الهجرة إلى الشمال: واتربوري يروي سيرة تاجر سوسي أنثروبولوجيا

- الإعلانات -

أصدر المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أخيرا الترجمة العربية لكتاب جون واتربوري الهجرة إلى الشمال: سيرة تاجر أمازيغي، وهو عبارة كما أوضح واتربوري نفسه في مقدمة الكتاب عن « ذكريات رجل واحد وما راكمه من تجربة ومعرفة. وكما هو الحال بالنسبة إلى مؤلف هذا الكتاب، أعتقد جازما أن هذا الرجل أيضا ليس منزها عن الخطأ. ومع ذلك، اكتفيت بالتأكد من صحة كلامه فيما يخص الأحداث الهامة والتواريخ المتعلقة بالتاريخ المغربي، والاتجاهات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية في مجتمع هذا البلد. أما بالنسبة إلى الوقائع ذات الطابع الخصوصي، والأحداث الأقل أهمية، فقد اعتمدت على ذاكرة محدثي. أن يكون الحاج إبراهيم مخطئا عندما يؤكد أن تاريخ بدء هجوم الفرنسيين النهائي على بلدته هو 23 فبراير 1934، يبقى أقل أهمية من طريقة تذكره لهذا الحدث. لذا أرجو أن يتأقلم القارئ أكثر مع الطريقة التي يصف بها الحاج إبراهيم ماضيه بدل مدى دقة وصفه ». 

ملاحظة حول انقلاب الصخيرات

يوضح واتربوري أن كتابه هذا مكتب قبل العاشر من يوليوز سنة 1971، تاريخ المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قادها كبار الضباط في الجيش الملكي المغربي للسيطرة على الحكم والقضاء على عدد من أصدقاء الملك المدنيين الذين كان يعتقد هؤلاء الضباطُ أنهم متملقون إلى حد بعيد وفاسدون. يوضح واتربوري « أعتقد أن هذه المحاولة الانقلابية هي عملية وقائية قادها ضباطٌ كانوا بمثابة معاقل للتحكم العسكري في السابق، عسكريون استفادوا كثيرا من نظام يزداد فساداً. وقد تم إعدام مدبري الانقلاب بسرعة فائقة بعد فشل محاولتهم، مما لن يسمح أبداً بالتعرف على دوافعهم الحقيقية. وساد الاعتقاد في المغرب في الأسابيع التي تلت الانقلاب بأن الضباط كانوا مدركين للمستويات القياسية التي بلغها استغلال النفوذ والفساد، خصوصا في صفوف النخبة المدنية، وكان من الواضح لدى عموم المغاربة أن الانفجار أصبح أمراً حتمياً لا مفر منه. وقد توفر لدى مدبري الانقلاب ما يكفي من الأسباب للاعتقاد بأن صغار الضباط الشباب قد يستغلون التذمر الشعبي العام للسيطرة على السلطة، مما سيعني ليس نهاية الملك فحسب، بل القضاء على ضباطه الكبار أيضا. لذلك، يضيف ذات المؤلف  قرر هؤلاء الضباط السامون استباق الأحداث والضرب أولا. ولا يمكننا معرفة ما إذا كانوا يرغبون في إسقاط النظام، أو إرجاع الملك إلى رشده، لكن قد نخمن أنهم كانوا سيعملون على التخلص من الأشخاص غير المرغوب فيهم في إطار مشهد سياسي يميني لو نجح الانقلاب.

أما بخصوص الحاج إبراهيم، يوضح واتربوري: فقد كان  مجرد مشارك غير مباشر في الأحداث المروعة التي شهدهاالقصر الملكي في الصخيرات في العاشر من يوليوز. وقد نجا الملك بأعجوبة من حمام الدم هذا، لكن فقط على المستوى البدني. إن وصول الأمر بالعديد من مستشاري الملك المقربين إلى هذا المدى الخطير بسبب فساد مجموعة من المدنيين، وبتشجيع من القصر، سيؤدي إلى بروز الاستياء الكامن في صفوف المغاربة على جميع المستويات الاجتماعية. كانت الوضعية السياسية الاقتصادية تعيش تدهورا مستمرا منذ عدة سنوات، وقد تأثر الحاج إبراهيم بشكل مباشر بانعكاسات هذا التردي على التجارة في الدار البيضاء. ويمكن أن نستشف من وجهة نظر التجار المقدمة في الفصلين الثالث والخامس من هذا الكتاب، مؤشرات مساعدة عن تأثير سياسة النخبة خارج حدود العاصمة، الأمر الذي قد يفيد الراغبين في فهم ما حدث على مستوى القيادة المغربية.

المنوزي والحاج وإبراهيم 

تم إعدام الرائد المنوزي إلى جانب الجنرالات المتمردين في 13 يوليوز، والمنوزي رفيق سلاح للحاج إبراهيم وأحد زعماء المقاومة المغربية قبل سنة 1955، (انظر الفصل الخامس الكتاب).  يوضح واتربوري ينتمي هذا الثائر إلى قرية قريبة جدا من مسقط رأس الحاج إبراهيم، وإذا كان الحاج رجل دبلوماسية وسياسة، فإن المنوزي رجل بندقية. وقد ظل الاثنان معا وفيين لقضية الوطن، لكن كلٌ بطريقته. حُكم على سعيد، شقيق المنوزي بالإعدام سنة 1971 بتهمة التآمر على النظام، والشقيقان معا ثائران ثابتان على مبدأ الثورة وينتميان إلى منطقة الأطلس الصغير كالحاج إبراهيم. وباعتبار الأخوين المنوزي مناهضين صريحين للنظام الذي ناضلا من أجل عودته سنة 1955 ، فإنهما يمثلان بالتأكيد الأنا الثانية للحاج إبراهيم، أي شخصية البقال الثائر الذي يضع أصبعا على مفاتيح مُسجِّلة النقد والأصبع الثانية على الزناد، وقد كانت هذه الفئة بمثابة الجهاز العصبي للمقاومة المغربية قبل الاستقلال.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.