أحمد الغيتي يكتب: في بلاد العجائب

- الإعلانات -

العجيب هو تكسير المألوف وتحقيق  ما لا يمكن تحقيقه. الابتكار الذي يقيم علاقات غير متوقعة وغير ممكنة بين الأشياء والمكونات بناءا على خيال عفوي قريب من السذاجة، يهدف إلى الخلاص من قهر داخلي أو تحقيق متعة فنية.

في هذا السياق يتم الحديث عن الأدب العجائبي، سينمائيا أغلب الروايات العجائبية حولت إلى أفلام كارطونية أو رسوم متحركة لطبيعة تجاوز الممكن واختراق المستحيل.

عرفت السينما المغربية إنتاج فيلم بلاد العجائب سنة 2017 للمخرجة جيهان البحار، وهو من بطولة عزيز داداس وماجدولين الادريسي  و نجوم آخرون.

اتخذ الفيلم منهجية العجائبية في الحكي، وجعل انطلاقته هي أحلام بطلة كارطونية، ليتحول إلى استغوار بلاد المغرب عبر فيلم مدته تقارب المئة دقيقة، بأسلوب تشويقي، ففي قالب كوميدي  لا بد من رحلة اضطرارية لاكتشاف العجائب النسبية بين جهتين أو وضعيتين  في تقابل غير متكامل.

قبل انطلاق الرحلة نكتشف عجائب الفئة العليا حيث تتجسد الأنانية والغطرسة في أوضح تجلياتها المتولدة عن ثراء فاحش.

فرغم وفاة الزوج لا تتوقف البطلة ليلى (ماجدولين الإدريسي) عن ممارسة الرياضة، تتفادى كل أسباب الاكتئاب.

العجائبية تتجسد في كون سيدة تتنفع بثراء زوجها وفي نفس الوقت تشكك في مشروعية مصدره. العجائبية ترغم الزوجة على الانتقال إلى منطقة نائية للعودة بجثة الزوج المتوفى في دائرته البرلمانية.

وبكيمياء فرجوية كوميدية لابد من إقحام عبد الرحيم (عزيز داداس)، ومعه الثنائي عائشة(فدوى طالب) وحسن(مالك أخميس)، لتنطلق الرحلة المغامرة على متن سيارة نقل الموتى.

فالغرائبية والعجائبية لا تكتمل إلا بالمزج بين المضحك والمبكي.

 بعد الحصول على الجثة تتوقف السيارة نتيجة عطب في مكان مقفر تنعدم فيه كل وسائل المواصلات والإسعاف والإنجاد. 

نحن أمام أول عجائب البلد وهي انعدام أي وسيلة لفك العزلة عن مناطق نائية في جبال الأطلس. تبدأ المغامرة مع التأكد من انعدام أي وسيلة للخروج من المأزق. الاضطرار إلى البقاء في المنطقة  ليستمر الحكي بصور من عالم المغرب الآخر أو المغرب المهمش. 

سيدة حامل تعرض ضيافتها واقتسام بيتها ومأكلها البسيطين على من تقطعت بهم حبال الطريق، فالكرم وحسن الضيافة أحد السمات المناطق المعزولة،  الشيء غير المألوف لدى سكان المدن مما يزيد في عدد العجائب. 

تحتفظ ليلى بكبريائها، فكيف لسيدة تتملك فيلا فاخرة ان تقتسم بيت بسيطا مع أغنام في حين استطاعت عائشة التأقلم والمساهمة في الرفع من معانة اطفال ايطو (هدى صدقي).

وفي بيت تنعدم فيه كل وسائل الراحة، إلى جانب برودة الطقس وقساوتها. فالعجائبية لا تنحصر في التجهيز بل في تناقضات الإنسان. تستمر المغامرة مع انعدام وسيلة إنهاء الوضع. 

ليستمر أمام وعود عبد الرحيم الخيالية  والتي للاستهلاك التنويمي التسويفي.

 وتستمر المغامرة في اكتشاف عجائبية الإنسان والطبيعة. فإذا كانت الطبيعة تقسو بمناخها البارد، فالإنسان يقسو بتسلطه وعنفه ضد أخيه ويحول حاجته في مواجهة الطبيعة للاغتناء وبطرق خارجة عن القانون،وهذا أحد أوجه العجائب في بلد الحق والقانون.

 فيحتكر إبراهيم (محمد الشوبي) عن طريق اتباعه تجارة حطب التدفئة  ويرفع أسعارها إلى مستويات لا ترحم. لا نتكشف قسوة الحياة فقط هنا، فكذلك بساطة العيش التي تولد أحد العجائب والمتمثلة في السعادة التي تخيم على الأسرة الأطلسية، إذ يكفي حطب ومدفأة في ليلة قارسية، ليخلق دوا من الرضا والطمأنينة على قلوب أفراد أسرة بسيطة، انضافت إليها الروح المرحة لعائشة والظل الخفيف لحسن.

يستمر الفيلم في التعريف بأوضاع الإنسان في منطقة نائية، بسرد لا يخلو من فنية وجمالية.

عجائب المنطقة والتي ما هي إلا تشخيص لأوضاع اجتماعية تنموية، كانعدام وسائل النقل وفك العزلة – انعدام الماء والكهرباء-توفير وسائل التدفئة وإبعادها عن المتاجرة غير المشروعة- توفير مستشفى – توفير مدرسين وليس مدرسة بدون مدرسين- محاربة الهدر المدرسي.

كما أن التعليم يساعد على التواصل خارج لغة المنطقة، نموذج ايطو التي درست إلى حدود الإعدادي، إلى جانب الاهتمام بالشباب من مختلف الجنسين في منطقة يعيش شبابها حب رميو و جولييت دون معرفة بشكسبير ولا مسرحيته عكس مترفي المدينة  الدين لا يعرفون من الحب إلا عناوين  المسرحيات.

فالعجائب لا تنحصر في جوانبها المعيقة للحياة بل في جوانبها المفتقدة من طرف الطبقة الميسورة في الجزء الآخر، فحب الزوجة لزوجها والوقوف إلى جانبه في مواجهة الحياة مما يجعل ليلى ترى فيه عجبا  لأنه يتم دون معرفة لا بروميو ولا بجولييت .

تحضر إلى جانب العجائب القاهرة،  الجمالية العذراء للطبيعة، فالبادية لا تخلو من جمال طبيعي بشمس ترسل أشعة تعكس روعة منظرها في جمال الطبيعة وهدوئها واشراقة شمسها الجميلة والتي أجاد المصور في الاغراء بها.

اكتشاف العجائب لدى الإنسان في ظروف قاسية يولد لدينا بروز الجانب  الخير المستور فينا، هكذا وبعيدا عن التصنع والطرح الأناني للطبقة العليا يستطيع كل واحد منا مساعدة الآخر في ضروريات الحياة، حلب بقرة، جلب الماء، تحضير ملابس الأطفال. أمام هذه الوضعية المكتشفة يمكن الإيحاء أن المدينة يجب أن لا تشكل حلما كما جاء على لسان ليلى “المدينة ما بقى فيها والو” مخاطبة ايطو وابنتها، لكن فيها الماء والخدمة أما مدخول القرية لا يفي حتى لتغطية تكاليف التدفئة مما يضطر فيه الرجال للهجرة مثل زوج ايطو وحلم زوج ابنتها. 

ينتفي  دلك أمام أكبر تحد وهو الحاجة إلى نقل ايطو إلى مستشفى من أجل الوضع وهذه أحد أكبر عجائب ومعضلا ت المغرب الجديد، والتي من عجائبه غياب ظروف ولادة عادية لغياب وسائل النقل والتنقل وبعد المستشفى، مما اضطر معه الضيوف إلى التحول إلى مسعفين وممرضين ومساهمين في التوليد.

تتعقد الوضعية بموت إيطو ومرض الرضيعة، والعجب والغرابة لم تتوقف عند هذا الحد. فإبراهيم لا يتبرع بجراره لانقاذ من هم في حاجة ماسة إليه، إلا بعد الانقلاب على إبراهيم وثورة المغامرين لاستغلال الامكانيات لمساعدة الساكنة في التنقل إلى المستشفى المغلق لعطلته الاسبوعية، وهو عجب عجاب. تتحول ليلى إلى منقدة اجتماعية بفضل ملكها لسلاح المال والذي يفتح طريقا في البحر.

تنهي الرحلة بإيجاد سيارة إنجاد لتجرها إلى السماء بطريقة الرسوم المتحركة لتنهي الرحلة العجائبية.

فالسماء هو أعلى موقع الرسل والملائكة في إشارة واضحة لفريق ليلى.  . انتهى الحكي المشوق لكن هل يكفي إرسال الرسائل دون إيجاد الحلول؟

السناريو قرر إرسال خطاب أهم وأكبر، معتمدا على حوار إبداعي على هامش الرحلة التجربة، مفاده أن المسؤولية وانطلاقا من وصفة عجائبية كارتونية يتحملها المجتمع المدني بخلق جمعية تعيش التجربة لا تحكيها.

فيلم بلاد العجائب هل كسر فعلا المألوف؟ وتحدى الحقيقة، ليرسل رسالة إلى المواطن قبل المسؤول. فالطبيعي هو الانطواء والانغماس في أجوائنا العليا البعيدة عن الإنسان في معاناته على أرض الواقع. 

رغم المباشرة في البناء السردي فالفيلم غني بالرمزية والدلالات،  فموت البرلماني سعيد  يشير إلى موت السياسي في البلاد لعدم جدواه، حيث لم يستطع ضمان عودة جثته إلى موقع تواجد ثروته، التضامن  الاجتماعي والتآزر المدني هو البديل الواقعي لكنه لا زال في عداد العجائب.

اكتشاف الآخر يدفع لاكتشاف الذات في قدراتها الإيجابية فعلى اختلاف مستوياتنا المادية والنفسية نستطيع المساهمة بفعالية في تحسين أوضاع المجمتع، فانخراط ليلى إلى جانب عائشة وسعيد وعبد الرحيم لم يترك أثرا للوحشة وقسوة الطبيعة والانسان، وأي فرصة للتيئيس والإحباط. الإيمان بالقدرات على تحدي الصعاب لا يجب أن يتوقف في أي لحظة كما جاء على لسان حسن مخاطبا عبد الرحيم لتتحول العزيمة إلى نصر.

تقديم كل هده الصور الخطابية ببساطة وسلاسة يسير في اتجاه أن الإنسان وفي جميع الظروف لا يعيش بدون ترفيه وفرح فتم تقديم الحدوثة في قالب هزلي وغنائي أجاد في تشخيصه كل من عبد الرحيم وعائشة.

جسد الفيلم دعوة للتضامن بين الأثرياء وبين إخوتهم في المناطق النائية بتفاؤل مفرط، وأن من شأن تحويل بضع ثروات الطبقات العليا المستحوذة على خيرات البلاد إلى الفقراء بإمكانها المساهمة  في إخراج البلاد  من عجائبياتها.

من الناحية الدرامية  فمن الأجدى الاكتفاء بإرسال فريق تحدي الطبيعة والإنسان إلى السماء وترك المشاهد المواطن فرصة التفكير  في الوضع وتداعياته المستقبلية بعيدا عن فرض حل يتجلى في خلق جمعية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، مما يلغي تحمل المجتمع السياسي، الجماعات الترابية  والمنتخبين في جعل المناطق النائية لمسؤولياته هو في الأصل خلق لحل مشاكلها وتدبيرها.

 من الناحية التقنية السيناريو كان متقونا إلى حد بعيد مما سهل عملية الإخراج. اما المونتاج فكان حرفيا مما سهل عملية الانتقال بين مختلف المشاهد رغم تناقضاتها أحيانا وتكاملاتها أحيانا.

منتهى القول فيلم يجمع بين المتعة الفنية والخلاص الفكري في متناول المشاهد على مختلف مستوياته.  

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.