محمد سعيد السعدي يكتب: من أجل تدبير ديموقراطي للمرفق العمومي

- الإعلانات -

أدت التهاطلات المطرية التي شهدتها الدار البيضاء الكبرى (خاصة مدينتي الدار البيضاء والمحمدية) إلى خسائر بشرية جسيمة، كما نجم عنها أضرارا مادية كبيرة وتوقفا لحركة الاقتصاد وارتباكا في النظام التعليمي على الخصوص. في نفس الوقت، عرت هذه الفيضانات عن هشاشة البنية التحتية لصرف المياه، كاشفة بالتالي عن الاختلالات والنقائص التي تشوب تدبير هذا المرفق العمومي الحيوي من خلال شركة التدبير المفوض “ليدك”.

إن السؤال الذي ينبغي طرحه هو لماذا يؤدي التدبير المفوض، وهو شكل من أشكال الخوصصة تدعمه وتقوم بالدعاية له المؤسسات المالية الدولية (خاصة البنك العالمي وصندوق النقد الدولي)، إلى الفشل الذريع في تأمين خدمات عمومية ذات جودة وفي متناول كل المواطنين/ات، وعلى رأسهم الفئات المستضعفة والمُستغَلة. والجواب على هذا السؤال لا يتطلب جُهدًا كبيرا، فالهدف من وراء تسليع الخدمات العمومية هو أولا وقبل كل شيء فتح مجال جديد للرأسمال الكبير والشركات المتعددة الجنسية الاحتكارية لتحقيق أرباح إضافية وتوسيع مجالات التراكم الرأسمالي. ولقد سبق للعديد من الباحثين/ات ولمؤسسات رسمية مثل المجلس الأعلى للحسابات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الوقوف على الاختلالات الكبيرة التي صاحبت تجارب التدبير المفوض بالمغرب.

وما دمنا نناقش تجربة الدار البيضاء الكبرى، فمن المفيد التذكير بأن مجلس المدينة قد قام بفحص لحسابات شركة “ليدك” المُفوَّض لها في إطار مراجعة العقد الذي يربطه بهذه الأخيرة. وقد خلص هذا الافتحاص الذي شمل الفترة من 1997 إلى 2006 إلى العديد من الاختلالات تبين عدم احترام شركة “ليدك” لالتزاماتها، نذكر منها على الخصوص عجز مهم في مستوى الاستثمارات الملتزم بها، وتوزيع مسبق للأرباح سنة 2003 عوض 2008 كما هو منصوص عليه في العقد، وتحويل أرباح إضافية على شكل نفقات وهمية برسم المساعدة التقنية، إلى الشركة “الأم”، والتأخر في دفع الرأسمال الذي التزمت “ليدك” بتوفيره، وإحداث فرع لشركة “ليدك” في خرق سافر لمقتضيات عقد التدبير المفوض وعدم القيام  بربط العائلات الفقيرة بشبكة الماء والكهرباء والصرف الصحي وفقا للأهداف المسطرة في العقد إلخ…

إن ما وقع خلال الأسابيع الأخيرة يُعيد مرة أخرى إلى الواجهة العجز الكبير في الاستثمارات، خاصة على مستوى التجهيزات التحتية. والحال أن هناك تعتيم إعلامي وتكتم شديد على حصيلة تنفيذ عقد التدبير المفوض الذي تمت مراجعته سنة 2009 وحددت من خلاله أهداف جديدة، خاصة في مجال تدارك الخصاص الذي تم تسجيله في مجال الاستثمار في البنيات التحتية. وإذا كانت الفيضانات الأخيرة، وتلك التي سبقتها طوال السنوات الماضية، تؤشر على تقاعس الشركة المفوض لها فيما يخص احترام التزاماتها، فإن ما يزيد من قلق المُتتبع لهذا الملف هو تصريح مسؤولي “ليدك”، مؤخرا، بعدم قدرة هذه الشركة على تحمل نفقات التجهيز الضرورية لسد حاجيات الدار البيضاء الكبرى بالنسبة للفترة 2017-2027، مُعتبرين بأن العبء الأكبر في هذا المجال ينبغي أن تتحمله السلطة المفوِّضة، أي المجالس المنتخبة للدار البيضاء الكبرى. بل الأدهى من هذا، أن هؤلاء المسؤولين ينتظرون موافقة المُنتخبين ووزارة الداخلية (بصفتها الوزارة “الوصية” على الجماعات المحلية) على زيادة جديدة في تعريفة الكهرباء للقيام ببعض الاستثمارات المبرمجة سابقا.

إن هذا السلوك، وإن كان غير مستغرب من طرف فاعل اقتصادي هاجسه الأكبر هو الربح دون مغامرة أو مخاطر تذكر، يطرح سؤالا عريضا حول دور القطاع الخاص المعوَّل عليه لاستثمار أمواله الذاتية لتلبية حاجيات المدن من الخدمات العمومية الأساسية. والحال أن شركة “ليدك” ما فتئت تراكم الأرباح منذ توليها تدبير قطاع الكهرباء، والماء والتطهير السائل بالدار البيضاء الكبرى. غير أنها فضلت توزيع جلها على المساهمين، علما أن الجزء الأكبر يحوَّل بالعملة الصعبة إلى الشركة “الأم” (مجموعة “سويز”) بباريس!.

كما تمكنت هذه الشركة من مضاعفة رقم معاملاتها تقريبا بين سنتي 2004 و2020. بالمقابل، لم تساهم في إحداث مناصب عمل جديدة، بل قامت بتسريح المئات من العمال حيث انتقل عدد العاملين بشركة “ليدك” من 3769 سنة 1999 إلى 3491 سنة 2020! وهذا يعني بأن هذه الشركة المتعددة الجنسية رفعت معدل إنتاجيتها، وبالتالي قلصت من نفقات الموظفين بالنسبة لكل درهم من رقم المعاملات المحقق، بشكل محسوس، غير أنها احتفظت بهذا الفائض للمساهمين، في حين لم يستفد من نتائجه لا العمال، ولا المُستهلِك الذي أصبح يئن تحت وطأة الارتفاع المسترسل لفواتير الكهرباء، والماء والتطهير السائل.

وإذا كانت مسؤولية الشركة المفوض لها ثابتة فيما يخص إخفاقها في تدبير المرفق العمومي، فإن هذه المسؤولية تتقاسمها مع السلطة المفوِّضة، أي المجالس المنتخبة، وكذلك سلطة الوصاية (وزارة الداخلية). فالمفروض في هذه المجالس أن تحرص في المقام الأول، إن هي قررت تفويت تدبير مرفق عمومي حيوي كقطاع الكهرباء، والماء والتطهير، الحرص على ضمان حق المواطن/ة في الحصول على خدمة عمومية ذات جودة وبأسعار تتوافق وقدرته/ا الشرائية. كما هي مُلزمة بتتبع ومراقبة تنفيذ الالتزامات المترتبة عن عقد التدبير المفوض (وهو الآلية المعمول بها في الغالب بالمغرب لتفويت تدبير المرفق العمومي المحلي) بالنسبة للشركة المفوَّض لها. وهنا مربط الفرس، إذ يلاحظ بأن السلطة المفوِّضة للدار البيضاء الكبرى تكاد تستقيل من ممارسة مهامها في هذا المجال. وهناك ثلاثة مؤشرات تدعم هذا الطرح. أولا، لم تقم المجالس المنتخبة المعنية بفرض مراجعة عقد التدبير المفوض كل خمس سنوات كما هو منصوص عليه في هذه الوثيقة القانونية الملزمة للطرفين، إذ لم تنجز إلا مراجعة واحدة في ظرف 24 سنة! وتم ذلك في سنة 2009. ثانيا، يهيمن على لجنة تتبع ومراقبة تنفيذ عقد التدبير المفوض فاعلين أساسيين، وهما ممثلي شركة “ليدك” بالإضافة إلى ممثلي وزارة الداخلية بوصفها الوصي على القطاع، في حين يقوم ممثلو السلطة المفوِّضة بدور يكاد يكون شكليا. ويرجع هذا بالأساس إلى غياب الخبرة عند المنتخبين، وكذلك الرغبة في “عدم إزعاج” المستثمر الأجنبي و”الأضرار” بـ”جاذبية” المدينة “الذكية” وانخراطها في العولمة النيولبرالية. وما يزيد الطين بلة هو افتقار ما يسمى بـ” مصلحة المراقبة المستمرة” للحد الأدنى من الاستقلالية والامكانيات لممارسة دورها الرقابي. فهذه المصلحة متواجدة داخل المقر المركزي لشركة “ليدك” المفروض مراقبتها، بالإضافة الى أن “ليدك” هي من توفر ميزانية اشتغالها!. وهذا الأمر يفضح تضارب مصالح خطير يفقد مهمة التتبع والمراقبة أبسط معانيها. ثالثا، تتسم العلاقة بين المجالس المنتخبة والشركة المفوَّض لها بعدم التكافؤ الصارخ حيث يربط عقد التدبير المفوض بين طرف أول، وهو مجموعة خاصة متعددة الجنسيات تتوفر على إمكانيات مالية وتكنولوجية كبيرة وحنكة ودراية في التعامل مع المجالس المحلية عبر العالم، وطرف ثان (أهم المجالس المنتخبة للدار البيضاء الكبرى) ذي الشرعية الشعبية المحدودة (لم تتجاوز المشاركة في الانتخابات الأخيرة 25٪ من المسجلين/ات في الدار البيضاء) والفاقدة للحد الأدنى من الإمكانيات البشرية والمادية. أضف إلى هذا، اتسام هذه العلاقة بين الطرفين بـ”عدم تناسق المعلومات ” (Information Asymmetry )، حيث يتطلب القيام بالتتبع والمراقبة توفير المعلومة من طرف الشركة المفروض مراقبتها! والحال أن هذه الأخيرة ليس لها مصلحة في تزويد السلطة المفوِّضة بالمعطيات والأرقام الضرورية لمتابعة مدى التزامها بما هو منصوص عليه في عقد التدبير المفوض، بل وقامت بتدمير مدبَّر لجزء منها. وكثيرا ما تتذرع هذه الشركات بـ”حساسية المعطيات” و”خوفها” من تسريبها للشركات المنافسة لحرمان المجالس المنتخبة من الحصول عليها.

أخيرا وليس آخرا، يطرح السؤال حول الدور الحقيقي الذي تقوم به وزارة الداخلية كعضو ثالث ضمن لجنة التتبع والمراقبة، علما أن هذه الأخيرة ممثلة بمديرية الوكالات والمصالح ذات الامتياز المناط بها مهمة “إعداد السياسة العامة والمراقبة والمتابعة فيما يتعلق بالنقل الحضري والتطهير وتوزيع الماء والكهرباء”..

أمام هذا الفشل البيِّن للتدبير المفوض لقطاع الكهرباء، والماء والتطهير، يطرح باستعجال سؤال البدائل الممكنة لضمان حق المواطن/ة في هذه الخدمات الأساسية والحيوية. في هذا الصدد، يمكن استلهام التجارب العالمية حيث لجأت عدد من المدن في العالم، في شمال الكرة الأرضية وجنوبها، نذكر من بينها باريس، برلين، بوين سيرس (الأرجنتين)، دجاكارتا (أندونيسيا)، إلى التخلي عن التدبير المفوض لهذا القطاع الحساس لفائدة الملكية الجماعية والتدبير الديموقراطي للمرفق العمومي. ومن شأن تفعيل هذه الملكية الجماعية التحكم في فواتير الماء والكهرباء والتطهير من خلال التخلي عن منطق تعظيم الربح الذي يهدف إليه الرأسمال الكبير، وإعطاء الأولوية للأحياء الفقيرة والمهمشة، والرفع من الاستثمار في البنيات التحتية. وتأخذ عادة هذه الملكية الاجتماعية شكل شراكات بين القطاع العام والجماعات المحلية، مع ضرورة الانفتاح على الفرقاء الاجتماعيين، خاصة من خلال ضمان تمثيلية الأجراء والمجتمع المدني داخل هيئات اتخاذ القرارات الاستراتيجية، والتتبع والمراقبة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن للمجالس المنتخبة للدار البيضاء الكبرى أن تدخل في شراكة مع المكتب الوطني للماء الصالح للشرب وللكهرباء، بالإضافة إلى صندوق الإيداع والتدبير. والحال أن المكتب الآنف الذكر لا زال يُدبِّر قطاع الكهرباء، والماء والتطهير في جزء من مدينة الدار البيضاء. وبديهي أن هذا التدبير الاجتماعي للمرفق العمومي يبقى رهينا بالنضال من أجل ديموقراطية محلية حقيقية، تشاركية ومواطنة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.