شهادة.. أحمد الطالبي: كيف دُبِّرَت المؤامرة الانفصالية للبوليساريو ليلا؟

- الإعلانات -

يروي أحمد الطالبي  المعتقل السياسي السابق والمناضل في صفوف الاختيار الثوري المغربي، تفاصيل الصراع المرير مع النظام الجزائري من أجل استقلالية القرار السياسي للمعارضة المغربية بالجزائر، وخاصة الموقف من وحدتنا الترابية، الذي دفع أحمد الطالبي ثمنه غاليا باعتقاله لمدة سنوات بسجن “البرواكية” السيء الذكر، ثم الإقامة الجبرية، وتفاصيل أخرى عن كيفية تشكل العلاقة بين البوليساريو وليبيا ثم الجزائر، وهي جزء من مذكرات الكاتب التي يعكف الآن على إنجازها.

أحمد الطالبي

ترسخت علاقاتي بأهل الصحراء قبل مرحلة تجربة النضال السياسي، وهنا يمكن العودة إلى بيت الجد الذي نشأت فيه بمنطقة المعذر نواحي مدينة تيزنيت، وهو بيت محمد بن مسعود الطالبي المعذري، من علماء سوس، عالم وأديب ومتصوف، أصدرت حوله وزارة الأوقاف أخيرا كتابا يحمل نفس الاسم، وكان هذا البيت ملتقى مع زاوية سي سعيد أوهمو، والتي هي بجانبه. ويعتبر هذا الأخير مؤسسا للطريقة الدرقاوي في الجنوب، كما كان يشكل هذا المكان فضاء روحيا وعلميا للحاج علي الدرقاوي والد المختار السوسي، هذا الأخير كان هو أيضا يجلس في ركن من أركانه إبان تحضيره لكتبه كالمعسول وسوس العالمة، وهنا كان مجلسه مع الشاعر لحسن بولعماني الذي هو عمنا محمد بن مسعود المعذري، كانت له خصوصية في كونه كان أستاذا بمدرسة بونعمان، وقرى أخرى شكلت ثلاثية، وهي المعذر وإليغ وبونعمان، والمصطلح عليها بزوايا بونعمان. إذن الجد الأعلى كان بمدرسة بونعمان ومحمد بنسعيد أيت إدار المعذري كان يدرس لفترة طويلة بمدرسة بونعمان.

وتتحدث المصادر التاريخية بأن الطلبة الذين كان يدرسهم محمد بن مسعود، ينحدرون من منطقة سوس بالإضافة إلى الطلبة الصحراويين. وفي بونعمان سيتم له لقاء كذلك مع الشيخ ماء العينين، وسيتبادلان قصائد شعرية. وأشير كذلك إلى أن الجد الأعلى الذي هو مسعود بن محمد المعذري كان من الأصدقاء الحميمين للجد الأعلى لإبراهيم بصير الشاب الذي سيؤسس فيما بعد الحزب المسلم بالصحراء، وكانوا يفضون النزاعات والمصالحة بين القبائل في مرحلة السيبة.

 كما كان الشيوخ وكذا الشعراء الصحراويون في علاقة دائمة ومستمرة مع المختار السوسي، وقد تبادلوا فيما بينهم قصائد شعرية طويلة.. وبالمناسبة فكتاب “مفيد الحاضرة والبادية” للشيخ ماء العينين، هو من جملة الكتب التي أهديت لجدي ومطبوع بالمطبعة الحجرية الفاسية، وهناك كتب أخرى بخزانتنا إلى جانب بعض المخطوطات.

إن العلاقة التي ظلت تربطنا مع الصحراويين هي علاقة عادية، كما أن جيش التحرير كان له هو الآخر اهتمام بأبناء الصحراء، خاصة بعد أن توقفت معاركه في الجنوب المغربي، وكثير من القادة والشهود الذين لازالوا على قيد الحياة كبوزاليم من مدينة أكادير الذي يتميز بذاكرة موسوعية، حين يتحدث عن المعارك التي خاضها جيش التحرير بالصحراء، أما الأموات منهم خاصة إبراهيم التيزنيتي الذي كان منفيا وعاش عدة معارك من أجل تحرير الصحراء. وهناك أيضا من هذه المنطقة والذي لا يذكره أحد، العربي بناجم الظريف وهو من كبار المقاومين ومن كبار قادة جيش التحرير.

 فهده العلاقة كانت على مستويين، على المستوى الثقافي والعلمي والتي لها أهميتها، ثم الجانب السياسي، وحين أتكلم عن الثقافي العلمي أعطي نموذجا لذلك ببن سعيد أيت إيدر الذي كان يدرس بمدرسة سيد بوعبدلي كطالب، ليأخذه بعدها المختار السوسي إلى مراكش إلى جانب الكثير من الطلبة السوسيين، والذين التحق أغلبهم فيما بعد بالمقاومة أو الجيش الملكي، أخي المرحوم طالب بن مسعود وهو حاصل على الشهادة السادسة قبل بداية الاستقلال اختاره هو أيضا المختار السوسي لمتابعة دراسته بمراكش.

 إذن عندما توقفت معارك جيش التحرير بالجنوب، اهتمت الحركة الوطنية والمقاومين وأعضاء جيش التحرير كثيرا بأبناء جيش التحرير، من أجل متابعة دراستهم بعدة مراكز، ومن ضمنها مركز معهد تارودانت، والذي عايشت فيه عن كتب المناضلين  الصحراويين بما فيهم مصطفي الوالي الذي كان يدرس بمعهد تارودانت، الذي أسسه المختار السوسي بمساعدة لحسن بولعماني الباشا السابق على أكادير وهو عالم وشاعر، وتم ذلك أيضا بمساعدة المقاومين وجمعية علماء سوس ومنهم صاحب الفكرة العدوي والد السيدة زينب العدوي، وعمر الساحلي من كبار المقاومين والذي كان يشغل مديرا للمعهد الذي تم تأسيسه لإنقاد أبناء سوس وإدماجهم في التعليم العصري وإلى جانبهم طبعا الطلبة الصحراويون، هؤلاء فتح لهم مجال آخر في حي الرميلة بالزاوية الدرقاوية، ومن بين الطلبة الذين يقطنون معي إبراهيم بصير وكان يتردد علينا بعض الطلبة أغلبهم الآن بجبهة البوليساريو لأنهم كانوا يدرسون بمراكش.

فيما يتعلق بمصطفي الوالي، فإن هذا الأخير سيقود إضرابا بمعهد تارودانت في فترة الستينات، وهذا الإضراب كان موجها من الناحية السياسية من طرف حزب الاستقلال وصحافة حزب الاستقلال وخاصة جريدة العلم، وكانت كلها تعمل على مواجهة التيار الاتحادي وتيار جريدة التحرير آنذاك، مصطفي الوالي ومن شاركوا معه في الإضراب، سيطردون رسميا من معهد تارودانت، وأتذكر أنه كان من بينهم الصديق الإعلامي أحمد احميمو، وتبعا لملفاتهم لم يتم السماح لهم بالدراسة، وسينتقلون نحو الدار البيضاء والرباط.

الرئيس الجزائري الأسبق بومدين ومؤسس البوليساريو مصطفى الوالي السيد

أبناء المقاومين من الطلبة الصحراويين، سيفسح لهم المجال أيضا لمتابعة دراستهم في الدار البيضاء، وسيتوفر لهم محل سكني خاص بهم في دار تسمى دار التوازني، وهي عبارة عن عمارة كبيرة وفرت فيها الحركة الوطنية كل شروط الاستقبال. سينظم هؤلاء الطلبة الصحراويون في بداية السبعينات مظاهرات في مدينة طانطان، وأخرى بمدينة طرفاية وسيتم اعتقالهم وممارسة التعذيب عليهم من طرف الجنرال أوفقير وقتها، نحن الآن نتكلم على سنوات الرصاص.

بصير اختطف من طرف  سلطات الاستعمار الاسبانية بعد التحاقه بالصحراء وتأسيسه لحزب المسلم، وسيتم اعتقاله واختفائه، وإلى يومنا هذا لا يعرف له أثر، بينما مصطفي الوالي ورفاقه سيتوجهون إلى الرباط والدار البيضاء لمقابلة  أطراف الحركة الوطنية  للمطالبة بدعمهم من أجل مواصلة النضال ضد الاستعمار الإسباني، ولم يكن واردا لديهم شيء اسمه الانفصال، في هذه الفترة سيتم الاتصال بحزب الاستقلال في شخص علال الفاسي، الذي قال لهم نحن مستعدون لمساعدتكم، أنتم ناضلوا لكن حين تحل مرحلة التفاوض سنكون نحن جاهزين لها، كما وقع الاتصال بعلي يعته عن حزب التقدم والاشتراكية وكذلك عبد الرحيم بوعبيد، غير أن الطرف الاتحادي كان أذكى، لأن هؤلاء كانوا يطلبون من الحكومة المغربية مدهم بالسلاح من أجل مقاومة الاستعمار الاسباني، والحكومة المغربية لم تكن مستعدة للسير في هذا الطريق، والأحزاب كذلك لم تكن مستعدة لتبني الكفاح المسلح، وهنا ستأتي قصة ارتباط الوالي بالمنفى، فلما وقع الاتصال بعبد الرحيم بوعبيد سيحيلهم على محمد الخصاصي، وسيعقدون مقابلة أيضا مع محمد اليازغي. الذي كان آنذاك منسقا للاتحاد الوطني للقوات الشعبية مع المنفيين بالخارج، كعبد الرحمن اليوسفي والفقيه البصري وآخرين. وما بين الداخل والخارج كانت قناة الاتصال التنظيمية هي اليازغي ومحمد الخصاصي، محمد الخصاصي سيسلم للوالي رسالة وسيسافر هذا الأخير إلى باريس  لعقد لقاء مع المعارضة المغربية التي كانت لديها فكرة تبني الكفاح المسلح لتغيير الوضع بالمغرب، وبالتالي يمكنهم أن يساندوا الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب لمواجهة الاستعمار الاسباني، بعدها سيتم توجيه مصطفي الوالي نحو الجزائر و بالضبط نحو وهران  للاتصال بالمقاومين وبالتنظيم الحزبي الذي كان يشتغل في إطار التنظيم السري، والاستعداد مستقبلا لخوض العمل المسلح، ومن المصادفات الغريبة، فإن أول شخص سيفتح الباب للوالي مصطفي هي زوجتي حسب ما حكت لي، لأنه في ذلك الوقت كنا لم نتزوج بعد، لأن بيت الحسين الخضار كان هو بيت المقاومين، بيت المنفيين، بيت الناس الذين يردون من خارج الجزائر كضيوف على الحزب، وسيتم استقبال مصطفي الوالي الذي مكث عدة أيام في بيت الحسين الخضار، حينها نظم له لقاء خاص مع شخصيتين هامتين، الأول هو محمد بنونة مهندس كهرباء من عائلة المهدي بنبركة كان مسؤولا في منظمة  التضامن الإفريقي الآسيوي، وهو من بين المناضلين الذين استشهدوا في أحداث 3 مارس، فهو من قاد مجموعة من المناضلين في إطار العمل المسلح  في كلميمة وتمت تصفيته هناك، محمد بنونة صديق حميم رحمه الله، كان مطلعا وله تكوين نظري جد عالي ومطلع على تجارب الكثير من الشعوب. حيث لما اجتمعنا معه خلال التحضير لحركة 3 مارس المسلحة في إطار إعداد برنامج الثورة، كان بنونة مطلعا على التجربة الفيتنامية والتجربة الكوبية وغيرها، ليس فقط من الناحية النظرية بل عبر احتكاك مباشر مع هذه التجارب في إطار منظمة التضامن الإفريقي الأسيوي.

 وسيلتقي الوالي، أيضا مع شخص أخر وهذه مفاجأة أخرى، إنه إبراهيم التزنيتي المعروف بالنمري، لما التقى بهم الوالي، أصيب بالدهشة أو الدوخة، فهم لم يقدموا له أنفسهم بأسمائهم الحقيقة، وسيستغرب لأنه وجد إبراهيم التيزنيتي يتحدث عن الصحراء كما يتحدث عن أصابع يديه، لأنه كان قائدا أساسيا في جيش التحرير في إطار تحرير الصحراء المغربية، بل إن الرجل أيضا كان مسؤولا على المحاسبة ومسؤولا عن تموين جيش التحرير، وله علاقة بكل القبائل وبكل الشيوخ.

جريدة الاختيار الثوري عدد أكتوبر 1977

 الوالي فوجئ بلقائه بشخصيات من هذا العيار الثقيل، لينسق معها في إطار تحرير الصحراء، وسيتمحور النقاش حول سياق أن المناضلين في داخل المغرب والذين هم في مواجهة التعسف وانعدام الديمقراطية سيناضلون من موقعهم، والمناضلين الصحراويين سيتم دعمهم من طرف المناضلين الاتحاديين في إطار مواجهة الاستعمار الاسباني بالعنف. هكذا سيتم أول لقاء نوعي ولم يكن هناك أي حديث عن انفصال ولم يكن أي حديث عن نزوع ذاتي إقليمي، بما أن هؤلاء الناس لديهم تجربة كبيرة طلبوا من الوالي أن يقدم لهم شيئا مكتوبا، وسيقدم مذكرة مطولة في الموضوع نشرناها فيما بعد في جريدة الاختيار الثوري، وأصدرناها في الخارج وأنا الذي سميتها بالاختيار الثوري، نشرنا المذكرة في عدة حلقات تتضمن الوضعية في الصحراء، الوضعية من الناحية التاريخية وعلاقتها بالمخزن و بالملوك المغاربة، و تحدثت كذلك عن الفترة الاستعمارية وعن اتفاقية الجزيرة الخضراء والاتفاقيات الأخرى، التي تم فيها تقسيم دولي للمغرب طنجة، الصحراء، سيدي إفني، الداخل الذي استولت عليه فرنسا، وركز كذلك على الاهتمام الألماني بسوس  جنوبا  وبالصحراء خاصة، و كانت هناك شائعة بأن احمد الهبة كان  يتلقى مساعدات عسكرية من طرف الألمانيين عن طريق البحر، فالمذكرة تضمنت كل هذا، ولم ترد فيها كلمة واحدة عن المطالبة بالاستقلال كلها ركزت على محاربة الاستعمار الاسباني.

بعد هذا اللقاء، أذكر أنه سيتم لقاء أيضا ما بين الوالي مصطفى والفقيه البصري، وكان النضال المغربي في ذلك الوقت في أوجه، والوالي نفسه احتك مع مجموعة من أطرف الحركة الوطنية والتقدمية في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، كما أن هذه الفترة عرفت تشكل فصيلين جديدين، ما بين سنتي 1970 و1971، حينها كان الوالي طالبا في كلية الحقوق. إذن فالنقاش مع هؤلاء الإخوة كان نقاشا مع طرف من أطراف الحركة الوطنية المغربية.

سيتوجه الوالي إلى طرابلس وسيتم استقباله من طرف المسؤول آنذاك عن التنظيم الحزبي، إبراهيم أوشلح وسيصحبه إلى فندق البريد الذي كان يملكه أحد أصدقاء التنظيم من تونس سي الحبيب، هناك سيبقى مدة وهو ينتظر اللقاء والحصول على المساعدة، سيتدخل له هناك لدى مجلس الثورة في شخص عبد المنعم الهوني العضو بالمجلس ذاته، وفيما بعد سينفصل الهوني عن النظام وسيصبح منفيا في القاهرة، وقد كانت تربطه علاقة وثيقة مع الفقيه البصري ومع التنظيمات السرية التابعة للاتحاد الوطني والقوات الشعبية، فتم مده بالأسلحة الأولى عن طريق التنظيم الحزبي لأنه عومل كطرف من أطراف التنظيم الحزبي وليس كطرف مستقل، وسيعود إلى الجزائر، وصادفت هذه الفترة تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب التي عقدت في منطقة توجد ما بين موريتانيا والصحراء، كما ستصادف هذه الفترة أيضا الانتفاضة المسلحة بالمغرب سنة 1973 المعروفة بـ 3 مارس، مرحلة كانت صعبة داخل المغرب. وأغلب المناضلين بمن فيهم بنونة وابراهيم التزنيتي الذين تحدث عنهم سالفا كلهم التحقوا بالجبال ومناطق أخرى في إطار العمل المسلح داخل المغرب، بعض الإخوان الذين كانوا ضمن التنظيم السري داخل المغرب سيلتحقون بالخارج، وبالجزائر خاصة. هنا سيعقد لقاء آخر ما بين مصطفى الوالي وما بين الشباب الجدد الذين كان من ضمنهم الأخ المرحوم عبد الغني بوستة السرايري، إذن فأول آلة كاتبة سيحصل عليها مصطفي الوالي ستتم عن طريق بوستة (عضو الكتابة الوطنية لحزب الطليعة لاحقا)، وأول مساعدة مالية 2 مليون فرنك فرنسي ستسلم من طرف الأخ عبد الغني بوستة كذلك لمصطفى الوالي، هذه أول مساعدة يتلقاها هؤلاء الإخوة الصحراويون.

وللتذكير فالوالي يتضايق بتواجده في الجزائر أكثر من تواجده في ليبيا. وهناك أمر لا يعرفه الكثيرون كنت قد أدليت به في استجواب سابق حكيت فيه بالتفاصيل ومصدر هاته المعطيات استقيتها من الرفيق عبد الغني بوستة نفسه، فلما تم اعتقالي في الجزائر وتدخل  البوليساريو لأجل إطلاق سراحي مع أنهم يعرفون موقفي أن الصحراء مغربية، أخبرني بوستة أنه تم اعتقال مصطفي الوالي بالجزائر ذات مرة بسلاحه، فتم سجنه وعذب أبشع تعذيب، تبعا لرواية أفاده بها البشير مصطفي السيد الذي كان أنداك يتصل بعبد الغني بوستة ويخبره بأن “هذه القضية التي وقعت لأحمد الطالبي ليست الأولى من نوعها، فقد سبق ووقعت للوالي، إنه دخل إلى السجن رجلا طويلا وخرج مقوس الظهر”. وهكذا سأخرج أيضا من سجن “البورواكية.

إبان اعتقال مصطفى الوالي سيكتشف الجزائريون أن الشخص الذي يعذبونه والذين ألقوا عليه القبض، من ورائه تنظيم صحراوي كبير، فقرروا الاحتفاظ به، وفتحوا الحوار مع تنظيمه، كأنهم وجدوا تنظيما قويا داخل الصحراء فاحتفظوا به كما أرادوا الاحتفاظ بي فيما بعد، حيث قضيت بعد مرحلة السجن عدة سنوات تحت الإقامة الجبرية بالجزائر. هكذا تمت العلاقة مع مصطفى الوالي تحت الضغط وتحت التعذيب، وستصبح العلاقات عادية… إلى أن تم اغتياله في ظروف غامضة. 

في السياق ذاته أريد أن أفتح قوسا، وأنا أتذكر خلال تجربتي بالجزائر بعض الجلسات التي حضر فيها كل من أحمد دراية مدير الأمن الجزائري وسي محمد الميلي الذي كان مديرا لوكالة الأنباء الجزائرية، وحضر فيها بالضبط الراحل باهي محمد الذي كان اقترح عليه أن يؤسس تنظيما صحراويا سيكون مدعوما من طرف الجزائر، لكنه رفض وقد كتب في مذكراته عن هذا الموضوع من خلال جريدة الاتحاد الاشتراكي.

عطفا على ما سبق، سيقوم الوالي بزيارة لليبيا من جديد، ومن خلال علاقاته في ليبيا سيرتبط مباشرة مع النظام الليبي، ففي البداية تعامل معه الإخوة كطرف في التنظيم وسيتم تقديمه للجهات الليبية كمناضل في إطار الحركة وليس في إطار تنظيم مستقل، ففي هذه الفترة ستذاع مذكرة الوالي مصطفى في إذاعة صوت التحرير الموجهة للمغرب من ليبيا على عدة حلقات، على غرار برامج كان يتم إعدادها في بعض المناسبات، كذكرى حل وتصفية جيش التحرير بالجنوب، أو ذكرى احتلال سبتة ومليلية والجزر الجعفرية، كما كانت تذاع برامج تتناول قضية الصحراء المغربية من خلال إذاعة صوت التحرير لمساندة نضال المناطق المحتلة في الجنوب، هنا سيتعرف الوالي مصطفى على شخص يقول إن أصله من الساقية الحمراء وله نفوذ عند القذافي، اسمه الكشاط فعن طريقه سيرتبط بقناة أخرى، لأن الفقيه البصري كان مرتبطا بليبيا عبر جهاز أمن المخابرات، وكما تعلمون في كل دولة هناك مخابرات عسكرية، مخابرات أمنية، وفي نفس الوقت تكون الأطراف والمؤسسات السياسية منحازة لجهة من الجهات المخابراتية وتشتغل لحسابها، لكنها في النهاية تصب وتلتقي كلها عند القذافي، وهكذا لن يذهب عن طريق عبد المنعم الهوني عضو مجلس الثورة الذي كان في فترة من الفترات وزيرا للداخلية أو عن طريق الأمن الذي كان يديره عبد الرحمن الشيبي، لكنه سيرتبط مباشرة بعبد السلام جلود وهذا الأخير كانت له خلافات قوية مع الفقيه البصري لأن كل جهاز يحب شخصية معينة تشتغل معه. 

الفقيه البصري كانت له نقاشات طويلة مع عمر الحمدي الذي كان واجهة سياسية لجهة جلود، وكان قريبا من جمعة الفزاني الذي يعتبر مفكرا قوميا واعتبروه كذلك مؤسسا معهم، لكنه تخلى عنهم، فأصبح الفقيه البصري يحاربهم وأصبحوا يحاربونه، فارتبط الوالي بالقناة التي تحارب الفقيه البصري وأبعد بشكل نهائي عن تنظيماتنا الحزبية.

بالنسبة للجزائر كانت ملجأ أساسيا للمنفيين المغاربة، لسبب بسيط جدا، هو أنه عندما تقطع الحدود “جوج بغال”، ها أنت في الجزائر وها أنت في أمان، في فتر ة القمع التي كانت في المغرب سواء بعد أحداث سنة 1973 وفي أحداث أخرى سابقة، كان المفر الوحيد للمناضلين المغاربة هو الجزائر ولهذا كان هناك ثقل، فأغلبهم من المقاومين كإبراهيم التزنيتي، الحسين الخضار، أومدا، حمو عبد العليم، مولاي عبد الله الفيلالي، حسن العتابي، زيد واحماد.. وعدد كبير من المقاومين القدامى بنحمو بنفسه الذي كان قائدا كبيرا في جيش التحرير، المالكي جنحى، الذي أنقد بومدين من الموت في حادث الباخرة دنيا.. كلهم كان منحاهم هو الجزائر، ولما جاءت قضية الصحراء أتيحت لي فرصة أخذ إحدى المبادرات، وكان لي الشرف بالعمل عليها، فلما وصلت قضية الصحراء إلى ذروتها، اتخذت مبادرة لأجل خلق تقارب بين الفقيه البصري وبن سعيد أيت إيدر، اللذان كانت بينهما خلافات حادة، وتمت المصالحة، وكان هناك تنظيمان، الأول عرف بالاختيار الثوري والثاني عرف بـ 23 مارس، وبما أن التنظيمين التقيا في عدة مواقف سياسية من النظام آنذاك وحول قضية الصحراء التي كنا نجمع على مغربيتها، سنجمع الشمل بين الزعيمين ونقوم بأول مبادرة بالتنسيق بين الطرفين، وهي إصدار بيان لقداماء المقاومين وجيش التحرير ينص على مغربية الصحراء، ومن سيوقع عليه؟ طبعا كانت أغلب التوقيعات من طرف المنفيين بالجزائر والذين كان لديهم موقف من النظام ويربطون بين السيادة الوطنية والسيادة الشعبية، بمعني أنه لا يمكن أن نتكلم عن  تحرر الصحراء دون أن تسود الديمقراطية داخل البلاد، كما لا يمكن أن تحرر الصحراء بمفهومها المخزني والمعتقلون في السجون، نقطة أخرى في الموضوع تتعلق بإقليم الداخلة، ففي ذلك الزمن طرح تقسيم الصحراء ما بين موريطانيا والمغرب، بإدراج جهة الداخلة تحت السيادة الموريطانية، تبعا للتقسيم الذي تم في السفارة الأمريكية بمدريد، فهناك سيوقع الاتفاق البروتوكولي لتقسيم الصحراء، والذي تم رفضه من طرف المقاومين من خلال نص البيان ذاته، ودار الزمن ليصبح التقسيم غير وارد.

بخصوص البيان المشار إليه، أذكر أنني تكفلت شخصيا صحبة سي محمد التوزاني بالاتصال بجميع المقاومين في الجزائر وأوربا، بمن فيهم المرحوم الفقيه الفكيكي أحد المؤسسين الكبار للحركة الوطنية المغربية والحسين الخضار وكل المقاومين الموقعين على البيان، ولدي نسخة منه. وفي ذلك الوقت ستثار ضجة لأن البيان صدر من الجزائر، حيث ساد اللبس عن ماذا سيكون موقف المقاومين، فحتى فرع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في الجزائر أصدر هو الآخر بيانا يؤكد فيه على مغربية الصحراء من قلب الجزائر، البيان نشرته الصحافة الجزائرية دون أن تذكر أن الصحراء مغربية حيث وقفت عند ويل للمصلينّ، كما نشرته جريدة لومانيتي الفرنسية وجريدة لوموند، وكتب علي يعته على إثر البيان افتتاحية خاصة، البيان وزعته أنا والتوزاني على جميع المقاومين لوضع التعديلات، وكان التحرير النهائي للمقاوم الشهيد عبد الفتاح سباطة فهو من قام بالصياغة النهائية، وأشير هنا إلى أن سباطة كان مقاوما وتعرض للمحاكمة إبان الاستعمار الفرنسي وهو لم يبلغ بعد سن الرشد (17 سنة) في فترة الاستعمار.  نقطة أخرى متعلقة بالبيان، وجبت الإشارة أن الإعلان عنه بعقد ندوة صحفية حضرها جميع المقاومين بالجزائر، ولا زلت أحتفظ بتسجيلات لمداخلاتهم في شريط صوتي “كاسيت”، يشرحون فيه مواقفهم من قضية الصحراء ويتحدثون عن مراحل تحريرها.

مواقفنا المتعلقة بقضية الصحراء ظلت تشكل إحراجا للسلطات الجزائرية، والتي كانت في حاجة لأطراف من المعارضة تكون بجانبها، لكن شريطة استعمالها فقط كورقة ضد النظام المغربي، لكن هؤلاء المناضلين ظلوا متمسكين بوطنيتهم واستقلالية قراراتهم وسأسوق لكم بعض الأمثلة في ذلك.

فخلال هاته المرحلة كانت للإعلام أهمية كبيرة، لذلك كنا نصدر منشوراتنا باللغتين، العربية والفرنسية، وتتكفل الفروع الحزبية بأوروبا بترجمتها إلى باقي اللغات، كالإسبانية والهولندية والفلامانية..، وكان الموقف من الصحراء يتم توضيحه على هذه الشاكلة على المستوى الأوروبي، أي ربط النضال من أجل سيادة الشعب في إطار ديمقراطي، ورفض تقسيم الصحراء بين المغرب وموريطانيا.

هذا الموقف عبرنا عنه في إطار العلاقة مع الأصدقاء الجزائريين، ونقوم بتعميمه على مستوى النشر وفق هذه الصياغة داخل الجزائر.

في فترة من الفترات سيطرح على الجزائريين حاجتهم إلى إعلام مساند لهم، وسيتزامن ذلك مع توقف إذاعة صوت التحرير التي كانت موجهة إلى الشعب المغربي من طرابلس، وكان يتابعها الناس في البوادي والمدن ضمن أوقات معينة من الأسبوع، في البداية يوما في الأسبوع، ثم تحول البث إلى يومين في الأسبوع.

الجزائريون أرادوا أن يستلهموا هذا النوع من الإعلام، واقترحوا على فرع الجزائر إنشاء إذاعة مناوئة للمغرب، لكنهم رفضوا، وكان المشرف على هذا الموضوع هو الكولونيل سليمان هوفمان من قدماء الجيش الفرنسي ومهندس الانقلاب على بن بلة، وهو الشخص نفسه الذي كان مشرفا على ملف الصحراء، وكانت وهران بحكم موقعها الاستراتيجي، المنطقة المرشحة لإنشاء الإذاعة، فاقترحوا على المقاوم الحسين الخضار الذي هو صهري، بأن يعمل الفرع الحزبي على تأسيس إذاعة، حيث جاءه ضابط بالمخابرات العسكرية، كان يلعب في نفس الآن دورا مزدوجا بكونه يمثل جبهة التحرير، فقال له عليكم بفتح إذاعة، فرد عليه الحسين الخضار، “الصحراء نحن من ناضل فيها وإذا كان لجوؤنا نحو الجزائر فمن أجل بلدنا”، وأخذ النقاش بينهما مستوى من التصعيد، فقال له الحسين الخضار أريد أن أوقر في ذهنك شيئا: “هل بإمكانك أن تعض أذنيك”، حسب التعبير المغربي، مستأنفا، “إذا كان بإمكان ذلك، يمكننا نحن أيضا أن نقيم إذاعة ضد بلدنا في بلدك”.

في فترة من الفترات سأنتقل إلى الجزائر وسأمارس عملي بشكل عادي، إطارا ضمن حركة التحرر العالمية، وكانت تضم تمثيليات لحركات التحرر بأمريكا اللاتينية ومن باقي أنحاء العالم، ثم حركة التحرر العربية، وتضم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الشعبية لتحرير عمان وغيرها، في هذا الإطار قمت على مدى شهرين بتقديم عروض حول قضية الصحراء في الاتجاهين معا، وستقوم الجزائر في إطار مناورة إلى جانب البوليساريو، حيث كنا نجتمع في مكان اسمه القبة، وهي فيلا قدمت للمهدي بن بركة خلال فترة حكم بن بلة، وكان يستقر بها عبد الرحمان زغلول من منظمة 23 مارس، وكنا نعقد بها الاجتماعات في الوقت ذاته. الجبهة الشعبية بما أنها كانت مؤيدة للبوليساريو، ستنقل الاجتماع إلى مقرها، فاضطررنا إلى التوجه إلى مقرها، وحين وجدنا البوليساريو مدعوة للاجتماع، أعلنا انسحابنا، نفس الشيء سيتم القيام به في إطار اجتماع حركات التحرر العالمية.

في يوم من الأيام، سيلقى علي القبض وسأسجن لمدة عام ونصف في أبشع سجن بالجزائر، سجن “البرواكية”، الذي يعود إلى عهد مرحلة الاستعمار الفرنسي، وبعد انتهاء مرحلة الاعتقال، سأخضع للإقامة الجبرية. وسيقولون لي ستؤدي الثمن عنك وعن الحسين الخضار بالنيابة لأنه رفض التعاون مع السلطات الجزائرية.

*طاقم فيلم “حياة مجاورة للموت”، والذي كتب سيناريوه عبد الواحد المهتاني (المدير المسؤول لجريدة الطريق)، وننشر بدورنا هذه الشهادة التي نشرت بملف خاص لجريدة الطريق باتفاق مسبق مع المسؤولين على الجريدة. للإطلاع على الملف الكامل يمكن زيارة موقع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.