مصطفى الفن يكتب: بنكيران و”مأزق” البيجيدي في قضية “التطبيع” مع إسرائيل

- الإعلانات -

لازالت أحوال الطقس داخل البيجيدي غير مستقرة في قضية “التطبيع” مع إسرائيل أو في قضايا أخرى ذات صلة بالرهانات والتحديات المطروحة على الحزب سواء حاليا أو في المرحلة المقبلة.

وإذا كان صحيحا أن قيادة البيجيدي استعادت بعض التوازن و”تخففت” من بعض الضغط عقب الخروج الإعلامي لعبد الإله بنكيران بعد واقعة التوقيع على “التطبيع” مع الدولة العبرية من طرف سعد الدين العثماني..

لكن كل هذا لم يطفئ كل النيران التي اشتعلت في خيمة “الحزب الإسلامي” بعد هذه الواقعة التي “ليست لوقعتها كاذبة” لأنها فاجأت العثماني نفسه وفاجأت حتى قواعد الحزب أيضا..

ولا خلاف أيضا في أن البيجيدي “حافظ” على تماسك صفوفه و”سمح” لمناضليه بالتعبير عن جميع وجهات النظر داخل مؤسسات الحزب..

وفعلا راجت وجهات نظر متباينة بين مناضلي الحزب لعل أقواها تلك التي دعت الى أخذ المسافة مع رئاسة الحكومة أو تلك التي دعت العثماني الى تقديم استقالته.

لكن ما هو مؤكد منه أيضا هو أن رقعة الخلاف داخل البيجيدي حول قضية “التطبيع” مرشحة لتثير الكثير من الجدل خاصة بعد أن تحدثت أنباء عن وجود أكثر من “استقالة” داخل الأمانة العامة للحزب نفسها.

أما الاجتماع الأخير للجنة السياسة فقد “تعثر” سيره أكثر من مرة أو قل إنه شهد ما وصفه البعض في حديث إلى موقع “آذار” بـ”البلطجة”.

وقع كل هذا لأن بعض قادة الحزب، وضمنهم وزراء حضروا هذا الاجتماع، انتفضوا، بقوة وربما بغير لياقة، ضد إدراج بعض النقط ذات “الحساسية” في جدول أعمال المجلس الوطني المنتظر أن تنعقد دورته في نهاية الشهر الجاري.

والمقصود هنا تحديدا تلك النقطة المتعلقة بتنظيم “مؤتمر استثنائي” لانتخاب قيادة جديدة على خلفية هذه الظرفية التي يجتازها الحزب حاليا.

البعض من قادة الحزب ذهبوا أبعد من ذلك وحذروا، في هذا الاجتماع، من متاهة الخروج الى المعارضة..
لأن الخروج الى المعارضة، بالنسبة إلى هؤلاء، سيقود “حتما” الى الاصطدام مع الملك ومع الدولة وربما سيقود أيضا الى ما هو أسوأ من ذلك وهو السجن..

في خضم هذا كله، عاد هذا السؤال ليطرح نفسه من جديد:
ما جدوى اليوم من عقد مجلس وطني لمحاسبة أمين عام يرأس الحكومة ووقع على “التطبيع” بهذه الصفة على بعد بضعة أشهر من الاستحقاقات الانتخابية المقبلة؟

بنكيران يقول في حديث خص به كاتب هذه السطور إنه لا جدوى من عقد هذا المجلس ولا جدوى حتى من نقاش موضوع “التطبيع” في هذا الزمن السياسي القصير المتبقي من عمر الحكومة.

أكثر من هذا لقد فهمت أيضا وأنا أتحدث إلى بنكيران أن ما وقع وقع لأنه ليس هناك ما هو أكثر حساسية من “التطبيع” وبهذه الانعطافة “المفاجئة” بالنسبة الى حزب خرج من رحم الحركة الإسلامية..

لكن مقابل ذلك فهمت أيضا من كلام بنكيران بأن مناضلي العدالة والتنمية مطالبون بأن ينشغلوا حاليا بما هو أكبر من تنظيم مجلس وطني أو مؤتمر وطني.

لماذا؟

لأن التوقيع على “التطبيع”، كما يرى بنكيران، ليس لحظة عابرة لها مفعول محدود في الزمان والمكان..
التوقيع على “التطبيع”، بالنسبة الى زعيم البيجيدي إذا ما فهمت كلامه جيدا، هو “مسار” انخرطت فيه الدولة بما في ذلك أعلى سلطة في البلاد.

وعلى العدالة والتنمية، في نظر بنكيران، أن يكون جزءا من الحل لا أن يكون جزءا من المشكل في هذا “المسار” الذي يبقى اختصاصا سياديا.

لكن “المأزق” على مستوى الحزب فهذا يحتاج، حسب ما فهمت من كلام بنكيران، الى وضوح الرؤية وإلى زمن طويل من النقاش الحر وليس الى دورة عادية أو استثنائية لمجلس وطني..

لأن القضية الفلسطينية في أدبيات حزب بمرجعية إسلامية، حسب بنكيران، هي ليست مجالا للسياسة فقط.
القضية الفلسطينية هي مجال بأبعاد أخرى تلتقي فيه السياسة بالمعتقدات وبالهوية وبالثقافة وبالحضارة وبالتاريخ وبالجغرافيا وبما هو رمزي أيضا..

ولأن الأمور هي في عمقها وفي حقيقتها بهذا الشكل وبهذا التعقيد، فقد لمح بنكيران الى ما هو أخطر من ذاك وهو أنه حتى حل “الدولتين” في هذه القضية أصبح ربما متجاوزا على أرض الواقع.

ومثل هذا الكلام قاله بنكيران، ومعه الراحل عبد الله باها، للفلسطينيين بمختلف فصائلهم.
وفعلا إن الأمر ربما هو كذلك لأن إسرائيل لم تتصرف فقط كنظام للأبارتايد في الشرق الأوسط طيلة عقود من الزمن..

إسرائيل جعلت أيضا من العنصرية ثابتا سياسيا وبعدا قوميا وربما “دينا” جديدا قلب حياة الفلسطينيين وشعب فلسطين الى جهنم حقيقية فوق الأرض.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.