المقرر الخاص بحرية التعبير: الجائحة كشفت عن أوبئة استهداف الصحافة وحجب المعلومات والتضليل

- الإعلانات -

خصص المقرر الخاص المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير، ديفيد كاي، تقريره الخاص بالدورة. 44 من مجلس حقوق الإنسان التي امتدت من 15 يونيو 2020 إلى 3 يوليوز 2020 حول الأمراض الجائحة وحرية التعبير، ويعرب المقرر الخاص في التقرير عن الجزع من أن بعض الجهود المبذولة لمكافحة جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19) قد لا تستوفي معايير الشرعية والضرورة والتناسب. ويسلط المقرر الخاص الضوء على خمسة مجالات مثيرة للقلق، ويُبين أن الحصول على المعلومات ووسائط الإعلام المستقلة وغيرها من حقوق حرية التعبير أمور بالغة الأهمية لمواجهة تحديات الجائحة.

وأوضج كاي في تقريره أن كثيراً ما توحي الصور المرسومة في المخيال الشعبي عن الجوائح أو غيرها من الأوبئة بأن الحلول حلول طبية وعلمية بحتة. ومع ذلك، وحتى قبل ظهور كوفيد-19 بكثير، أبرزت منظمة الصحة العالمية أهمية المعلومات والحكامة المسؤولة في التصدي للأمراض الجائحة. وأشارت إلى أن إدارة أي مرض عالمي ينبغي ألا تقتصر على التنسيق بين جهات التدخل، وتحديد خصائص المرض، وطبيعة التدخلات الصحية المحددة. بل إن إدارة الأوبئة تتطلب أيضاً “التواصل بشأن المخاطر”، أي وضع استراتيجية إعلامية تتضمن “تواصلاً في الاتجاهين يكون حركياً ومواكباً لتطور الوباء”. وحددت منظمة الصحة العالمية ثلاثة عناصر للتواصل السليم بشأن المخاطر: (أ) نشر السلطات المعلومات “عن طبيعة التهديد والتدابير الوقائية التي يمكن أن يتخذها الناس”؛ (ب) فهم المخاوف والشواغل العامة والفردية حتى يتسنى للسلطات تكييف التواصل بما يناسب؛ (ج) إدارة موضوع الشائعات، بما يشمل “الاستماع إلى هذه المعلومات المضللة وتصحيح نماذج منها بطرق مناسبة ودون تأخير ». 

ورصد المقرر المعني بتعزيز وحماية الحق في حرية الرأي والتعبير خمسة تحديات أثناء الجائحة: 

الحصول على المعلومات

ويوضح ديفيد كاي أن « اللجنة المعنية بحقوق الإنسان ذكرت أن المادة 19 من العهد تتضمن الحق في الحصول على المعلومات التي بحوزة السلطات العامة. وتتضمن هذه المعلومات السجلات التي تحتفظ بها الهيئة العامة بصرف النظر عن الشكل الذي تحفظ فيه ومصدرها وتاريخ إعدادها( ). وكما لاحظت ذلك اللجنة واستشهد به وأقرّه المكلف السابق بالولاية، ينبغي للدول الأطراف أن تتيح للعموم بصورة استباقية المعلومات الحكومية التي تهم الجمهور( ). والموقف الأصلي اللازم هو أن تبادر السلطات العمومية إلى ذلك ولا تنتظر تلقي طلبات المعلومات. ويجب أن تكون لدى تلك السلطات سياسة إيجابية لنشر جميع المعلومات ذات الصلة بالموضوع بطرق يفهمها الجمهور غير المتخصص، وتساعد على النهوض بأولويات الصحة العامة. وكما ذكر خبراء الأمم المتحدة والخبراء الإقليميون في عام 2004 في إعلان مشترك بشأن حرية التعبير، “ينبغي إلزام السلطات العامة بأن تنشر بصورة استباقية، حتى في حالة عدم وجود طلب، طائفة من المعلومات التي تهم الجمهور”( ). وفي سياق الصحة العامة، يجسد توصيف منظمة الصحة العالمية لنواتج محددة يعززها التواصل، الأغراضَ الأساسية التي تنشدها معايير حقوق الإنسان المتعلقة بالنشر الاستباقي للمعلومات. وتذكر منظمة الصحة العالمية ما يلي:

أولاً، التواصل المبكر والشفاف والمفهوم بشأن الحدث يقيم قنوات حوار مع السكان المتضررين وأصحاب المصلحة، ويبني الثقة في الاستجابة … 

وثانياً، سيساعد التواصل المتجدد والمواكب للحدث على خلق علاقة ثقة دينامية يمكن في ظلها تقديم المشورة بشأن أنواع السلوك التي توفر الحماية والتي بوسع السكان والأفراد اعتمادها. 

وثالثاً، يجب أن ينصبّ التواصلُ على تحديد نطاق الخطر بلغة يفهمها العامة، وأيضاً على اقتراح الإجراءات العملية التي يمكن للناس اتخاذها …

ورابعاً، يجب أن يتحلى التواصل بروح المسؤولية عن طريق إمداد الناس بمعلومات محدّثة عن الحالة، وعمّا يجري القيام به، وعن أثر تلك الإجراءات في السيطرة على الوباء( ). 

وعندما يسعى الفرد إلى الحصول على معلومات ليست متاحة بعدُ للعموم، يجب أن يكون الرد التلقائي للحكومة هو نشر تلك المعلومات، ما لم تستطع إثبات وجود قيود مشروعة تمنع ذلك في ضوء مبدأي الشرعية والضرورة ». 

كما أن الحق في الحصول على المعلومات، يوضح المقرر المعني بحرية التعبير، ليس حقاً متخصصاً لا يوجد إلا في المادة 19. فالصكوك الإقليمية تضمن أيضاً هذا الحق( ). وهكذا، تضمنه اتفاقية حقوق الطفل (المادة 17) واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (المادة 9)، وتعيد التأكيد عليه الصكوك المتعلقة بالبيئة والفساد والتنمية( ). ويتمثل أحد المؤشرات المتعلقة بالهدف 16-10 من أهداف التنمية المستدامة في عدد البلدان التي تعتمد وتنفذ ضمانات دستورية و/أو قانونية و/أو سياساتية لحصول الجمهور على المعلومات.

الوصول إلى الأنترنت

وفي ظل جائحة عالمية، يوضح كاي في ذات التقرير، ينبغي إعادة تأكيد الحق في الوصول إلى الإنترنت وتقديره حق قدره باعتباره: ركناً أساسياً في سياسات وممارسات الرعاية الصحية، والإعلام، بل والحق في الحياة. والواقع أنه ينبغي اعتبار الإنترنت المفتوح والآمن من بين الشروط الأساسية الرئيسية للتمتع بحرية التعبير اليوم (A/HRC/29/32، الفقرة 11؛ وانظر أيضاً A/HRC/17/27). ومع ذلك، لجأت الحكومات بصورة متزايدة إلى أشد أشكال الحرمان من الحصول على المعلومات عن طريق الإنترنت، مع العلم بأن الأدوات الرقمية أصبحت أداة أساسية – إن لم تكن الأداة الأساسية، بالنسبة للكثيرين – للتمتع بالحق في التماس المعلومات وتلقيها ونقلها. وقد كرر مجلس حقوق الإنسان نفسه التأكيد على أهمية الوصول إلى الإنترنت. فدان المجلس في قراره 39/6 إدانة قاطعة التدابير التي تستهدف أو تتعمد، في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان، منع أو تعطيل سبل الوصول إلى المعلومات أو نشرها على الإنترنت أو خارجها، والتي تهدف إلى تقويض عمل الصحفيين في إبلاغ الجمهور، بما فيها التدابير التي تستهدف بشكل غير قانوني أو تعسفي منع الوصول إلى المواقع الشبكية أو إغلاقها، مثل الهجمات التي تستهدف هذه المواقع لقطع الخدمة عنها، وأهاب بجميع الدول أن تتوقف وتمتنع عن اتخاذ هذه التدابير التي تتسبب في إلحاق ضرر يتعذر جبره بالجهود الرامية إلى بناء مجتمعات وديمقراطيات معرفة سلمية وشاملة للجميع.

ويضيف ذات النقرير أنه في « إعلان مشترك بشأن حرية التعبير وحالات النزاع، أعلن، بالمثل، مراقبون عن الأمم المتحدة ومراقبون إقليميون لحرية التعبير ووسائط الإعلام في عام 2015 أن “تصفية المحتوى على شبكة الإنترنت، واستخدام “مفاتيح تعطيل” الاتصالات (أي إغلاق أجزاء كاملة من نظم الاتصالات) والاستيلاء المادي على محطات البث هي تدابير لا يمكن تبريرها أبداً بموجب قانون حقوق الإنسان”(). وباتت الحكومات تلجأ بصورة مطردة إلى إغلاق شبكة الإنترنت، لأغراض غير مشروعة في كثير من الأحيان، على أن ذلك يترتب عليه في جميع الحالات أثر غير متناسب في السكان. وفي كل الأحوال، لا تستوفي عمليات إغلاق الشبكة معيار الضرورة (A/HRC/35/22، الفقرة 14) ».

حماية وسائط الإعلام المستقلة 

كشفت هذه الجائحة بالفعل عن العديد من حلات تهديد الصحافة، يوضح تقرير كاي، حيث أشار عدد متزايد من التقارير إلى أن الحكومات، بدلاً من التجاوب مع المعلومات المبلغ عنها، تهاجم الرسول الذي ما عليه إلا البلاغ وتقيد إمكانية الإبلاغ. وترد أدناه بعض فئات الاعتداءات على الصحافة الأكثر إثارة للقلق. مضيفا أن تقارير عديدة من جميع أنحاء العالم إلى تزايد تخويف الصحفيين الذين يعدون التقارير عن الجائحة، واحتجاز الصحفيين واستجوابهم، وغير ذلك من أشكال القمع التي يتعرض لها العاملون في وسائط الإعلام والمدافعون عن حقوق الإنسان الذين يجرون تحقيقات لتقصي الحقائق بشأن كوفيد-19. 

كما  يمكن تحقيق الحماية الكاملة للصحفيين بشكل صحيح في ظل ثقافة تقلل من قيمة حرية التعبير وتنكر احترام الأشخاص الذين يسعون إلى ممارسة حرية التعبير، يوضح كاي وقد وقعت هجمات مستمرة على الصحفيين وشخصيات المجتمع المدني في السنوات القليلة الماضية، مثل الهجمات التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكيةوهنغاريا  وتايلندوالفلبين. وخلال هذه الجائحة، من الضروري أن يتجنب المسؤولون الحكوميون تشويه سمعة أولئك الذين ينقلون معلومات تتعلق بالخطوات التي ينبغي أن يتخذها الأفراد في مجال الصحة العامة.

نظراً إلى الدور الأساسي للعاملين في وسائط الإعلام، يشدد التقرير، ينبغي للحكومات أن تمكنهم من مواصلة عملهم، بما في ذلك، عند الاقتضاء، تصنيف عملهم على أنه أساسي. وينبغي توفير الحماية التي تعتبر ضرورية لهم في ظل هذه الجائحة، مثل الأقنعة الواقية وغيرها من المعدات ذات الصلة، عند القيام بعملهم. وتقتضي البيئة التمكينية أيضاً عقد مؤتمرات صحفية مفتوحة تشمل وسائط إعلام مستقلة وضمان وصول جميع وسائط الإعلام، وليس فقط وسائط الإعلام المملوكة للدولة، إلى الموظفين العموميين ومصادر المعلومات الأخرى ».

« الوباء » الإعلامي

أشار المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في كلمة ألقاها في مؤتمر ميونيخ للأمن في 15  فبراير 2020، إلى أن “الأخبار المزيفة تنتشر بسرعة أكبر وبسهولة أكبر من هذا الفيروس، وهي بنفس القدر من الخطورة”. ولاحظت منظمة الصحة العالمية ظهور ما تسميه “الوباء الإعلامي” الذي ينطوي على “الانتشار السريع للمعلومات بجميع أنواعها، بما في ذلك الشائعات والقيل والقال والمعلومات غير الموثوق بها”( ). وأعربت سلطات الصحة العامة في جميع أنحاء العالم عن قلقها المشروع إزاء المعلومات المضللة في زمن جائحة كوفيد-19. ذلك أن المعلومات غير الموثوق بها يمكن أن تسبب، ولا سيما عندما ينشرها أفراد بحوزتهم منصات هامة، ضرراً جسيماً، سواء كان القصد خبيثاً أم لا. وذكرت منظمة الصحة العالمية أن “الإدارة الناجحة للأوبئة الإعلامية سوف تستند إلى رصد المعلومات وتحديدها، وتحليلها،  واتخاذ تدابير لمكافحتها والتخفيف من ضررها”. 

وأوضح المقرر المعني بحرية التعبير في هذا الباب « مع أن الكثير من المناقشات العامة بشأن المعلومات الكاذبة المتعلقة بالجائحة تتعلق بالخطوات التي ينبغي أن تتخذها الحكومة والشركات الخاصة لإزالة هذه المعلومات أو معاقبة من ينشرونها، فمن المهم أن نبدأ بالحكومة نفسها. وفي الإعلان المشترك لعام 2017 بشأن حرية التعبير و”الأخبار المزيفة” والتضليل الإعلامي والدعاية، تم تحديد مجموعة من النقاط البسيطة والبديهية على ما يبدو. ومنها ما يلي: 

« ينبغي ألا تدلي الجهات الفاعلة الحكومية ببيانات تعلم أو ينبغي لها عقلاً أن تعلم أنها كاذبة (تضليل) أو بيانات تنم عن استخفاف طائش بالمعلومات التي يمكن التحقق منها (الدعاية)، أو أن ترعى هذه البيانات أو تشجع عليها أو تواصل نشرها. 

وينبغي للجهات الفاعلة الحكومية، وفقاً لالتزاماتها القانونية الداخلية والدولية وواجباتها العامة، أن تحرص على ضمان نشر المعلومات الموثوقة ذات المصداقية، بما في ذلك تلك المتعلقة بالمسائل التي تثير الاهتمام العام، مثل الاقتصاد والصحة العامة والأمن والبيئة ». 

مراقبة الصحة العامة

سيؤدي ظهور فيروس كوفيد-19، يؤكد تقرير كاي، إلى زيادة الطلب على استخدام أدوات المراقبة لتعقب الفحوص الإيجابية للفيروس وتتبع انتشار المرض. وهذه الرغبة مفهومة تماماً باعتبارها مسألة تتعلق بالصحة العامة. فمسؤولو الصحة العامة يرون أن مراقبة الأمراض ضرورية “لإظهار … نطاق تغطية التدخلات المنفذة ومدى تأثيرها”( ). وقد اضطلعت بعض الدول بمراقبة صحية قوية، حتى وإن كان من السابق لأوانه (وقت كتابة هذا التقرير) تقييم الآثار المترتبة على ذلك في حقوق الإنسان أو الصحة العامة. ففي جمهورية كوريا، على سبيل المثال، تتمتع سلطات الصحة العامة، بموجب قانون مكافحة الأمراض المعدية والوقاية منها، بسلطة واسعة لجمع البيانات الصحية الشخصية في كافة أنحاء البلد أثناء تفشي الوباء. ومع ذلك، فبينما يسمح القانون بمراقبة واسعة للأمراض مشفوعة بضمانات تتعلق بالخصوصية، فإنه يفرض أيضاً على المسؤولين الحكوميين إطلاع الجمهور على المعلومات الأساسية المتعلقة بجهود الحكومة في مجال تعقب المخالطين. وعلى هذا النحو، يبدو أن القانون يفي بمتطلبات السياسة الصحية للحكومة ويصون حق الجمهور في الحصول على المعلومات. ومن الضروري، حتى في الحالات التي تسمح فيها الحكومات بجمع البيانات، أن يكون هذا التجميع مقروناً بضمانات صارمة بحماية البيانات الشخصية وأن يكون لمدة زمنية محدودة، وأن يصاحبه تعزيز لحق الجمهور في معرفة نتائج التجميع، وهو ما يبدو أن جمهورية كوريا تقوم به.

وفي هذا السياق يوضح تقرير كاي أن « هناك عدة عناصر أساسية لضمان إجراء المراقبة على نحو متسق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان. والمبادئ التي ينبغي أن تحكم المراقبة أثناء الجائحة هي كما يلي: 

(أ) ينبغي أن يكون أي إذن بالمراقبة متضمناً في قوانين محددة ومتاحة للجمهور وألا يُطبَّق إلى عند الضرورة وبما يتناسب مع تحقيق هدف مشروع (مثل حماية الصحة العامة)؛

(ب) ينبغي أن يستند الإذن بمراقبة أفراد محددين إلى تقييم مستقل، يُفضّل أن يكون من جانب سلطة قضائية، مع فرض قيود مناسبة على الوقت والمكان والطريقة والنطاق؛

(ج) ينبغي اشتراط مسك سجلات صارمة حتى يكون بوسع الأفراد وهيئات الرقابة التحقق من أن المراقبة قد نفذت لخدمة أغراض مشروعة في مجال الصحة العامة؛ 

(د) ينبغي أن تخضع أي بيانات شخصية تُجمع لحماية صارمة من حيث الخصوصية من أجل ضمان عدم الكشف عن المعلومات الشخصية لأي شخص غير مأذون له لأغراض الصحة العامة؛ 

(هـ) ينبغي أن يُستبعد بصريح العبارة جمع بعض البيانات الشخصية مثل محتوى مراسلات الشخص، ويجب وضع ضمانات قوية تكفل عدم إساءة استخدام الحكومة أو أي طرف ثالث لهذه البيانات، بما في ذلك استخدامها لأغراض لا صلة لها بحالة الطوارئ الصحية العامة؛

(و) حيثما تكون البيانات الشخصية محجوبة الهوية، يجب أن تكون الدولة وأية جهة فاعلة غيرها مشاركة في جمع المعلومات قادرة على إثبات حجب الهوية ».

وختم ديفيد كاي تقريره بالرجوع إلى حنا أرندت حيث أوضح في ملاحظاته الختامية « “كيف يكون لك رأي إذا لم تكن على علم؟”( ) في 11 كلمة إنكليزية، لخصت الفيلسوفة السياسية حنا أرندت النظرية التي تربط بين المادة 19(1) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تحمي حق كل فرد في اعتناق آراء دون مضايقة، مع ضمان حق كل شخص، في المادة 19، في التماس ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها، دونما اعتبار للحدود عن الحدود وبأية وسيلة يختارها( ). وقالت أيضاً “إذا كان الجميع يكذبون دائماً … فلن يصدق أحد أي شيء أبداً ….. والشعب الذي لم يعد قادراً على تصديق أي شيء لا يمكنه أن يتخذ قراره. فهو ليس محروماً من قدرته على التصرف، بل أيضاً من قدرته على التفكير والحكم على الأشياء. وبعدها يمكنك أن تفعل ما يحلو لك بشعب مثل هذا الشعب ». 

وأوضح المقرر المعني بحرية التعبير « لقد كانت هانا أرندت تعي ما تقول. وهي عالمة مختصة في شؤون الأنظمة الشمولية أُجبرت على الفرار من ألمانيا النازية، وعرّفت بالمبادئ المتقاطعة والأساسية لقانون حقوق الإنسان – الحق في الرأي والتعبير والحصول على المعلومات، والاستقلال الذاتي، والحكم الذاتي – بما يشبه إلى حد كبير الطريقة التي يعزز بها العهد والإعلان العالمي لحقوق الإنسان القيم الديمقراطية ويحميان حياة الإنسان »، موضحا « ومع أن ما شغل بالها هو أنواع الدعاية التي تيسّر الاستبداد، فإن تفكيرها يمتد إلى جميع أشكال الممارسات الحكومية التي تتعارض مع قدرة الفرد على تكوين آراء مستنيرة والتصرف طبقاً لتلك الآراء. وفي هذه اللحظة بالذات من التاريخ، يمكننا جميعاً أن نرى بالضبط ما كان يدور في ذهنها، وندرك السبب الذي جعل محرري العهد، والإعلان العالمي 20 سنة قبله، يعتقدون بضرورة ضمان حرية التعبير. وقد كررت محكمة البلدان الأمريكية لحقوق الإنسان هذا المبدأ الأساسي الذي يربط التعبير بالرأي: حرية التعبير هي حجر الزاوية الذي يقوم عليه وجود مجتمع ديمقراطي في حد ذاته. وهو أمر لا غنى عنه لتكوين الرأي العام. … وهو يمثل، باختصار، الوسائل التي تمكّن المجتمع المحلي، عند ممارسة خياراته، من أن يكون مطلعاً بما في الكفاية. وبالتالي، يمكن القول إن المجتمع الذي لا يكون جيد الاطلاع ليس مجتمعاً حراً حقاً ». 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.