ذاكرة إعلامية.. محمود أمين العالم يتحدث عن استمرار الانتفاضة الفلسطينية

- الإعلانات -

   ذاكرة إعلامية هي نافذة يطل من خلالها قراء موقع “µ” على أعمال صحفية ذات قيمة فكرية، أدبية، فنية و سياسية سبق للصحفي المصطفى روض أن أنجزها و نشرها في مجلتي الحرية و الفكر الديمقراطي الفلسطينيتين و منابر أخرى بالمشرق وصحيفة أنوال بالمغرب. و ستكون البداية مع الحوارات في محور السينما ستتلوه محاور الشعر، المسرح، النقد الأدبي والسياسة و الفكر.

رغم مرور فترة طويلة على هذا الحوار الذي أجريناه مع المفكر المصري الكبير محمود أمين العالم حول الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت أوخر عام 1987، فإنه ما زال يتمتع بكامل راهنيته، و خير مناسبة لنشره هي مناسبة يوم الأرض و إن كانت المناسبة المواتية هي بالذات تزايد  مكتسبات هجوم السلام الفلسطيني عبر تكريس الدولة الوطنية الفلسطينية المستقلة على المستوى الدبلوماسي العالمي و هو ما جاء في إعلان المناضل ياسر عرفات رئيسا لها ليعطي دفعة جديدة خاصة في أفق المواعيد الدولية المقبلة و أبرزها لقاء عرفات – ميتران المرتقب. الحوار نشر في جريدة “أنوال” عام 1988.

أسهمت الانتفاضة في تصفية بعض الأفكار المتطرفة

  • س:  الانتفاضة الفلسطينية أكملت عامها الأول و ما زالت تشق طريقها بإصرار ثوري قل نظيره، فما هي من وجهة نظركم الاستخلاصات النظرية السياسية و الفكرية للانتفاضة التي تفيد في تحقيق المشروع الوطني الفلسطيني كنقيض للمشروع الصهيوني؟

محمود أمين العالم:  أبرز ما نستخلصه من الانتفاضة الفلسطينية من دروس نظرية و نضالية نستطيع أن نلخصها في الآتي:

1-إن استمرار و انتصار الانتفاضة هو ثمرة تجذرها الجماهيري، بحيث أصبحت جزءا من الحياة اليومية للجماهير الفلسطينية، جميع الجماهير بغير استثناء.

و لا يعني هذا مجرد مشاركة إجماعية كمية شاملة، بل يعني عمقا كيفيا للانتفاضة، إذ بهذا التشارك  الجماهيري الشامل تشخصت مختلف التناقضات الاجتماعية الثانوية  لتصب جميعها ضد عدو واحد مشترك هو التناقض الرئيسي مع الاحتلال الاسرائيلي، و بهذا التشارك يتم التفاعل و التساند الشعبي فيتم تبادل المعونات و المساعدات و توزيع العمل و المسؤوليات بين مختلف فئات الشعب الفلسطيني من عمال و فلاحين و تجار و جامعيين و شباب و نساء و أطفال و شيوخ مما يصب في النهاية في وحدة العمل و النضال و فاعليته و يضمن استمراريته رغم ما يبذله العدو الصهيوني من عمليات قمعية بشعة.

2-إن توفر قيادة مركزية سرية للانتفاضة تمثل تحالفا بين مختلف التيارات الفكرية من شيوعيين و قوميين و حركة دينية، هو الضامن الأكيد لوحدتها، و لاستمرارها و بلورة خبرة النضالات المختلفة. و لعل هذه الجبهة المتحالفة على رأس الانتفاضة الفلسطينية أن تكون أرقى جبهة تحالفية نضالية على المستوى العربي مع منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها تنظيما تحالفيا كذلك.

3-إن مركزية القيادة غير متعارضة مع ضرورة تشكيل قيادات أخرى مستقلة نسبيا على مستويات مختلفة وسطية أو قاعدية لها حق اتخاذ المبادرات حسبما تقتضي ظروف النضال و متطلباته. و لهذا فالجبهة ليست جبهة نخبوية فوقية متعالية، بل ترتكز على جبهات قاعدية، و تستمد منها قوتها الموضوعية على مواصلة و تطوير الممارسات النضالية، و تتمكن بها من سرعة الحركة في التصدي للهجمات الإسرائيلية و عملياتها القمعية.

4-تحديد الانتفاضة لنفسها، إلى جانب بنائها التنظيمي، خطة عمل، و أهداف نضالية محددة، مسألة بالغة الأهمية، فلا يمكن لانتفاضة تريد أن تنجح أن تترك أهدافها غير محددة، إن أخطر الأمور اللعب بالانتفاضة كما قال لينين، فيما أذكر، و عدم اللعب بالانتفاضة يعني أنها بدأت فلا ينبغي أن تتوقف دون تجديد أهدافها التي حددتها لنفسها منذ البداية في إطار الملابسات الموضوعية الممكنة، و لهذا لا بد من التمسك بهذه الحدود و الأهداف أو السقف النضالي و عدم تجاوزه، أو تجاوز أهدافها إلى أهداف أعلى و أبعاد تتجاوز سقفها المحدد، هو إساءة إلى الانتفاضة في هذه المرحلة، و هو ما يمكن أن يهدد فاعليتها و وحدتها.

5-و لقد أسهمت الانتفاضة بفاعليتها النضالية و استمراريتها، و إعلانها لأهداف محددة، أسهمت في تصفية بعض الأفكار المتطرفة الأخلاقية التي تتبناها بعض الحركات التقدمية و اليسارية، هذه الحركات التي كانت و ما يزال بعضها، يرفض أي حل جزئي مرحلي أو حد أدنى، من يرفض أي مستوى تفاوضي و بالتالي يرفض المؤتمر الدولي، و يرى بعضهم أنه لا سبيل إلا بالتحرير الشامل للأٍرض الفلسطينية من البحر إلى النهر دفعة واحدة، و يرى  البعض الآخر أنه لا سبيل إلا بتحقيق الوحدة العربية الشاملة أولا، لقد خفت هذا النهج المثالي من الفكر القومي و إن كان ما يزال له أصداؤه، هنا و هناك، في الوطن العربي و خاصة بين المثقفين الذين لا يدركون أهمية التمرحل في النضالات الثورية.

جعل الإستراتيجية تكتيكا مباشرا يسارية متطرفة

  • س: كيف تنظر لآفاق الدولة الفلسطينية، و كيف تقيم ذلك الرأي المطلق الذي يريد الدولة الكاملة دفعة واحدة، كما قلت، و يرفض التمرحل في النضال للوصول و إنجاز إستراتيجية كاملة، و هل من استخلاص هام من تجربة حكومة “عموم فلسطين” من جهة ثالثة؟

محمود أمين العالم:  في الواقع إن النجاح في إقامة الدولة الفلسطينية في إطار الانسحاب إلى ما قبل 4 ينوي 1967 أو تقسيم 1947 سيكون شرخا في البنية السياسية و الإيديولوجية للكيان الصهيوني، فلا مجال اليوم لرفع ذلك الشعار الغامض العلوي القديم، شعار حكومة “عموم فلسطين”، فما استطاع هذا الشعار أن يحقق شيئا، بل لعله ساهم موضوعيا في المزيد من فقدان الأرض الفلسطينية، و استتبعاها لإسرائيل، و لهذا فإن تحديد قيام دولة فلسطينية على حدود معينة من أرض فلسطين هو خطوة، جدية و عملية، و مشروعة دوليا، و تمهد إلى آفاق أوسع بعد ذلك.

و لكن الذين يرفضون هده الخطوة فهم يخلطون بين الإستراتيجية و التكتيك، فيجعلون من الإستراتيجية البعيدة تكتيكا مباشرا، و هذه يسارية متطرفة، بل جمود لم يصل بالقضية الفلسطينية، كما فعل طوال السنوات الماضية، إلا إلى زقاق مقفل، بل إلى دعم الكيان الإسرائيلي نفسه، و الذين يرفضون المراحل النضالية و الثورية يعرضون الثورة لأخطر النتائج. 

و الحقيقة أن النجاح في إقامة الدولة الفلسطينية في هذا الجزء المحدود من أرض فلسطين هو ليس مجرد تكتيك جزئي، بل هو إستراتيجية كاملة مرحلية تمهد لمرحلة إستراتيجية أكبر و أبعد هي إقامة دولة فلسطينية عبر كل أرض فلسطين  بما فيها الأرض التي احتلتها إسرائيل عام 1947 – 1948، إلا أن هذه الخطوة لن تتحقق في ظل الظروف العالمية الراهنة، و قبل أن تتغير هذه الأوضاع، خاصة الأوضاع العربية الراهنة، لمصلحة الجماهير العربية و قواها المناضلة، و هذه النقطة الأخيرة هي التي تدفع بعض المثقفين إلى المطالبة بتأجيل أي تسوية انتظارا لتغيير علاقات القوى بيننا و بين أمريكا و إسرائيل لمصلحتنا. و لهذا فإن الذين يتبنون هذا الرأي يتهمون الدعوة إلى إقامة دولة فلسطينية، هذه الأيام، بأنها ستكون استسلاما بل سوف تفضي إلى كامب ديفيد فلسطينية.

و لا شك أن علاقات القوى اليوم ليست لمصلحة البلاد العربية، و لكن هذا لا يعني الانتظار السلبي العقيم حتى يتم تعديل هذه العلاقات، بل ستتغير هذه العلاقات بالعمل و النضال الواعيين، مستفيدين بالانتفاضة من ناحية، و بتنوير و تحريك الرأي العام العالمي، فضلا عن جماهير الأمة العربية، من ناحية ثانية، إن الأمر يقتضي و يفرض تقسيم النضال إلى مراحل متتابعة و إن تكن متداخلة لا نخطو إلى مرحلة إلا بالانتهاء من مرحلة سابقة هي تمهيد لها. من غير هذا يتم حرق المراحل و إعطاء السلاح لإسرائيل لإجهاض الانتفاضة.

أدعو إلى تكوين الحركة الشعبية لدعم الانتفاضة

  • س:  حول موضوعة غياب الشرط العربي، كيف يمكن تحقيقه لدعم الانتفاضة دعما يتماشى و الهدف النضالي المباشر؟

محمود أمين العالم:  لا بد من إيجاد امتدادات و أبعاد جماهيرية و راء الانتفاضة في كل بلد عربي. هناك روابط و جمعيات تأسست بالفعل في أكثر من بلد عربي، رغم معارضة السلطات و محاربة لها. و لكن ما تزال هذه الروابط و الجمعيات نخبوية علوية و لا تمثل حركة جماهيرية شعبية واسعة و عميقة، و لهذا أدعو إلى تكوين “الحركة الشعبية لدعم الانتفاضة” في كل بلد عربي، ثم على المستوى القومي العام تأسيا و ارتكازا على تلك الحركات في كل بلد عربي، و هي مهمة عاجلة في ظل هذه الظروف البالغة القسوة التي تتعرض الانتفاضة، و هكذا يمكن أن يكون السند الجماهيري الشعبي، بديلا عما تسببه الأنظمة العربية من إعاقة و محاصرة و تآمر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.