صحافة البحث

حزب “البيجيدي”.. نهاية أسطورة “الطهرانية”؟

- الإعلانات -

في مشهد لا يُمكن حتى لمخرجي سينما الخيال fiction أن يجسدوه، قبل إعلان تطبيع العلاقات بين المغرب مع إسرائيل، يظهر سعد الدين العثماني رئيس الحكومة و « فقيه » حزب العدالة والتنمية يوقع على إعلان مشترك لتطبيع العلاقات مع إسرائيل مع كل من جاريد كوشنر كبير مستشاري الرئيس ترامب، ويرافقه رئيس مجلس الأمن القومي الإٍسرائيلي مائير بن شباط. 

تكسرت على صخرة التدبير الحكومي أحد ركائز تواجد الإسلام السياسي في ساحة السياسة. فمن كان يهتف « خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سيعود »، دون أي تمييز بين الصهيونية واليهودية، في كل مسيرة أو تضامن مع الشعب الفلسطيني، أصبح اليوم يجالس ممثلي دولة الابرتهايد، ويعقد الصلح، بل وتطبيع العلاقات، مع كيان أجمع كل القوى الوطنية بوجوب مقاطعته حتى استرداد حق الشعب الفلسطيني في الأرض. 

يوسف منصف، الباحث في علم الاجتماع السياسي، يوضح في تصريح لموقع µ أوضح أن «مشروعية حزب العدالة والتنمية تآكلت بفعل سياسته النيوليبيرالية وهرولته نحو التطبيع »، مضيفا أنه « منذ نشأة حزب البيجيدي وظهوره على مسرح الحياة السياسية بالمغرب، وهو يتبنى خطاب المعارضة الذي اختاره عند تخليه عن المساندة النقدية لحكومة التناوب ومروره نحو المعارضة ومعجمها الطهراني، الذي كان يجد مواده في القضايا الأخلاقية سواء من الناحية السياسية أو من الزاوية الثقافية ».

لكن، مع اعتلاء الحزب لدفة الحكومة محمولا على رياح الربيع العربي أواخر سنة 2011، يضيف منصف، « عرفت مرجعية الحزب بأدائه السياسي تطورا في اتجاه اعتماد سياسات لاشعبية عانت منها الفئات الهشة والمتوسطة. وذلك نتيجة لتبني أجندة البنك الدولي وتعميق مستوى الاستدانة الذي وصل معه الدين العمومي لمستويات قياسية ».

ويضيف ذات الباحث أن « نفس الأمر ينطبق على السياسات العمومية في عهد حكومتي العدالة والتنمية، التي رسخت الخيارات النيوليبيرالية، والتي مست بشكل جوهري كل من قطاعي الصحة والتعليم اللذان يتخبطان في مشاكل بنيوية ». 

أما فيما يخص مسألة التطبيع مع إسرائيل، يوضح الباحث المتخصص في شؤون حركات الإسلام السياسي،  فالحزب طالما تغنى بالقضية الفلسطينية على خط تيار “المقاومة والممانعة ” الذي تعتبر “الأممية الإخوانية”   جزءا منه. وكان الحزب يعتبرها قضية مركزية إلى جانب المسحة الدعوية للحزب. هذا قبل أن يعرف صيرورة مطردة نحو علمنة الأداء السياسي وتخليه عن المرجعية الإسلامية الأخلاقوية تدريجيا، حيث أن الممارسة الحكومية عادة ما تأكل من الرأسمال الأخلاقي والرمزي للمشاركين بها، بسبب إكراهات العمل السياسي من جهة وبالتوجهات العامة للدولة والتزاماتها الخارجية من جهة أخرى. وكما بات البيجيدي، يضيف منصف، يعبر عن نفسه بكونه ليس حزبا اسلاميا، ولكنه بمرجعية إسلامية فقط. 

إن القرار السيادي للمغرب بشأن التطبيع مع إسرائيل في عهد النسخة الثانية من حكومة البيجيدي، يضيف ذات المتحدث، « من شأنه التأثير على قواعد الحزب ومرجعيته الأخلاقوية، التي عرفت مساءلات جوهرية بعد سلسلة الفضائح لرموز من الحزب أو حركة الإصلاح والتوحيد. وتأتي قضية التطبيع حديثا لتسجل ضمن حصيلة أداء الحزب الذي سيحاسب عليه مستقبلا عبر صناديق الاقتراع ».

رشيد أوراز، الباحث في الاقتصاد السياسي أوضح في حديث لموقع µ أن « الإسلاميون منذ دخولهم إلى اللعبة السياسية وهم منصاعون لمنطقها وما يستخدم فيها ». موضحا  « في تقديري سيكونون قادرين على تبرير خطواتهم، بمبررات ترتبط بمصالح الدولة، ولما يربطون قراراهم بمصالح الدولة فهنا سيكونون أقرب لها بل أكثر قربا من أي وقت مضى، وهنا مأزق من كان يقول عنهم أنهم إنما يمارسون السياسة ليحاصروا الدولة من خلال السياسة ». وأضاف أوراز: « الآن، ومن خلال كل الفرص التي أتيحت لهم خلال منذ 2011 بينوا أنهم حزب مثل كل الأحزاب، لكن لهم سرديتهم الخاصة وخطابهم الذي يحمل شعار الإصلاح، وفي تقديري أن كتلة ناخبة ما تزال تؤمن بهذا الشعار، وستصوت له ».

التطبيع الذي قام به الإسلامييون مع الدولة، يضيف أوراز، أهم بالنسبة لهم من التطبيع الآخر. موضحا: « التطبيع الأول مكاسبه كبيرة بالنسبة لهم، والآخر سيضعونه في سياق مصالح الدولة العليا، وفي إطار la raison d’État وسيتجاوزون الزوبعة التي ستثار ضدهم ». 

بل أستطيع أن أذهب بعيدا، وأقول، يوضح أوراز في تصريحه لموقع µ، « أن بقية الأحزاب التي تجلس اليوم على دكة الاحتياط تتمنى لو كانت هي التي يثار الجدل حولها، كي تكون محور النقاش وموضوعه، لكن لا أحد يتحدث عنها، بالنسبة لها هذا زمن ضائع. أما الاسلاميون فيثيرون الجدل وهم محوره، والرأي العام الحديث يعتاش على هذه الإثارة ويتتبع المسرحية ابتغاء فرحة تنسيه مآسيه ».

فإذا استطاعوا تبرير خطوتهم سياسيا وشرعيا، وأظنهم قادرون على ذلك، يوضح أوراز في ذات التصريح: « لن يتضرروا كثيرا ».