“جريمة هنري” في مراكش لم يقع في الحب مبكرا

- الإعلانات -

على إيقاع موسيقى كلاسيكية مؤثرة، افتتحت الدورة العاشرة من المهرجان الدولي للفيلم بمراكش دجنبر 2010، وكما كان مقررا جرى عرض فيلم “جريمة هنري”، من بطولة كينو ريفيس وجيمس كين وإخراج مالكوم فينفيل. فيلم قوي، فقط ما أزعجني هو أن عشرات ممن حضروا الافتتاح غادروا القاعة فور إطفاء الأنوار ليبدأ الفيلم.

لماذا؟
لا يميزون بين السينما وحفلات الزفاف، لذا فقد جاؤوا حبا في الاستعراض لا حبا في السينما. لا يهم، لنر الأهم: الفيلم.

يعمل هنري محصلا في محطة أداء الطريق السيار. رجل صالح، ينهي عمله ويسرع إلى بيته، خاتم الزواج واضح في يده، يصل فيجد الأكل جاهزا، فزوجته مثالية، إلا أنها تريد أن تنجب، وهنري لا يقوم بواجبه على هذا المستوى… تتهمه زوجته انه لا يحب الأطفال. يؤكد العكس لكنه لا يقدم الدليل العملي… يتابع برنامجا إذاعيا ينصحه ألا يكون مخنثا… يأتي زملاء الدراسة ويقترحون على هنري أن يرافقهم للمشاركة في مقابلة… يترك زوجته ويذهب وقد ارتدى الجميع قمصانا بنفس اللون… هنري يقود ولكن زميله يقرر الاتجاه… يطلب منه زميله التوقف أمام بنك، يسرق الزميل البنك ويهرب… تجد الشرطة الفتى هنري واقفا بسيارته وهو يلبس نفس ملابس اللصوص فيجد نفسه محكوما بثلاث سنوات حبسا… لم يش بزملائه، لم تكن لديه الطاقة ليناضل لإنقاذ نفسه… إنه ضعيف الشخصية، يمكن التأثير عليه بسهولة، لذا يتبع التيار… لا يعرف ما يريد لذا يملي عليه الآخرون خططهم… يوجد المشكل في دماغه لا في الآخرين.

تزوره زوجته في السجن، تخبره أن لها عشيقا، يرد أنه “لا مشكلة” وهو ليس غاضبا… في هذه الأجواء الضبابية التي يعيشها هنري يتعرف على سجين عجوز يدعى سالزمن، وحينها يكتشف شخصا لديه وجهة نظر صلبة لا يتنازل عنها. يعرف ما يريد وكيف، إنه نقيض هنري.

سالزمن محكوم بالمؤبد، وهو لا يريد تحويله للمحدد لكي لا يغادر السجن، وفي كل مرة يلتقي بلجنة فحص السلوك يهدد أعضاءها لكي لا يقلصوا مدة سجنه او يطلقوا سراحه… ليس له أحد خارج أسوار السجن…
يتحدث سالزمن مع هنري، يوضح له أنه عوقب على جريمة لم يقترفها، إنه بريء، والحل هو أن يرتكب فعلا الجريمة التي عوقب بسببها… حينها يقرر هنري أن يسرق البنك فعلا… إنها الجريمة بعد العقاب… عدالة مقلوبة…

يغادر اهنري السجن إلى منزله مباشرة، وجد زوجته حامل، لم يرتكب هنري الجريمة المتوقعة، بل يشرب بيرة مع العشيق… ثم يغادر ليخطط للسرقة ليرد الاعتبار لنفسه، يحوم حول البنك يفحصه فتصدمه سيارة ممثلة في مسرح ملاصق للبنك… واوا… يتواعد مع الممثلة ويبدأ في حبها، لقد وجد المبرر للتواجد قرب فريسته بشكل دائم… يكتشف بارا أسفل المسرح، وانه كان هناك نفق يربط بين البنك والبار ليأتي موظفو البنك ليشربوا البيرة… لم يبق هناك إلا التنفيذ… وهذا يحتاج التخطيط والحسم، وهو ما لم يتوفر عليه هنري أبدا في حياته…. عن سؤال: من أنت؟ يقول: خارج من السجن، هذا كل تعريفه لنفسه… ماذا يريد أن يكون؟
لم يخطر السؤال بذهنه.

يريد الاحتفاظ بكل الخيارات دفعة واحدة، يريد أن يصبح لصا وأن يحتفظ بحبيبته. حتى حركة هنري المتخشبة، تعكس جمود عقله… لا يستطيع أن يختار ويحسم…
هنا يظهر كم يسيطر السيناريست على هوية الشخصية، بحيث لا يفرض عليها سلوكات تناقض طبيعتها… ما الحل؟

يذهب هنري لزيارة سالزمن في السجن، يطلب منه المساعدة، لا يريد سالزمن مغادرة السجن، لكن هنري يتوسل إليه… حينها يتصرف العجوز بأدب مع لجنة فحص سلوك السجناء وتمنحه حرية مشروطة… يلتقيان ويقصدان البنك لفتح حساب… في الحديث مع موظف البنك يتذكر سالزمن أيام البار الذي يربط المسرح بالبنك وعن جمال الأيام الخوالي… ويسأل الموظف: هل مازال الصندوق على حاله؟

الجواب: نعم.
يقرران بدء الحفر من المسرح لسرقة البنك… وهكذا وجدا نفسيهما يوميا مع الفرقة التي تتدرب على مسرحية أنطوان تشيكوف “بستان الكرز”، وفيها امراة روسية تعود للريف لتبيع بستان الكرز خاصتها… صار المسرح مطية للسرقة… التمثيل فوق الخشبة والحفر أسفلها للوصول لصندوق البنك… للخشبة مستويات: تحت وفوق. تحت للفأس وفوق لكاستينغ ملائم للأدوار وكأن كل دور كتب خصيصا للممثل الذي يؤديه… سلاسة وأداء طبيعي كما يطلب المخرج في المسرحية… الفيلم هو درس تطبيقي ونظري في الأداء الطبيعي، وهو علامة على ابتعاد أساليب التمثيل في السينما عن تقاليد المسرح التي تتسامح مع المبالغة… على صعيد الصوت، هناك الكثير من الصمت الدال، وقد استخدم المخرج الأغاني بكثافة بدل الموسيقى التصويرية… وقدم لقطات قصيرة تقول الكثير… وهذا سر المخرج المبدع… ووحدها المشاهدة المكثفة والمركزة لأفلام كثيرة ومختلفة تمنحنا أسرار السرد السينمائي… تلك التي يستخدمها المخرجون، ولا يتحدثون عنها، يحتفظون بها لأنفسهم، ونحن، المتفرجون، نحصل على الدهشة، ونادرا ما نعرف كيف بنيت وطورت…

نتابع تطور المفارقات في الفيلم: يتواعد هنري مع الممثلة بينما يساعد سالزمن المخرج بتوجيهات… يُعلمه أنه يعتبر تشيكوف أفضل روسي بعد غورباتشوف… بينما يغرق العجوز في التخطيط للسرقة يغرق هنري في حب الممثلة… وهكذا يتباعد مسارهما…

غير هنري رأيه، لا يريد سرقة البنك، يريد البقاء مع الممثلة، وقد حصل على دور مهم في المسرحية… بينما الحب يتعمق… تتوالى ضربات العجوز بالفأس والرفش لتعميق حفرة تنتهي إلى البنك…

اعترف هنري لحبيبته بخطته للسرقة، صار الثلاثة على علم بالجريمة، وكلما زاد العارفون بالخطة تهددها الانكشاف… وقد تعقد الأمر عندما دخل الشرطي الذي يحرس البنك على الخط…

بينما العجوز تحت الخشبة يركب أجزاء الخطة بناء على خريطة النفق في مرحاض البار القديم… كانت الممثلة فوق الخشبة قد وقعت في حب هنري فسهت، لذا تجد صعوبة لتؤدي دور العاشقة له، لأن الحقيقة أقوى من التمثيل…. ينتقدها المخرج المسرحي: تمثلين بصوت عالي ولا أشعر بك…

ترفض أن تعترف بحبها على الخشبة كما تعترف به على السرير… الحل؟ خرجا من نص تشيكوف ليعيشا حبهما بدل أن يمثلاه، وهو ما أسعد المخرج والجمهور…

انتهى الفيلم، ما هي جريمة هنري؟

حين وقع في الحب لم يذهب مع المجرمين، أنقذه الحب، وهو بريء يستحق كل التعاطف. واضح أن جريمة هنري هي عدم الوقوع في الحب مبكرا، لو كان وقع لمنحه ذلك وضوح الرؤية وشحنه بالإرادة التي تنقصه ليختار مسارا واحدا ويسير فيه، لأن عدم الحسم ومحاولة الاحتفاظ بكل الخيارات دفعة واحدة أكثر من جريمة، إنه جنون يقود للدمار.

هذا ما يفسره المخرج بحرفية عالية في فيلم “جريمة هنري”. فيلم يليق بافتتاح مهرجان مراكش الدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.