منعم أوحتي: 20 و 22 فبراير

- الإعلانات -

كما عالج علم الأجنة ظاهرة التوائم، وطريقة تشكلها في نسيج الأم، فقد انتقل هذا الاصطلاح أيضا إلى ديمغرافية المدن وتقارب تدبيرها بين من يسيرها، حيث لجأت المدن إلى إبرام اتفاقيات توأمة بينها لتبادل الخبرات والعمل التشاركي والتكامل في سبيل تطورها الحضاري، فما المانع إذن أن تتم توأمة حركات وانتفاضات الشعوب المتقاربة، والطامحة للحرية والحالمة بالديمقراطية والكرامة الإنسانية..؟ في هذا السياق تظهر ملحاحية توأمة حِراكي المغرب والجزائر، خصوصا وأن صدف التاريخ جعلت انطلاقه في نفس الشهر وعلى مسافة يومين من بعضهما، فأي إمكانية لبعث الروح في توأمة حراكي 20 فبراير بالمغرب و 22 فبراير بالجزائر؟

في مقاربة مطالب الحِراكين فلكل منهما سياقه وتكتيكاته ومنسوب آماله وحجمها، فإذا كان نشطاء 20 فبراير بالمغرب، حملوا عنوانا رئيسيا لنزولهم إلى الشارع يتمحور حول التغيير من أجل دستور ديمقراطي وتحويل شكل الدولة إلى ملكية برلمانية تسود فيها الحقوق والحريات والحسم مع الفساد والاستبداد، والنهوض بالقطاعات الحيوية والاجتماعية بشكل يضمن التوزيع العادل للثروة… فإن مطالب نشطاء 22 فبراير بالجزائر، كانت بصياغة أخرى، حيث ركز حراك الجزائر على إسقاط طغمة العسكر المتحكمة في دواليب الدولة (من ضمنها إسقاط العهدة 5)، وإرساء حكم مدني على قاعدة دستور جديد ديمقراطي يمكن الشعب الجزائري من التوزيع العادل للثروة النفطية بدل تمركزها في أيدي الجنرالات، مع إطلاق الحقوق والحريات والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ومحاسبة من تورط في الفساد والسلطوية… إنهما ليسا نسخة من بعضهما، لكنهما منفتحان على التكامل والبناء المشترك وصنع مستقبل التنمية والازدهار والديمقراطية للبلدين.

إن الوحدة المغاربية لا يمكن أن يصنعها إلا جيل جديد بتصور تشاركي وذكاء جماعي، يكون قادرا على توأمة نضال الشعوب، ويكون أكثر جرأة في تسطير مخططات عملية للنهوض الاقتصادي التكاملي وإقرار الديمقراطية الحقة، ابتداء بفتح الحدود بين المغرب والجزائر وبدعم الحراكين لبعضها، حتى الحسم مع الفساد والسلطوية في البلدين.

فحركة 20 فبراير بالمغرب كما حركة 22 فبراير بالجزائر، هما ملك لوجدان الشعبين المغربي والجزائري، حيث دخلت الحركتان إلى قلب البيوت وأفئدة كل الشرائح العمرية المهمشة والطامحة للحرية، حيث كانت النساء والشباب في صفوفها الأمامية، والأكيد أنه واهم من يظن أن الحراكين انتهيا، لأن قوة تأثيرهما ليست كمية، بل في القدرة على الامتداد الزمني وفي التأثير النوعي، وأخذ أشكال متعددة مجالية وقطاعية ووطنية، فرغم مظاهر ضحالة المشهد السياسي المتحكم، إلا أن الرهان على وحدة الحراكين ونضالهما المشترك، يمكن أن يكون مدخلا لفك كل الإشكالات الموروثة عن الخريطة الكولونيالية،  لا أدل على ذلك من رفع نشطاء حراك 22 فبراير بالجزائر لشعارات واضحة ورافضة للأطروحات الانفصالية، حيث كانت التظاهرات ضد استنزاف عسكر الجزائر المتحكم في السلطة للعائدات البترولية الجزائرية  في تمويل مخططات تفتيت وحدة المغرب.

على نشطاء حَركتي 20 فبراير و 22 فبراير الفعليين، أن يرفعوا هاماتهم عاليا، فقد أنجزوا المهم بوضع قطار مجتمع جديد على السكة، وعلى من تأخر عن الركب، أفرادا وجماعات ومنظمات، أن يبرمج مهامه المجتمعية المستقبلية للتغيير الديمقراطي والتنمية التقدمية في البلدين على هذا الأساس، فروح 20 و 22 فبراير عصية على الهضم، و تتجاوز الأشخاص هنا وهناك.. هذه الروح النضالية هي ملاذنا للإقلاع الحضاري ولإرساء الحقوق والحريات.

ينشر هذا المقال بشراكة مع جريدة الطريق، سينشر أيضا في العدد 336، الذي سيكون يوم الأربعاء 24 فبراير في الأكشاك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.