثي مقارنة بسابقيه ومعاصريه زفزاف أعمق وأشمل حتى من محمد شكري الذي اشتهر بسيرة جنسية فضائحية هي “الخبز الحافي”.

بنظرة مقارِنة على تاريخ الأدب لمعرفة موقع زفزاف في التطور الذي حصل في النصف الثاني من القرن العشرين، كان غلاب (1919-2017) يبدو كمن يصب محتوى نضالي نقابي متفائل
في شكل ليس له بينما كان زفزاف (1945-2001) يصب محتوى في شكل يخصه حتى أن الشكل والمحتوى لا ينفصلان.

أين يتجاوز زفزاف الروائيين الذين عاصرهم؟

من يقرأ روايات محمد زفزاف من النقاد المشارقة لن يتذكر ما قيل عن كتاب “العقد الفريد” لابن عبد ربه، فقد اشتهر كتاب العقد في المغرب والأندلس وسمع به أدباء الشرق فطلبوه، فلما اطلعوا عليه صدموا لأنهم وجدوا فيه روايات الأصمعي وابن المقفع والبرامكة وأبي نواس فقالوا:
“هذه بضاعتنا ردت إلينا”.
من يقرا غلاب من المشارقة سيتذكر بضاعتنا.

ما مصدر الفرق؟

أخرج زفزاف نصوصه من دمه بينما اخرج غلاب نصوصه من نصوص أخرى. غلاب نسخة من روائيين مستنسخين، يستخدم شكل مشرقي مستعار. اعترافا بهذه الأصالة الإبداعية لزفزاف أطلقت باسمه جائزة للرواية العربية وقد حصل عليها أحمد المديني في دورة 2018.

بفضل الإبداعية والكتابة الروائية الحديثة تسهل قراءة زفزاف اليوم بفضل لغتها الحديثة الموجزة، بينما رواية “المعلم علي” تصعب قراءتها الآن، شاخت بجملها الطويلة ووصفها الرتيب. بينما المرأة والوردة ومحاولة عيش يمكن قراءتها لأنه لكاتب ظهر في المشهد المغربي لكي لا يختفي. لذلك يستحق شارعه لمسة ثقافية ومؤسسات تحل محل العشوائية والعمارات المتجهمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.