ذاكرة إعلامية.. محمد بنسعيد يتحدث عن تطوير الانتفاضة الفلسطينية والانتظارية السلبية

- الإعلانات -

   ذاكرة إعلامية هي نافذة يطل من خلالها قراء موقع “µ” على أعمال صحفية ذات قيمة فكرية، أدبية، فنية و سياسية سبق للصحفي المصطفى روض أن أنجزها و نشرها في مجلتي الحرية و الفكر الديمقراطي الفلسطينيتين و منابر أخرى بالمشرق وصحيفة أنوال بالمغرب. و ستكون البداية مع الحوارات في محور السينما ستتلوه محاور الشعر، المسرح، النقد الأدبي والسياسة و الفكر.

الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت أواخر عام 1987 لم تبهر العالم أجمع بشكلها النضالي المدني و الشعبي فحسب، بل أنها استقطبت اهتمام معظم شعوب المعمور بما فيها العالم الغربي و قواه السياسية التقدمية و الليبرالية لما تفردت به الانتفاضة من إبداع استثنائي للعديد من صيغ النضال الذي اعتمد فيه الشعب الفلسطيني، خصوصا الأطفال و الشباب، على أسلحة بسيطة كانت على رأسها الحجارة في مواجهة الجيش الصهيوني و إرباكه و التغلب على قمعه و بطشه رغم تسلحه بالأسلحة الأمريكية  الفتاكة.

هذه الانتفاضة التي كانت أهم محطة في تاريخ كفاح الشعب الفلسطيني لمواجهة المحتل الصهيوني لأرضه، تفاعلت معها شعوب بعض الأقطار العربية و قواها السياسية الوطنية و الديمقراطية  و ضمنها المغرب التي ساندت صحافته و أحزابه و جمعياته الحقوقية و الثقافية انتفاضة الشعب الفلسطيني.

و بتكليف من مجلة “الفكر الديمقراطي” الفلسطينية لإبراز منظور القوى السياسية المغربية التقدمية للانتفاضة الفلسطينية، أجرينا حوارين، واحد مع المناضل محمد بنسعيد أمين عام منظمة العمل الديمقراطي الشعبي؛ و الثاني مع الكاتب محمد برادة عضو اللجنة المركزية لحزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية. و الحواران نشرا معا في المجلة المذكورة ضمن ملف شامل خاص بالانتفاضة الفلسطينية عام 1989. و فيما يلي حوار محمد بنسعيد:

  • س:  الانتفاضة الفلسطينية تستكمل عامها الثاني، و هي ما تزال تشق طريقها بإصرار قل نظيره، و هي، بكل المقاييس، ثورة شعبية معاصرة في مواجهة العدو الصهيوني. فما هي، من وجهة نظركم، الدروس النظرية و السياسية و النضالية المستخلصة من هذه الإنتفاضة؟

محمد بنسعيد:  فعلا ها هي الانتفاضة الشعبية الفلسطينية تطل على عامها الثالث متجذرة متصاعدة، و هو أمر ما كان متصورا لحظة انطلاقها، بالنظر لما كان قد تراكم على الساحتين العربية و الفلسطينية من عوامل الانهزام، بدأ – على الخصوص – بتوقيع اتفاقية كامب ديفيد و مر بالاجتياح الإسرائيلي للبنان، و باتفاقية 17 أيار (مايو)، و خروج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، وصولا إلى المذابح ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان. هذا، دون نسيان ما صاحب ذلك من تفكك في وحدة منظمة التحرير، بل و اقتتال فلسطيني – فلسطيني…الخ. و أكاد أقول إن صعود الثورة الفلسطينية، ممثلا في اندلاع و استمرار الانتفاضة الشعبية في الأراضي المحتلة، ابتدأ عندما بلغ خطر التهديد بتصفيتها، عسكريا و سياسيا، مداه. لقد وعت القيادات الفلسطينية أن لا خيار لها، قبل فوات الأوان، غير استعادة أهم ما كسبته الثورة الفلسطينية، ألا و هو وحدتها ضمن منظمة التحرير الفلسطينية. و تبين للجماهير الفلسطينية تحت الاحتلال الإسرائيلي أنها لا ينبغي أن تنتظر حتى “ينضج” الوضع العربي، و يهرع لنجدتها، و أن عليها أن تبادر بالتصدي بإمكانياتها الخاصة لمحتليها و مغتصبي حقوقها.

و كنا في منظمة العمل الديمقراطي الشعبي بالمغرب، قد أكدنا في الوثيقة التوجيهية للمؤتمر الأول الذي انعقد في كانون الأول (ديسمبر)1985، في ضوء سمات ذلك الوقت، على توجهين رئيسين متكاملين بصدد الثورة الفلسطينية، أولهما الإسراع بإعادة بناء وحدة منظمة التحرير الفلسطينية على أساس ديمقراطي بين فصائلها، و ثانيهما التركيز على تعبئة الجماهير الشعبية الفلسطينية في الأراضي المحتلة.

و يبدو أن الانتفاضة الفلسطينية أعادت إلى الأذهان، و ثبتت على أرض الواقع، عددا من المبادئ الأساسية التي كادت أن تنسى و يعصف بها جو الهزائم و الانتكاسات التي تلاحقت على الأمة العربية منذ أواسط السبعينات، على الخصوص. و من هذه المبادئ الإيمان بالقدرة غير المحدودة للشعوب المضطهدة، الواعية بحقيقة مضطهديها، المنظمة و الموحدة، على مجابهة هؤلاء المضطهدين و على انتزاع حقوقها.

لقد أكدت الانتفاضة للعالم أجمع ليس وجود الشعب الفلسطيني و حقه في التمتع بحقوقه الوطنية الكاملة فحسب، بل أكدت له أيضا أن أمة ينتمي إليها هذا الشعب هي أمة أصيلة و تستطيع التوحد و التقدم. و في اعتقادي أن أبرز ما أنجزته الانتفاضة الفلسطينية هو فرضها للمعركة مع المحتل الإسرائيلي بالسلاح الذي يلائم إمكانياتها، و يتلاءم مع “روح العصر”، و يحيد الترسانة العسكرية الضخمة لإسرائيل، و يحرج أنصارها.

بذلك حققت الانتفاضة انتصاراتها الأولى الحاسمة. و على هذا الأساس، و ما عناه من ثقة في النفس، و اكتساب للخبرة، واصلت هذه الانتفاضة تصاعدها، فعبأت جماهير واسعة، و خاصة النساء و الأطفال، الذين يشكلون في الأحوال العربية العادية، خوفا عليهم و إشفاقا على مصيرهم، عامل كبح للانخراط في النضال.

و بالإضافة إلى الأسلوب الجماهيري، المدني، الذي اعتمدته الانتفاضة، هناك الإبداعات التنظيمية العظيمة، المذهلة في التنوع و التدرج بما يمكن من إشراك كافة مكونات الشعب الفلسطيني، على مختلف مستويات نشاطه، تواجده، و سكنه، و بمختلف مستويات استعداده، و حسب اختلاف و تنوع المهمات المطلوب انجازها، من أبسطها إلى أكثرها تعقيدا.

تعديلات في ميزان القوي

  • س:  هل تعتقدون أنه، و في الظرف الراهن، و بناء على المشروعية الدولية المتاحة، بمستطاع الانتفاضة الفلسطينية أن تحقق مشروع الدولة الفلسطينية؟ وهل هناك سبيل آخر لتحقيق الدولة الفلسطينية غير سبيل هجوم السلام الفلسطيني؟

محمد بنسعيد:  الانتفاضة الفلسطينية مثلت بتجذرها و اتساعها و صمودها و تصاعدها تحولا أساسيا في ميزان القوى لصالح الشعب الفلسطيني ضد العدو الإسرائيلي، و لصالح الأمة العربية ضد الصهيونية و الإمبريالية. و يتجسد هذا التحول البارز أساسا في تحويل الأرض المحتلة إلى ساحة رئيسية للصراع ضد العدو، و تعبئة أوسع الجماهير الشعبية في هذا الصراع، و اعتماد الأساليب التي لا يمكن مجابهتها بما راكمه هذا العدو من أسلحة الإبادة و الدمار، و التي تمكن من كشف طابعه القمعي على أوسع نطاق  و فضح دعواه “الديمقراطية” و “الحضارية”. و إلى جانب الانتفاضة الشعبية بلورت القيادة الفلسطينية، و عبر أرقى أشكال الديمقراطية، برنامجا سياسيا أقره المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر الذي انعقد في نهاية العام الماضي بالجزائر. و هو برنامج ينطلق من موازين القوى الواقعية و المتحركة، و يراعي سمات الوضعين العربي و الدولي، و يعتمد الرغبة العالمية المتنامية في حفظ السلام، و يحقق للشعب الفلسطيني الحد الأدنى من حقوقه الوطنية؛ العودة و تقرير المصير و إقامة الدولة الوطنية المستقلة، و بما يجسده ذلك من كسر للتوسعية الصهيونية و تحجيم للكيان الإسرائيلي.

الانتصارات الكبيرة التي حققتها الانتفاضة الفلسطينية و برنامج السلام الفلسطيني، سواء منها المتمثلة في الاعترافات الواسعة بالدولة الفلسطينية، أو المتمثلة في الاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية، بما فيها حق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، أو المتمثلة في تنامي التأييد و التعاطف العالمي مع جماهير الانتفاضة، و في انحسار التأثير الصهيوني و انبعاث الوعي، داخل أعداد تتسع من يهود العالم، و بالطابع العنصري للكيان الإسرائيلي. كل هذا، إضافة إلى الشروخ التي تفتحها الانتفاضة الفلسطينية في المجتمع الإسرائيلي، و إصابة معنويات الجنود الإسرائيليين، و وضع بنيات متنوعة لتنظيم الحياة و مواصلة الكفاح… تشكل نواة حقيقية للدولة الفلسطينية.

إن هذه الانتصارات، و ما أفرزته داخل الوطن العربي من التفاف و مساندة – دون المستوى بالأكيد، و لكن يمكن تنميتها و ترقيتها – تبين أن شعار الدولة الفلسطينية المستقلة ليس بالشعار الطوباوي في هذه المرحلة من الكفاح الفلسطيني و العربي الذي تتصدره الانتفاضة الشعبية في الأراضي المحتلة.

إلا أن ذلك، لا ينبغي له، في الوقت نفسه، أن يدفعنا إلى إغفال العديد من الثغرات التي تميز الموقع العربي الفلسطيني في ميزان القوى، خاصة إذا نظرنا إلى الموقع المعادي و ما يستند إليه من قوى متجبرة، و ما يختزنه من أوراق احتياطية.

فعلى الرغم من بعض مؤشرات التحسن الأولى في الوضع العربي، بفضل توقف حرب الخليج، و بفضل التأثير الفاعل للانتفاضة الشعبية الفلسطينية، فإن هذا الوضع ما يزال دون مستوى ما تتطلبه الانتفاضة من تحرك مواز، و نشاط داعم و مساند، سواء على المستويات الشعبية العربية، أو على المستويات الرسمية، و سواء على الأصعدة السياسية و الدبلوماسية و الإعلامية، أو على الأصعدة المادية. و لا شك أن استمرار الأزمة اللبنانية، و ما تستحوذ عليه من انتباه، لا يساهم في إبعاد الأنظار عما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة فقط، بل يشغل جهودا عربية كبيرة، و يصدر إمكانيات عربية أكبر، كان الأولى توظيفها لصالح الانتفاضة الفلسطينية عوض استخدامها في الاقتتال على الساحة اللبنانية. و تضاف إلى الأزمة اللبنانية المصالح القطرية الضيقة التي تضع نفسها فوق المصالح القومية من قبل عديد من الأنظمة العربية.

لا أريد أن أخلص مما أشرت إليه إلى القول بعدم توفر إمكانيات انتزاع حق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في هذه المرحلة، بل أريد أن أخلص إلى الدعوة من أجل توفير أهم هذه الإمكانيات. و معنى ذلك أن هجوم السلام الفلسطيني يتطلب، ليتصاعد و يتسع و يحقق المزيد من المكتسبات في اتجاه انتزاع الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، أن يشكل رأس رمح هجوم عربي أشمل. بطبيعة الحال، لا يجب أن يسمح بفهم سيء لهجوم السلام، يطابقه مع تجميد أو إلغاء مختلف الأسلحة و أشكال النضال التي من حق كل شعب مضطهد أن يمارسها، و من مصلحته و واجبه أن يعرف كيف يلائم فيما بينها، و يحدد الأساسي منها، حسب ما تفرضه خلاصة العوامل المتحكمة في كل ظرف و مرحلة.

الموقف الأمريكي لا يتغير بالإقناع

  • س:  موضوع الدعم العربي بمقدار ما هو ضروري، فإن واقع حاله غير مشجع، خصوصا إذا علمنا بوجود قرارات عربية رسمية، في هذا الشأن، لم تنفذ منذ سنة و حتى الآن، و نفس الشيء ينطبق على حركة التحرر العربي و على الموقع الشعبي ككل، بحيث – إذا استثنينا بعض المهرجانات السياسية و الثقافية التضامنية ذات الأثر المحدود – لا وجود لفعل سياسي متواصل داعم للانتفاضة، رغم أن هناك أصوات عربية و فلسطينية طالبت، منذ فترة، بتكوين “اللجان الشعبية لدعم الانتفاضة في الوطن العربي”. ما هو رأيكم في هذا الموضوع الإشكالي؟ و ما هي تصوراتكم لابتكار دعم عربي فعال؟

محمد بنسعيد:  لقد واصلت الولايات المتحدة الأمريكية دعم جهود إسرائيل و ضمان تفوقها في المنطقة ليس فقط بحقنها بالمساعدات الخيالية المختلفة، و استمرار تمكينها من أحدث الأسلحة، و توفير الدعم و التغطية الإعلاميين و السياسيين لها، بل كذلك بشل تقدم الوطن العربي، عن طريق تعميق تبعيته لها، و ضرب تحالفاته مع قوى التحرر و الاشتراكية في العالم، و تعميق تناقضات أطرافه فيما بينها أولا، و فيما بينها و بين جيرانها ثانيا.

و بالإضافة إلى ذلك، ما تزال الولايات المتحدة الأميركية تجسد العائق الأكبر في وجه الاقتراب من صيغة المؤتمر الدولي للسلام ذي الصلاحيات الكاملة، و الذي تشارك فيه منظمة التحرير بالتساوي مع بقية المشاركين، لإيجاد تسوية سياسية للصراع العربي – الإسرائيلي في هذه المرحلة. و  مقابل ذلك، ما تزال الولايات المتحدة الأمريكية مصرة على الانفراد بملف المنطقة و تجزيئه و تصفيته، بما لا يفتح أي أفق للدولة الفلسطينية المستقلة، و بما لا يخل بأسس سياستها في المنطقة، و المتمثلة أساسا في ضمان التفوق الإسرائيلي، و ضمان التفكك و التناحر و الهيمنة الأميركية.

صحيح أن التطور لا يراوح مكانه، و أن الانتفاضة فرضت نفسها  و أجبرت الجميع في العالم، بما فيهم الولايات المتحدة الأميركية، على أخذها بعين الاعتبار، خاصة بعد سقوط أوراق التوت عن الموقف الأمريكي مباشرة بعد المجلس الوطني الفلسطيني التاسع عشر بقراراته السياسية، التاريخية… و صحيح كذلك أن هنالك تجاوبا و تأييدا متناميا للانتفاضة و لصيغة المؤتمر الدولي، كما تطرحها منظمة التحرير و المجالس الوطنية الفلسطينية، و هو تأييد يأتي من شركاء الولايات المتحدة و لا سيما دول أوروبا الغربية و اليابان.

و صحيح كذلك أن موازين القوي على الصعيد الدولي، و خاصة على صعيد المعسكر الغربي، تفرز تغيرات هامة لغير صالح الولايات المتحدة، و على حساب استمرار احتكارها للقرار السياسي الغربي… و أن كل ذلك، بدأت انعكاساته في الموقف و السلوك الأمريكي، تبرز شيئا فشيئا، و من بين هذه الانعكاسات قبول واشنطن فتح حوار رسمي أولي مع منظمة التحرير الفلسطينية، و التلويح بين الفينة و الأخرى بأن واشنطن جادة في تحريك عملية السلام، و أنها بصدد إعادة النظر في أسس مواقفها السابقة… الخ لكن ما هو شديد الوضوح، في الوقت الراهن، في الموقف الأمريكي، هو أن الإقدام على خطوة فتح الحوار، و الإبقاء عليه في نقطة الانطلاق، رغم مرور كل هذا الوقت، يستهدف بالدرجة الأولى احتواء نتائج الانتفاضة عبر خطة شامير و ما يشاكلها.

و بطبيعة الحال، فإن الموقف الأمريكي لن يتغير عن طريق “إقناعها” بالحقوق الوطنية الفلسطينية للشعب الفلسطيني و الحقوق القومية للأمة العربية، و لن يتغير عن طريق المزيد من إظهار الإخلاص لأمريكا من طرف عرب أمريكا، و لا عن طريق المزيد من تقديم الضمانات لها برعاية مصالحها في المنطقة. و ذلك لأن السياسة الأمريكية – نظرا للترابط المصلحي، و حتى لتشابه النشأة – تقوم على ضمان تفوق إسرائيل في المنطقة. و هذا التفوق هو الذي يمكنها من استتباع و إخضاع العرب. إن الولايات المتحدة  تكاد لا تثق حتى في أخلص خلصائها العرب. و هذا ما يتبين كلما هم طرف منهم بشراء السلاح الأمريكي، فرغم أن هذا السلاح لا يستخدم أبدا، و إذا استخدم بصفة مادية أو معنوية، فإنه لا يستخدم ضد إسرائيل، بل في الصراعات الثانوية في المنطقة، رغم ذلك، لا تقوم القيامة عندما يبادر طرف عربي بطلبية شراء أسلحة أمريكية.

فتور عام في الدعم الرسمي و الشعبي للانتفاضة

  • س: كيف ترون إمكانية إرغام الولايات المتحدة الأمريكية على الخضوع لتيار السلام الدولي و القبول بحل عادل للقضية الفلسطينية؟

محمد بنسعيد:  إن موضوع الدعم العربي للانتفاضة الفلسطينية يبقى أهم شاغل اليوم. ففي الوقت الذي اعتبرنا فيه، إلى حد بعيد، أن الانتفاضة الفلسطينية ردت – من بين ما ردت عليه – على العجز و السلبية العربيين تجاه ما تعرض له الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة و خارجها، و كان منتظرا، بعد اندلاعها و تصاعدها و اتساعها، لا أن نشد إليها قلوب الجماهير العربية فحسب، بل و أن تحفزها على التحرك الفعلي بعد أن قدمت لها المثال في كيفية المواجهة.

و الواقع أن موجة من الحماس اكتسحت الوطن العربي من أقصاه إلى أقصاه، و وجدت القوى التقدمية العربية ما يدعوها إلى التنسيق فيما بينها، و التحرك على مختلف الساحات. و لقد عرفت السنة الأولى من الانتفاضة مبادرات عربية على المستوى القومي و القطري عديدة. و شهد المغرب على سبيل المثال، عددا كبيرا من الأنشطة التعبوية، مست أبعد القرى، تضامنا مع الانتفاضة الفلسطينية. و على المستوى الرسمي، انعقدت قمتان عربيتان استثنائيتان. قمة الجزائر في يونيو (حزيران) 1988، و قد خصصت للتضامن مع الانتفاضة، و قمة الدارالبيضاء و انصبت على حل الأزمة اللبنانية و دعم القضية الفلسطينية.

و في الوقت الذي كان مطلوبا تطوير مستويات التحرك الشعبي و الدعم الرسمي للانتفاضة، بدأ الفتور يسود، و بدأ التطوير يتحول إلى تراجع، و تعالت الأصوات معلنة أن الغالبية الساحقة من الدول العربية لم تقدم ما التزمت به في قمة الجزائر من دعم مادي للانتفاضة، ثم تعالت الأصوات مطالبة بدور عربي حقيقي في تحريك الاستنكار الدولي لمواجهة انفلات بطش المستوطنين الصهاينة ضد الانتفاضة الشعبية.

و الحقيقة أنني متخوف من أن يتحول ما كان ينعت لدى الفلسطينيين قبل عام 1965 بانتظار قيام الدول العربية بتحرير فلسطين إلى انتظار الأمة العربية حتى يحررها الفلسطينيون وحدهم، و متخوف كذلك من استفحال النظرة القطرية الضيقة التي تتوهم إمكانية كل قطر عربي على حدة في “قضيته” الوطنية اعتمادا على إمكانياته الخاصة.

و مما يزيد من حدة هذه التخوفات أن الجميع يتابع و يعايش، إلى هذه الحد أو ذاك، استمرار الانتفاضة، و يعي ما يحاك ضدها و ما يمارس في مواجهتها يوميا، و مع ذلك تكاد تنعدم المبادرات الرامية إلى تنشيط الدور العربي، و خاصة منه الدور الشعبي.

و دون نسيان المسؤولية الخاصة المطروحة على عاتق القوى التقدمية العربية، و دون نسيان الواجبات المفروضة عليها، في التحرك من أجل تطوير التفاعل الجماهيري مع الانتفاضة الفلسطينية، فإننا نعتقد أن تشديد منظمة التحرير الفلسطينية على هذا الأمر، و حفزها على إحياء أو خلق الإطارات العربية المساندة للثورة الفلسطينية و المشاركة فيها لمن شأنه أن يساعد على تدارك الوضع، و يشجع المبادرات الرامية إلى تنشيط الدور العربي.

  • س:  ما هي الآراء و الأفكار التي تعتقدون أنها مفيدة في تطوير الانتفاضة الفلسطينية سياسيا و تنظيميا؟

محمد بنسعيد: كما بينت لكم قبل قليل فإن الانتفاضة تعلمنا أكثر مما نعلمها و أول ما علمتنا أنها قطعت مع الانتظارية السلبية. و لذلك فإن تطوير الانتفاضة الشعبية الفلسطينية في الأرض المحتلة، يتطلب منا الانتفاض ضد انتظاريتنا السلبية، و الزج بإمكانياتنا و إمكانيات شعبنا في الصراع الذي تخوضه أمتنا العربية و في طليعتها شعب فلسطين ضد العدو الصهيوني.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.