أحمد الغيتي: العمر الثالث بين التراث و العلم والمجتمع

- الإعلانات -

في الغرب الأوروبي يطلق اسم العمر الثالث (troisième Age) على السن الستين، أما في السنوات الأخيرة، فأصبح  سن الخامسة والستين. فترى ماذا يعني هدا المصطلح في الواقع الاجتماعي؟ الحديث عن عمر ثالث للفرد يتطلب تحديد العمرين اللذان عاشهما من قبل. ففي مقالة أدبية تطرق الأستاذ سعيد يقطين إلى أنه عاش عمرين، ذلك  لكون يومي عيدي ميلاده الـ65 بالتقويم الشمسي والـ67 بالتقويم القمري حصلا في نفس اليوم ولأول مرة،  بحيث يصبح  العيدان عيدا واحد،  بعد أن كان التباعد بينهما قد يمتد لشهور. لتأييد هده النظرية أو دحضها يجب الوقوف على أمثلة أو أمثلة مضادة. لهذا انتظرت يوم عيد ميلادي للوقوف على الحقيقة. وهكذا  فإن يوم الميلاد حسب التقويم الشمسي هو 17 غشت 1955 وحسب القمري هو 28 ذي الحجة 1374  ولأول مرة يكونان في نفس اليوم أو بزيادة يوم واحد (وهي حالتي وربما في أغلب الحالات)، وبالتالي هل السن هو 65 أم 67 أم هما معا. كان الأستاذ يقطين أول من أثار الانتباه لقضية العمرين وهي مفارقة مسجدة على أرض الواقع .

لكن تمة ملاحظة يطرحها هدا التصور من الناحية العلمية ولو أن مقالة الأستاذ يغلب عليها الطابع الأدبي، فمن الصعب الجزم أن اليوم في كلا التقويمين يكون واحدا كل 32 أو 33 سنة لأن الفارق قد يصل إلى 8 أيام. وهذا يحيلنا على مفهوم الحركة الدورية.

العمر بين تقويمين

فالتقويم الذي لا يعتمد على الدورية لا يصلح، فالتقويم القمري دوره غير ثابت في حين أن الشمسي يكون ثابتا في الزمان والمناخ والفصول ويمكن الاعتماد عليه في التأٍريخ وتسجيل الأحداث وخصوصا الأحداث الديموغرافية. فهل نعتبر 65 الشمسية و67 القمرية عمرين. قبل البحث عن الجواب لابد من القفز إلى وضع آخر. فالمسافة بين الرباط والبيضاء هي 100 كلم وهي كذلك 61 ميل فهل المسافر من الرباط إلى البيضاء عندما يعبر عنها بالوحدتين فهو قد عبر مسافتين؟ أما العمر فهو المسافة الزمنية الفاصلة بين يوم سقوط الرأس ويوم آخر والذي يكون في غالب الأحيان عيد الميلاد أو يوم الوفاة، وقياسه بتقويمين مختلفين  يعطي بطبيعة الحال نتيجتين مختلفتين، ولا يعني بالمرة عمرين. لقد نجح يقطين في تسويق صورة أدبية وإنسانية رمزية، عبر طرحه لفكرة العمرين، محاولا إبعادنا عن مجال التعقيدات الحسابية الديمغرافية، لينبّهنا بأسلوب يمتزج فيه الحساب بالإبداع الأدبي عن مدى التباعد الحاصل بين التقويمين. وهي الإشكالية المطروحة على المسلمين وليس على الغرب الذي حسم الأمر لصالح التقويم الشمسي بناءا على دراسات فلكية ورياضية وعملية. ففي موقع كوفيد لوزارة الصحة تجد إعلانا مؤرخا بالتقويم الهجري (القمري) وعند الاطلاع على الإعلان تجده مؤرخا بالميلادي (الشمسي). السعودية تعتمد التقويم القمري دون غيره  وعليه طرح أحدهم فرضية تنظيم السعودية للألعاب الأولمبية في 5 محرم، وعلى ضوء هذا التاريخ تنظم رحلات الطائرات والإعدادت التقنية والالتزامات التجارية فعدم إتمام 30 يوما في شهر ذي الحجة يقلب المواعيد، فما هو الحل ولماذا البحث عن حل؟ 

الإشكال العمري لا يتحدد بالقياس السنوي، بل يتعداه إلى مراحل عمر الإنسان، فبعيدا عن العلوم الحديثة، يحيلنا الأستاذ سعيد على التراث، ليخبرنا أن الكتابة الأدبية الإبداعية لا تكتمل إلا بتصحف المنتوج التراثي، ليعطي تصورا أو تحديدا لمراحل  العمر بشكل  يقيني. فتكون الإحالة على إسم فقهي لا مجال لمناقشته أو الدفع بأطروحته، كما أصبح رائجا بين أواسط فكرية معينة والتي أصبحت تكتسح الساحات اليوم. لكن يقطين وبناءا على ما جاء به ابن قيم الجوزية فإن فواصل العمر هي 15 سنة ثم 35 سنة 60 سنة 70 سنة, فنسي كيفية تحديد تلك الفواصل، هل نقيسها بالقمري ام بالشمسي؟  لأنه بينهما يمتد الخطأ إلى أيام وشهور وربما إلى سنتين. 

الشيء الذي لم يفكر فيه الفقيه هو أن في نهاية الـ30  أو 60 أو 70 لا تأتي في نفس ظروف البداية لتتم الانطلاقة دون إخلال بالإيقاع الدوري التقسيمي. فتكميلا لدلك لابد من النهل من العلوم الحديثة علوم الاحياء (biologie) وعلم النفس التنموي (Psychogie de developement) التي تهتم بمراحل نمو الإنسان عضويا وسيكولوجيا.

العمر الثالث بين مراحل النمو وصراع الطبقات

العمر يمكن تقسيمه إلى مراحل النمو والتي تتكامل لتعطي مرحلة النضج، لتستمر المسؤولية إلى العمر الثالث. 

المراحل حسب علم النفس التنموي وعلوم الأحياء هي الطفولة والمراهقة والرجولة والشيخوخة، رغم أن هذه العلوم التي تعتمد على نظريات وتجارب علمية بحثة فقد صعب عليها تحديد العمر التي تنتهي فيه مرحلة لتبدأ الموالية، ويختلف ذلك باختلاف الأشخاص والجنس والبيئة. فالشيخوخة أصبح  لها علم نفس وطب خاصين بها. فتقسيم العمر إلى عمرين وثالث مميز، لا يظهر في الفقه التراثي لاقترانه بالجانب الوصفي السطحي، فحين تطور علم النفس وعلم الاجتماع وقوانين تدبير المجموعات البشرية، قسم عمر الإنسان إلى عمرين متصلين عبر سن معينة. والعمر الثالث مصطلح ظهر في المجمتعات المتقدمة الغنية، وليس غياب التآزر العائلي هو ما أعطاه تمييزا معينا بل تدبيرا للحياة الاجتماعية، وتطورها نتيجة الكفاحات والمواجهات البشرية والتي يعيش فيها الفرد على خدمة مجتمعه مند بداية عنفوان الشباب، وباختلاف هذا  البدل والعطاء واللذان لا يمكن استمرارهما إلى آخر رمق، فلابد أن يتوقف الفرد لحظات أو سنوات قبل تحوله إلى العالم الآخر. هو وقت ميت، فكيف له أن يستمر بعد توقف الدخل الضامن لاستمرار الحياة دون استمرار العطاء بمختلف مستواياته.

الجواب في المكاسب الاجتماعية للثورات والتحولات السياسية والاجتماعية، التي عرفتها المجتمعات التي كانت لا ترى في الفرد إلا آلة تشتغل إلى نهاية الخدمة ثم يرمى بها إلى الهامش في انتظار توقفها النهائي. العمر الثالث لا يقتصر على الطبقات العليا التي تفكر قبل الطبقات المتوسطة أو السفلى في تقاعد مريح، وبإشارة بليغة وبتعبير رزين يحيلنا الأستاد يقطين إلى برلمانيينا ووزارئنا الذين من أسبقية همومهم هو التخطيط عبر التشريعات التي بين أيديهم لتقاعدهم المريح أو بلغة الأعمار تأمين عمر ثالث مريح، وان كان في عمر الغيب. أما بالنسبة لباقي الشرائح الاجتماعية والتي تنتظره، بعد سنوات الضنك والجهد في العمل بجميع تمظهراته، لا تعيش على يقين عيش عمر ثالث مريح.

مصطلح العمر الثالث يعني عند الغرب المرحلة العمرية التي فعلا يتم فيها تجديد النشاط الفكري والحياتي. وفيه يساعد المجتمع المدني والسياسي على تقديم بعض الامتيازات كالتخفيض في أسعار القطارات والفنادق والمتاحف وقاعات العروض الفنية.

أما المفكرون والمثقفون فتهيأ لهم الأجواء المادية والمعنوية لإتمام مشاريعهم الفكرية التي تحتاجها مجتعاتهم.

الحديث عن هذا “العمر الإشكال” قد يدفعنا إلى العودة إلى طرح قضايا اجتماعية وسياسية، لا يسعها لا الزمان ولا المكان في عالمنا الذي بدأ ينتفي فيه التآزر العائلي مما يفرض التحول نحو تآزر اجتماعي مدني. إذا كان العمر الثالث في علم الغيب مع بداية تشكل أعضاء الجسم من تعب الخلايا. فعلوم الاجتماع بدأت تهتم  بالعمر الرابع والذي يبدأ في سن 80 (بالتقويم الشمسي).

وهكذا نهمس في أذن كل من عاش عمرين بالمفهوم البيولوجي، للقول بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة على أمل عيش العمر الرابع حتى تحقيق مشاريعه الفكرية والاجتماعية والوطنية ولما الإنسانية.

لقد شرحت لابنتي اليافعة والطالبة، أنه في سن 65 الشمسية وكأننا نلعب الدقيقة الثمانين في مباراة لكرة القدم فإما أن تكون منهزما فتستعجل الدقائق المتبقية لتعديل الكفة أو البحث عن انتصار صعب المنال، أو أن تكون منتصرا وتدبر الدقائق العشر في الحفاظ على  تقدمك مع الحذر من تلقي أهداف قاتلة في الأنفاس الأخيرة. فكان ردها زارعا الأمل، بكون الدقيقة الـ80 لا تبدأ إلا في سن 75سنة شمسية. لكن العمر كما قال يقطين يوم مضى ويوم يأتي وفي انتظار الذي يأتي والذي لا يأتي، لا يجب التفريط في أي لحظة من لحظات من العمر ولو كان ثالثا فالحلم بدأ هناك ولن ينتهي هنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.