صحافة البحث

ذاكرة إعلامية.. عائشة لخماس تتحدث عن تجربة “8 مارس” ونضالات العمل النسائي بالمغرب.

- الإعلانات -

   ذاكرة إعلامية هي نافذة يطل من خلالها قراء موقع “µ” على أعمال صحفية ذات قيمة فكرية، أدبية، فنية و سياسية سبق للصحفي المصطفى روض أن أنجزها و نشرها في مجلتي الحرية و الفكر الديمقراطي الفلسطينيتين و منابر أخرى بالمشرق وصحيفة أنوال بالمغرب. و ستكون البداية مع الحوارات في محور السينما ستتلوه محاور الشعر، المسرح، النقد الأدبي و السياسة و الفكر.

لم تكن المسألة النسائية في المغرب لتتضح على المستوى النظري بالقدر الكافي الذي يسمح بالإجابة على إشكالياتها، كون قوى اليسار كانت تجمع على أن حل قضية المرأة مرهون بتحرر المجتمع من الاستغلال و الاضطهاد المفروضين عليه بواسطة قوانين القوى الاجتماعية و الاقتصادية المهيمنة، فإن النساء المنخرطات في هذا اليسار ينظرن اليوم للمسألة النسائية من منظور مغاير عن الطرح السابق.. و هو منظور يقر بخصوصية المسألة النسائية، و بضرورة التعامل معها و الإجابة على إشكاليتها في إطار حركة نسائية موحدة و فاعلة على أرضية برنامج خصوصي مستقل نسبيا عن برنامج المواجهة السياسية العامة بشرط التكامل طالما أن التحرر على مستوى العام يؤثر في الخاص و العكس صحيح.

هذا المنظور للمسألة النسائية هو الذي حفز على إصدار صحيفة نسائية بالمغرب سميت بـ”8 مارس” من قبل مجموعة من النساء الديمقراطيات أواخر سنة 1983، و شكلت في ذلك الوقت حدثا نوعيا، و راكمت تجربة هامة على مستوى الصحافة النسائية التقدمية.

لتسليط الأضواء على هذه التجربة، التقينا مديرة صحيفة “8مارس” المحامية عائشة لخماس و أجرينا معها حوارا نشر في المجلة النسائية التقدمية “شهرزاد” سنة 1990.

لم يعد ممكنا تجاهل مشاركة النساء الواسعة

  •   شكلت صحيفة ” 8 مارس” منذ صدورها في شهر نوفمبر لعام 1983 علامة بارزة في الصحافة النسائية التقدمية. فهل لنا أن نعرف المناخ العام الذي تبلورت فيه فكرة هذا العمل الصحفي؟

عائشة لخماس:  أود في البداية إعطاء نظرة وجيزة عن المرحلة التاريخية التي صدرت في سياقها صحيفة “8 مارس” كاستجابة لإحدى ضرورات هذه المرحلة، فلم يعد ممكنا تجاهل المشاركة الواسعة للنساء في الحياة العامة للبلاد و الإمكانيات النضالية التي أصبحن يبدينها. و هذا ما أتاح لهن طرح برنامجهن و المشاكل التي تعاني منها النساء المغربيات بصفة عامة، و كذا رؤيتهن الخاصة لحل المشاكل، و انطلاقا من ذلك تأسست قطاعات نسائية داخل المنظمات و الأحزاب اللائي ينخرطن فيها.

 أيضا هناك عامل تأسيس النقابة العمالية الكنفدرالية الديمقراطية للشغل عام 1978، و ما صاحب تأسيسها مباشرة من إطلاق ديناميكية النضال النقابي خاصة مع إضرابات أبريل عام 1979 الخاصة بالوظيفة العمومية و الإضراب العام لشهر يونيو 1981 الذي فجر هبة الدارالبيضاء. و هذه الحركة النضالية ساهمت فيها النساء بشكل واسع و أدين ثمن هذه المساهمة من اعتقالات و و محاكمات و توقيف عن العمل.

كما عرفت بداية الثمانينات بروز العديد من النساء في مجال الكتابة عامة و في مجال البحوث الاجتماعية على الخصوص، و قد انصبت اهتماماتهن على أوضاع النساء و على البنيات الإيديولوجية التي تلعب دورا أساسيا في تكبيلهن، كما نشطت حركة النشر و الطبع و التوزيع و لم تبق النساء بعيدة عنها. تواكب هذا مع ظهور نخب نسائية تكونت داخل النقابات خاصة النقابة الطلابية (الاتحاد الوطني لطلبة المغرب) و ضم التيار اليساري الجديد الذي اكتسح الجامعات في السبعينات و الذي كان يولي أهمية خاصة للمرأة في أية عملية للتغيير، و هو ما مكنه من استقطاب عناصر شابة أساسية لا زالت تمارس قناعاتها في النقابات  و الأحزاب كمستقلات و هن اللواتي لعبن دورا أساسيا في تبلور تصور و عمل متميز في المسألة النسائية و في تأسيس لجان المرأة داخل الجمعيات الحقوقية و النوادي السينمائية و الثقافية عامة. كذلك أصبحت الصفحة النسائية داخل الصحف، و التي كانت تسمى “عالم المرأة”، أي عالم الموضة و الماكياج و الطبخ، تتضمن تحقيقات عن أوضاع النساء و تتناول قضاياهن و مشاكلهن. كل هذه العوامل أدت إلى خلق جو و مناخ مهيأ جدا لانطلاق عمل نسائي أكثر تطورا و تقدما. 

ولا يمكن أن أمر بدون أن أؤكد على الدور الذي لعبته الأمم المتحدة دوليا و الذي انعكس على وضع المرأة في المغرب من خلال تخصيص عشرية كاملة للمرأة سنة 1975، باعتبارها سنة المرأة. و هذا العنصر أثر على السياسة الرسمية الأمر الذي دفعها للاهتمام بقضية المرأة. كذلك، مناخ الانتخابات طرح، هو الآخر، ضرورة الاهتمام بقضية المرأة نظرا لكونها تشكل صوتا انتخابيا مهما، و هو ما جعل أحزاب اليمين و اليسار، على حد سواء، تعمل بكل الوسائل لجلب الأصوات النسائية. و بالنسبة لصحيفة “8 مارس”، عمليا النساء اللائي قمن بتأسيسها لا يخرجن عن هذا الجو الذي ذكرت، فهن نساء لعبن دورا أساسيا في الحركة الطلابية (الاتحاد الوطني لطلبة المغرب) و بالخصوص في تبلور اليسار الطلابي آنذاك، كما لعبن دورا أساسيا في النضال الديمقراطي بصفة عامة في النقابات خاصة التيار الذي بدأ يتبلور و الذي أسس فيما بعد “8 مارس” مع العناصر النسائية المستقلة. و هذه المجموعة النسائية كان لديها، نسبيا، نوع من التبلور لتأسيس تنظيماتها الخاصة و طرح برامجها و النضال من أجل أن تتبنى المنظمات النقابية و الأحزاب السياسية قضيتها الخاصة، كما كان على المرأة أن تبلور إعلامها لطرح قضية المرأة و مناقشة الموضوعات المتعلقة بها. هذه عوامل موضوعية و ذاتية أدت عمليا إلى انطلاق صحيفة “8 مارس”. و الأهداف التي قامت من أجلها “8 مارس” هي: العمل من أجل خلق و بلورة حركة نسائية ديمقراطية و مستقلة، قادرة على تحريك أوسع الجماهير النسائية و الدفع بهن إلى الانخراط في النضال من أجل قضاياها الخاصة، و كذلك، الانخراط في النضال العام الذي يقوم به الشعب المغربي على جميع واجهات النضال الثقافي، السياسي، النقابي و الاجتماعي، ثم بلورة الأهداف و البرامج التي يمكن النضال من أجلها و فتح نقاش واسع حول المسألة النسائية بالمغرب، لأن لكل طرف تصوره الخاص لهذه المسألة، لكل فئة رؤيتها لقضية المرأة، إذ هناك من يعتبرها كقضية لا يجب طرحها الآن و لا بد من تأجيلها؛ و هناك من يعتقد أن طرحها لا يتم إلا بمجرد حصول فتور في القطاعات الأخرى. هذه آراء موجودة في الساحة المغربية، و صحيفة “8 مارس” لعبت دورا أساسيا في فتح نقاش حولها، و طرحت المشاركة فيه على جميع المكونات الثقافية و السياسية للمجتمع المغربي، و هذا النقاش أدى إلى تبلور قناعات تشكل الآن قاعدة لجميع النساء اللائي يناضلن في هذه الواجهة، و أيضا، الرجال و التنظيمات التي تتبنى القضية النسائية.

  •  ما هي أبرز العوامل التي تعيق حركة العمل النسائي بالمغرب إن على مستوى ذاتي أو على مستوى موضوعي؟

عائشة لخماس:  الوضع السابق ما زال ينعكس على العمل النسائي، فرغم التطور الحاصل هناك نوع من الانعزالية بحيث كل فئة تعمل لوحدها. إن انتشار هذا العمل الانفرادي و هذه العقلية تؤثر بالسلب على تقدم العمل النسائي. ثم هناك عوائق سياسية باعتبار أن الأحزاب السياسية تلعب دورا أساسيا انطلاقها من مناضلاتها، بالنسبة للحركة النسائية، و بالتالي أي تعثر أو ارتباك بين الأحزاب ينعكس على العمل النسائي، و إن كان ليس بشكل كبير.

© المناضلة النسائية عائشة الخماس والصحافي المصطفى روض سنة 1990

الخطوات العملية، التي من شأنها أن توحد العمل الآن، بين قطاعات نسائية حزبية سائرة ببطء، و لكن بوعي و نضج كبيرين، و وصلت إلى مراحل أساسية بعد التنسيق السابق في أنشطة دعم القضية الفلسطينية و المرأة الفلسطينية. و أصبحنا، أكثر من السابق، نطرح و نناقش البرامج التي تعمق رؤيتنا و ممارستنا النضالية المقبلة.

ثم هناك العوائق الذاتية للمرأة نفسها كمكون أساسي للمجتمع و هو يعيش حالة ركود سياسي و اجتماعي عام، بمعنى لا يوجد مناخ نضالي جماهيري عام حتى يكون نضال النساء أحد روافده، و هذا بالطبع ينعكس على العمل النسائي بالسلب. و هناك انتشار أنواع من سلوك و قيم جديدة فردية تشكل عنصرا من عناصر إعاقة تحرك العمل النسائي، بالإضافة إلى العوائق الصادرة من السلطة، مثلا، الجرائد النسائية لا تحظى بدعم الدولة المادي المخصص للصحافة و الجمعيات النسائية المنتمية للمعارضة ليس ثمة دعم لها، فقط هناك وعود. و نعتبر أن العامل المادي ليس بسيطا، لأنه يعرقل إمكانية العمل و الحركة و النشاط و بالتالي جميع أعمالنا تعتمد على التطوع، و هذا ليس بالسهل.

 “8 مارس” كانت رائدة في تكوين خبرتنا الصحفية

  •  لنعد الآن إلى صحيفة “8 مارس”، كيف هو تقييمكن لتجربتها؟

عائشة لخماس:  تجربة “8 مارس” و بشهادة الجميع، لعبت دورا رائدا في طرح قضية المرأة و الكشف عن واقعها.. و أعطت الكلمة للمرأة لكي تطرح قضاياها، و أعتقد أن ركن “دعوني أتكلم” كان أنجح ركن بالنسبة للجريدة، و كان دائما منبرا لطرح و نقاش المشاكل التي تعانيها المرأة. و من جهة أخرى، أعطت فرصة احتضان لقاءات مع نساء بارزات في المغرب – رغم بروزهن في مواقعهن – لكنهن مجهولات من قبل الجمهور الواسع؛ و عملت الجريدة على التعريف بهن. و بهذا يمكن استرداد نوع من الثقة بالنفس بالنسبة للمرأة، و كذلك ثقة المجتمع في الإمكانيات المتوفرة عند المرأة، ثم لعبت “8 مارس” دورا أساسيا في التثقيف في مجالات الصحة و التربية و السياسة و القانون، و ساعدت المرأة كثيرا في هذه المجالات. أما دورها في تكوين خبرتنا الصحفية النسائية فكانت رائدة و مثمرة.

و على أية حال، صحيفة تديرها مجموعة من النساء، يسهرن على تحريرها، و يلعبن الدور التقني فيها، و يحررن مقالاتها و دراساتها، لا بد أن تكون تجربة أساسية على المستوى الصحفي. و في كل الأحوال، أبانت تجربة “8 مارس” أن النساء المناضلات باستطاعتهن أن يفعلن الشيء الكثير، و بالنسبة لنا، فمجرد تجميع مجموعة من الأقلام  النسائية اللائي كن مكبلات و مكممات الأفواه، فهذا إنجاز كبير على درب انعتاق المرأة و تحررها.

مع النساء المستقلات تعلمن ممارسة الديمقراطية

  •   كيف كان التعامل داخل هيئة التحرير و ما هي أبرز القضايا التي ظهرت فيها تباينات حادة بين أعضائها؟

عائشة لخماس:  بالنسبة ل “8 مارس” عملنا على تأسيسها، و هي في الوقت نفسه، لعبت دورا في تكويننا. و احتكاك هذه المجموعة النسائية فيما بيننا أتاح نوعا جديدا في التعاطي مع العديد من القضايا. و بإمكاني القول إنه لم تكن هناك قضايا خلافية جوهرية، لأننا في بداية العمل شكلنا نوعا من ميثاق لجريدة “8 مارس”، جل النساء العاملات كن مقتنعات بالنقاط الواردة فيه. بالنسبة للنساء المستقلات تعلمن معهن كيف نمارس الديمقراطية يوميا، و بالتالي، لعبن دورا كبيرا في لجم العديد من توجهاتنا التي تغلب عليها المصلحة الحزبية لنا كمنتميات. ثمة فئة عريضة من النساء كانت تعمل معنا، و هذا كان طبيعيا في أن يخلق بعض المشاكل، هناك اختلافات أساسية، و لكن جميع القضايا كانت تطرح في البداية، و ثمة قناعة راسخة بضرورة مناقشتها، و الحوار كان دائما مفتوحا حولها، المهم أن الآراء لم تكن متبلورة بصفة نهائية، و هذا يعني أن المواقف، كذلك، كانت غير نهائية و لا تدخل في تعارض مع مواقف أخرى. و كانت لدينا قناعة بعدم قدرتنا على حسم أية مسألة الآن.

كانت لدينا بالأساس مشاكل في تسيير العمل، و في الطبع، و الذي كان ينعكس، أحيانا، على العلاقات، و لكنه ناتج عن ظروف موضوعية كانت تعرفها الجريدة. و نحن لم تكن لدينا ظروف مواتية لتكوين هيئة تحرير مستقرة في مكان معين و بالإمكانيات المادية المطلوبة، فأغلبية نسائنا كن ينفقن من مالهن الخاص.. و هذه مشاكل طبيعية في ظل وضعية جريدة “8 مارس”.

موضوع الأحوال الشخصية معركة كبيرة

  •  من الموضوعات التي ركزت عليها “8 مارس” في تجربتها الصحفية هناك موضوع مدونة الأحوال الشخصية التي خاضت في سبيل تغييرها صراعا مريرا. هل هناك نتائج تذكر في هذا الصدد؟

عائشة لخماس:  ليس ثمة نتائج ملموسة على مستوى تغيير المدونة، و هذا الموضوع نعتبره مشكلا خطيرا، و لا زال فيه نوع من التردد من طرف الجهات التي بيدها القرار. قبل صدور “8 مارس”، شهد المغرب عدة محاولات لتغيير مدونة الأحوال الشخصية، و كان هناك مشروع متكامل أدخلت عليه بعض التعديلات.. و لكن رفضت كلها و بقيت على الرف. و بالنسبة لنا، موضوع الأحوال الشخصية هو معركة كبيرة و تحتاج إلى نفس طويل. و هذا يتطلب تطورا ملموسا في العمل النسائي إلى المستوى الذي يتحول فيه إلى قوة فعلية قادرة على طرح مطالبها و الدفاع عنها. في الحقيقة كان تركيزنا على عدة قضايا نسائية، لكن النقطة الجوهرية التي نعتبرها حالة سوداء بالنسبة للمرأة المغربية هي الدونية و التفاوت الجنسي الذي تقننه مدونة الأحوال الشخصية في المغرب. و هذه المدونة ما زالت تقر بتعدد الزوجات، و ما زالت تقر بأن الطلاق هو بيد الرجل بشكل غير مشروط، و بالتالي، ما زالت تعترف بأن الرجل هو القائم على الأسرة رغم التغيرات الجوهرية التي حصلت في الوضعية الاجتماعية بصفة عامة و في وضعية المرأة بصفة خاصة، حيث أصبحت نسبة هامة من النساء يترأسن الأسر ماديا و يخرجن للعمل. و الطلاق، بالشكل المذكور، يشكل خطرا، ليس على المرأة فحسب، و إنما على الأسرة بصفة عامة، و على الأطفال بصفة خاصة، لأن المرأة التي تتزوج، و تخرج من بيت الزوجية في حالة طلاق، عليها أن تلجأ إلى مجموعة مساطر قانونية كي تحصل على نفقتها. إن وضع المدونة بهذا الشكل، يهدد المجتمع و ليس المرأة وحدها، و مهمة تغييرها مطروحة على المجتمع ككل بأحزابه و نقاباته و منظماته الثقافية و الاجتماعية و بجميع الأحرار داخل المجتمع المغربي. فبالنسبة للمدونة تأتي خطورتها من هذا المشكل، لأنها تكرس التمايز، لا لشيء، فقط لأن هذا الشخص رجل و الشخص الآخر امرأة! و يحصل هذا في ظرف لم يعد يحتمل هذا الوضع و الذي أصبح كارثة على المجتمع المغربي.

موضوع الطلاق هو الذي بحثنا فيه أكثر

  • بالنسبة للنقاشات التي تمت على صفحات “8 مارس” في السنوات الأخيرة كان موضوع تعدد الزوجات مطروحا بشكل حاد. فما هي استخلاصاتكم لآراء الأجيال الشابة حول هذا الموضوع؟

عائشة لخماس:  موضوع الطلاق هو الذي بحثنا فيه أكثر، باعتبار أن موضوع تعدد الزوجات ليس فيه إحصاء دقيق و مضبوط، و لكنه يشكل، في اعتقادي، نسبة 3 في المائة و أصبح تعدد الزوجات متاحا لفئات اجتماعية معينة. بالنسبة للشباب ليس بإمكانه أن يفكر في الزواج و لو بواحدة فكيف بأكثر?!

إن تعدد الزوجات أصبح محصورا و لم يعد بمشكلة اجتماعية عامة و إن كان في الحقيقة مشكلة تهدد وضعية المرأة و استقرار العائلة بصفة عامة، فهو بمثابة خطر كامن و حاد يحتمل وقوعه في أية لحظة، المشكل الذي نعتبره أهم و أخطر، و الذي عالجناه طيلة الخمس سنوات الماضية من عملنا الصحفي، هو الطلاق الذي يتم بشكل منفرد من قبل الرجل و الذي غدت نتائجه المأساوية واضحة للعيان.

منذ العدد الثالث من “8 مارس” كنا نقوم باستطلاع للرأي حول مسألة الطلاق: هل نترك الطلاق بيد الرجل بالطريقة التي يتم بها الآن أو نعطي نفس الحق للمرأة و الرجل أو نجعل الطلاق بيد القضاء و بالتالي من حق المرأة و الرجل اللجوء إليه؟

نشرنا نتائج استطلاع الرأي في أعداد السنة الثالثة من جريدتنا بمناسبة احتفالات اليوم العالمي للمرأة، و بينت هذه النتائج بأن أغلب الناس كانت مع الرأي القائل: الطلاق بيد القضاء. أيضا، نشرنا عريضة تطالب بأن يكون القضاء بيد القضاء وقعت عليها جميع الفئات الاجتماعية المختلفة: نساء، رجال، شباب، شيوخ.. و التي في أغلبها تلح على ضرورة وضع حد لهذا الطلاق الذي يتم بهذا الشكل، إذ لا يعقل أن يطلق الرجل زوجته بدون أن يخبرها. و في هذه الحال يمكن أن تعيش معه حتى ينجب منها و يقرر طردها. و هذا ما حصل فعلا مع بعض الزوجات.

القانون المغربي ما زال يعطي الإمكانية للرجل بأن لا يتحمل أية مسؤولية تجاه أسرته، و هو حر في أن يتزوج اليوم و حين ينجب يطلق زوجته بسهولة ليتزوج من امرأة أخرى.. 

أليست هذه مفارقة غريبة!؟ و حالات من هذا النوع نشرناها في الجريدة و سنحاول نشر المظيد منها لأنها في الحقيقة تعرض الأسر و الأطفال للاستهتار، و بالتالي، هذا المستوى أصبح مطروحا على المجتمع و عليه أن يردعه. و الرجل الذي أعطاه الشرع حق الطلاق في زمن ما ليس هو رجل اليوم، الأوضاع تختلف جذريا في زمننا حيث الوضع الاقتصادي ملح و ضاغط، و بالتالي، هذا المجتمع عليه أن يحمي أفراده ضد أي فرد آخر، حتى لو كان رجلا.

المهم، أن وضع الطلاق بيد أضمن و أكثر أمانة، أي القضاء، يشكل حلا معقولا، على الأقل، بالنسبة لوضعية الأطفال الذين يتعرضون للتشرد و الضياع. هناك من يعترض على هذا المطلب بدعوى أن القضاء المغربي ليس نزيها و لا مستقلا، و بالنسبة لنا، لا ينفصل نضالنا من أجل قضاء مستقل و نزيه و فعال، عن نضالنا من أجل وضع الطلاق بيد القضاء. و مهما كانت عيوب القضاء في المغرب، فهو قد يكون أكثر ضمانة من وضعية الانفراد بحل الأسرة بالقرار الخطير: الطلاق بيد الرجل فقط.