جواد مستقبل: 10 سنوات بعد 20 فبراير : لم ننته بعد…!

- الإعلانات -

“ما يزعجني أكثر ليس قسوة الظالمين و لكن تواطؤ المظلومين”

مارتن لوثر كينغ الابن :(1929ـ1969)

“لا تغيير حقيقي بدون فعل ذاتي للمضطهَدين ينبع من فهمهم واستيعابهم ومن تم تفاعلهم مع واقعهم الملموس”

باولو فريري : (1921-1997)


كنت دائما أقول  لأصدقائي ممازحا إن سبب محنتنا اليوم وتدهور حالة الأغلبية من مواطنينا هو أساسا جبن الأغلبية من أجدادنا وآبائنا الذين فضلوا الاستسلام للظلم والاستبداد والاكتفاء بفتات المستبدين واستقرار مغشوش و ظاهري يخفي العديد من الكوارث الاجتماعية، ورفضهم تحمل مسؤولياتهم التاريخية وتفويتهم الكثير من الفرص كانت ربما ستسمح لبلادنا بقطع أشواط كبيرة عوض الحالة المتردية التي نعيشها اليوم على كافة المستويات الاقتصادية، السياسية،  الاجتماعية والبيئية.

إذا كان المغرب من أتعس بلدان العالم[1] فهذا راجع في اعتقادي، بنسبة كبيرة، إلى أن الأغلبية من أجدادنا، وخاصة النخب، فضلت الطرق السهلة وغضت الطرف عن تجاوزات الحاكمين. تجاوزات كانت في البداية بسيطة نسبيا واستثنائية، لتصبح فيما بعد بمثابة قواعد وأعراف تخدم مصالح السلطة التي تستعملها من أجل بسط سيطرتها و إسكات أي صوت حر قد يُعارضها.

الأغلبية من آبائنا وأجدادنا فضلت الصمت أمام اختيارات الحاكمين الاقتصادية الكارثية ومنها مثلا تفضيل “الحل السهل”  أي الاقتراض من الخارج عوض خلق وابتكار ظروف تنمية ترتكز على عوامل ذاتية facteurs
endogènes فكانت النتيجة اليوم إنهاك ميزانية الدولة الضعيفة أصلا بخدمة الديون التي تمتص أكثر من الثلث وكذلك فقدان سيادتنا الوطنية لفائدة الدائنين دولا ومؤسسات مالية عالمية وتعميق تبعيتنا الاقتصادية ومختلف أشكال الاستعمار الجديد.

أظن أن جيلنا للأسف اليوم ليس بأحسن حال من سابقيه، وربما قد يكون الأسوأ بالنظر إلى الأجواء الاقليمية والدولية التي كانت أكثر من مساعدة، في ظل ما سمي بالربيع العربي من أجل بلوغ تغيير حقيقي يمكننا من إخراج بلدنا وشعبنا من سنوات من القهر والتفقير والتبعية.

جيلنا أقدم على تضييع فرصة تاريخية جديدة بعد خروجه من ربيع شعوب المنطقة بحصيلة أقل من متوسطة : دستور ممنوح مجددا مع بعض التعديلات الشكلية فتحت مجال المناورة للنظام بتنصيب حكومة تصريف أعمال تدعي الإصلاح ومحاربة الفساد، في حين تنأى بنفسها عن إزعاج الفاسدين والمستبدين، ولا تفوت الفرصة لطمأنتهم، ولو كان ذلك مقابل خيانة من صوت لصالح قادة هذه الحكومة. إن الحصيلة للأسف مخيبة للآمال ولا ترقى إلى حجم التضحيات التي قدمها الشباب المغربي، ونذكر هنا مئات السنوات من الاعتقال الموزعة على المناضلين الأحرار، وعشرات الشهداء الذين سقطوا خلال احتجاجات شتى عرفها المغرب.

وأستغرب ممن يدعي أننا قد نكون أحسن حالا من أشقائنا التونسيين أو المصريين أو الجزائريين أو اليمنيين.. و من بين هؤلاء بعض المحسوبين على الديمقراطيين الذين يحركهم انزعاجهم من صعود الإسلاميين في انتخابات ديمقراطية، أو بتعبير أدق، في انتخابات أكثر ديمقراطية من سابقاتها في عهد الدكتاتوريات والتي كانت كل نتائجها تقارب المائة بالمائة. لكنني أعتقد أن هذه المقاربة ميكانيكية وجامدة، في حين أن الأحداث التاريخية تعلمنا أن تاريخ الأمم لا يسلك بالضرورة منحى خطيا، و الأكيد هو أن الشعوب التي عرفت تغيرات جذرية أو ثورات في تاريخها، استطاعت أن تحقق قفزات نوعية على المستويات السيوسيو اقتصادية وحتى الثقافية.

في حصيلة حركة 20 فبراير

مرت 10 سنوات على انطلاق حركة 20 فبراير، النسخة المغربية لما سمي بالربيع العربي والمغاربي، الذي اجتاح منطقتنا، وانتقلت عدواه وامتدت رياحه في المكان و الزمان لتشمل مناطق أخرى من العالم، و ليتواصل هذا الربيع رغم تعاقب الفصول.

حركة العشرين من فبراير محطة هامة في التاريخ الحديث لشعبنا في مقاومته لكل أشكال القهر والاستغلال والاستبداد، والتي بدأها أحرار الريف بقيادة “الرمز” عبدالكريم الخطابي منذ بداية القرن الماضي ضد الاستعمار المباشر.

إن نجاح أو فشل نضالات حركة 20 فبراير، رهين لدى العديد من مواطنينا بمدى تحسن معيشهم اليومي وتراجع معاناتهم و كافة أشكال “الحكرة”[2] السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية التي يعانون منها.

ما حققته الحركة..

لا يمكن إلا لجاحد نكران المكتسبات المادية التي حققتها العديد من الفئات الاجتماعية في ظل هذه السيرورة النضالية، وحتى قبل انطلاقتها في 20 فبراير، من خلال إدماج العديد من مجموعات المعطلين وكذلك الاستجابة لمجموعة من المطالب العمالية، إدماج عمال السميسي .. الزيادة المهمة (زيادات هي الأعلى منذ سنين) في الأجور في العديد من القطاعات : الفوسفاط (1500درهم) ، السكك (900 درهم)  علاوة على الزيادة التي شملت القطاع العام (600 درهم).. إضافة إلى مكتسبات معنوية لا تقل أهمية تهم علاقة المواطن بالسلطة، المخزن عامة، من تكسير لجدار الخوف وإعادة تملك الفضاء العام ورفع متسارع من وعي فئات عريضة من الناس، وتنمية ثقتهم بقوتهم الكامنة وثقتهم ببعضهم. وكذا تبلور اهتمام متزايد للمواطنين بالشأن العام وإعادة الاعتبار النسبي للقيم الجماعية ومُثل التضحية في سبيل المبادئ والنضال من أجل المساواة والعدالة الاجتماعية، بدلا من طغيان نزوعات الفردانية  والجشع والعقلية الاستهلاكية التي فرضهما تحالف نظام “السوق والهلع« le marché et la terreur »   المفروض علينا منذ استقلالنا الشكلي عن الاستعمار الفرنسي المباشر.

ساهمت الحركة في عودة بعض من عزة النفس لدى قسم كبير من “من هم تَحْت” و شيء من الحب الجماعي الخلاق الذي كان يغمرنا في كل مسيرة شعبية (تأثير ِايروسEros effect  حسب نظرية جورج كاتسيافيكاس)[3]. مشاعر من الفخر والاعتزاز بما يجمعنا كمغاربة، وما نتقاسمه مع شعوب المنطقة وشعوب العالم من تطلع  للحرية والكرامة والعيش الكريم للجميع. مشاعر تعرضت للتعرية érosion بسبب سنوات من التدمير إثر تقارب كارثي بين الاستبداد السياسي و الليبرالية الاقتصادية[4] و إثر مسلسل خيانات نخب فاسدة و جبانة[5].

هزمت الحركة القمع المسلط ضدها سواء مباشرة من قِبَلِ المخزن أو من قبل بلطجيته، وفرضت شرعية مسيراتها السلمية الأسبوعية لمدة قاربت السنتين.

فرضت حركة 20 فبراير نفسها رقما أساسيا على النظام، الذي تجاهلها في البداية، ليستجيب بعد ذلك لبعض مطالبها، في الشكل، بدستور جديد وانتخابات مبكرة.. وتواري صديق الملك عن الساحة العمومية وإطلاق بعض السجناء السياسيين.

كما فرضت الحركة نفسها على وسائل الإعلام المرئية المسموعة والمكتوبة التي سعت في البداية إلى تسفيهها وتخوينها، لتعود في الأخير، خاصة بعد تراجعها وضعفها، إلى الاعتراف بها. كما ساهمت الحركة في إحداث فرز داخل المشهد السياسي المغربي وكشف من ساند مطالبها الديمقراطية والشعبية منذ البداية ومن عارضها. إضافة إلى الانتهازيين باختلاف تلاوينهم الذين غيروا مواقفهم منها مرات عديدة حسب مصالحهم و إملاءات أسيادهم ضدها.

ما لم تستطع الحركة تحقيقه..

لم تستطع الحركة إيقاف مراوغات المخزن ومخططاته السياسية الهادفة إلى الالتفاف على مطالبها ابتداء من تعيين لجنة ملكية لمراجعة الدستور، حتى تنظيم انتخابات برلمانية مرورا بالاستفتاء، حيث فشلت الحركة في حشد المواطنين وتعبئتهم بالحجم الكافي الذي يسمح بوقف هذه المسرحيات التي كان معظمها هزيل الإخراج، من خلال نسب مبالغ فيها وتلاعب مكشوف بالأرقام.

فشلت الحركة كذلك في إيجاد وإبداع أشكال ديمقراطية تسمح لعشرات الآلاف من المواطنين الذين لبوا دعواتها في المسيرات بالمشاركة في النقاشات واتخاذ القرارات التي اقتصرت على جموعات عامة داخل مقرات مغلقة ومعزولة يشارك فيها العشرات من المناضلين “المحترفين” والمخبرين المندسين من أجل إفشال أي محطة نضالية.[6]

فشلت الحركة في إيجاد جسور التواصل والتضامن مع حركات اجتماعية وشعبية هائلة وغير مسبوقة استفادت من الجو الذي خلقته 20 فبراير لتعبر عن نفسها  وتطالب بحقوقها في مختلف مناطق المغرب، ونذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر :

  • تحركات عدد من المفقرين في معظم المدن من أجل حقهم في السكن بل وفرضهم أو تكريسهم لهذا الحق من خلال بناء مساكن لهم في ضواحي المدن، وهو الأمر الذي غضت السلطات الطرف عنه خلال فترة مد وقوة الحركة، لتعود لهدمها مباشرة بعد تراجع الحركة ثم موتها.
  • تحركات المعطلين والمهمشين، خاصة في المدن التي تتوفر على ثروات طبيعية من أجل المطالبة بحقهم في الشغل، ومن بينهم الآلاف من الشباب الذين اعتصموا في مداخل مراكز الإنتاج في المناجم والمركبات الكيميائية للمكتب الشريف للفوسفاط، بل وأوقفوا القطارات التي تمد هذه الوحدات بالفوسفاط، ما تسبب في توقف بعضها.
  • تحركات ونضالات المأجورين وتكوين العديد من المكاتب النقابية في تلك الفترة.

فطن الحاكمون المدعومون من مستعمرينا القدامى والجدد، خاصة فرنسا،  لخطورة أي تقارب بين مطالب شباب 20 فبراير في المدن وحركات المهمشين في الضواحي ومناطق ما كان يسميه المستعمر بالمغرب غير النافع. فعمل الحاكمون كل ما بوسعهم من أجل تحييد هذه الحركات الاجتماعية القوية عبر الاستجابة بسرعة لبعض مطالبها واستمالة واستقطاب قياداتها، بحيث كانت تفتح الحوار بمجرد اندلاعها وتضع الابتعاد عن حركة 20 فبراير كشرط أساس من أجل التفاوض والاستجابة للمطالب الاجتماعية الفئوية. كما ان تواطئ البيروقراطيات النقابية الفاسدة والمرتبطة مصالحها عضويا بمصالح الطبقات الحاكمة، سهل من عمليات المراوغة التي قام بها النظام، حيث جرت استضافة ممثلين عن هذه البيروقراطيات من قِبل مستشار الملك حتى قبل تاريخ 20 فبراير 2011.

من دروس التجربة

درسان قديمان- جديدان يمكننا استخلاصها من خلال تجربة حركة 20 فبراير، وهما في غاية من الأهمية:

الدرس الأول : تحرر المواطنات و المواطنين هو من صنع المواطنات والمواطنين أنفسهم.هن

الدرس الأول هو أنه مهما كانت نضالية وكفاحية حركة 20 فبراير، و التي يشكل الشباب نواتها الصلبة، لا يمكنها فرض تراجعات حقيقية على النظام بدون التحاق مئات الآلاف وربما الملايين من المواطنات والمواطنين المعنيين المباشرين بالتغيير الحقيقي. فرغم حجم المظاهرات التي نجحت الحركة في تنظيمها، وهو حجم يبقى استثنائيا، بالنظر إلى ما عاشه المغرب من قبل : مئات الآلاف في أكثر من 100مدينة وقرية، لم  ترق هذه المظاهرات و الأشكال الاحتجاجية إلى مستوى تعبئة الكتلة الضاغطة أو الكتلة الحرجة (la masse critique ) التي وصلت إليها في تونس و مصر مثلا، من ناحية الحجم و كذلك من ناحية الاستمرارية والتطور المتصاعد، حيث عرف عدد المشاركين تذبذبا ثم تراجعا كبيرا، خاصة بعد مسرحية الاستفتاء على الدستور وتعيين جزء من الإسلاميين الموالين للسلطة، للمرة الأولى في تاريخ المغرب، من أجل تنفيذ مخططات الحاكمين الفعليين. 

بالإضافة إلى عدم سعي/نجاح الحركة في التواصل مع حركات نضالية، فئوية  وشعبية معظمها عفوي، لكنها كانت ستشكل الأسس المادية لأي تغيير حقيقي وتساعد على انخراط واسع للمواطنين والمواطنات، كل حسب مطالبه الخاصة  وأولوياته الأكثر ملحاحية: (السكن، الشغل،حرية التعبير ..) و هو ما كان سيعطي للحركة ميزة الجامع والموحد لمختلف هذه النضالات التي سبق معظمها حركة 20 فبراير، لكنها تنامت واتسعت رقعتها مع انطلاق الحركة.

تركيز الحركة على المطالب السياسية وخوضها في متاهات نقاشات الفقه الدستوري و مزاعم ملكية برلمانية صعب عملية كسب ثقة، ثم التحاق، فئات واسعة يشكل التحقيق الآني لبعض من مطالبها الاجتماعية الاستعجالية : التعليم، الصحة، السكن، الدخل القار.. أولوية للخروج من سنوات من القهر و التهميش.

يشكل شعار الحركة المركزي : “حرية، كرامة، عدالة اجتماعية”  شعارا أكثر وضوحا من شعار إسقاط الفساد، حيث إنه يحدد ما تطمح إليه الحركة وما تناضل من أجله، وليس فقط ما تناضل ضده. أي ينقل الحركة من حركة “ضد” إلى حركة “من أجل” ويضع  معايير ملموسة ومحسوسة لدى المواطنين حول مدى تحقق ما خرجوا من أجله في اليوم الأول من عدمه، وبالتالي ضرورة مواصلة النضال، في حين أن المطالب الفوقية والمجردة وغير المحسوسة لدى الأغلبية من قبيل ملكية برلمانية ودستور ديمقراطي.. سهل على النظام التلاعب بمفهومها وتقويضها حسب مخططاته.

من أجل ضمان انخراط واسع للمواطنات والمواطنين، خاصة الفئات الأكثر قهرا و الوحيدة القادرة على تحرير نفسها وتحريرنا من نظام الاستبداد والعبث السائد، يجب أن ننطلق، كما يؤكد على ذلك باولو فيريري[7] “ من واقع المقهورين الملموس ومن انشغالاتهم وتمثلاهم  كما هي من أجل تحفيز ممارسة واعية متجهة نحو الفعل النقدي المستمر في أفق تحررهم”

الدرس الثاني : تحقيق المطالب لا يأتي عبر الاستجداء في مؤسسات الواجهة بل عبر خلق ميزان قوى مع من هم أسفل

 في الوقت الذي دأب فيه قسم مهم من النخبة المغربية منذ مدة على سياسة تقديم المذكرات واستجداء فُتات التغيير الديمقراطي الذي قد يجود به الحاكمون، أعادت الحركة بنزولها إلى الشارع الاعتبار للنضال الميداني والارتكاز على تعبئة المواطنين و المواطنات من أجل تحقيق مكتسبات وفرض تنازلات على الحاكمين. وقد أبانت هذه الطريقة عن نجاعتها و فعاليتها بالمقارنة مع إصدار البيانات و بعث الرسائل والإشارات إلى من يهمهم الأمر… ثم انتظار والتقاط إشارات من أجهزة النظام أو التعويل على حكمة وتبصر الجناح “الحداثي” أو من يدعون بالحمائم وغلبتهم على الجناح السلطوي من النظام أو من يدعون بالنسور.

أبانت المكتسبات السالفة الذكر (زيادات في الأجور و تشغيل المعطلين و تعديل الدستور وانتخابات مبكرة..) التي تحققت بفضل 20 فبراير وسياق الانتفاضات الشعبية في المنطقة خلال ربيع 2011، عن نجاعة الاحتجاجات المباشرة والارتكاز على تحرك المقهورين الواعي في فرض تراجعات على الحاكمين.

ويجدر التذكير هنا، أن معظم النخبة السياسية الفاسدة والمنتهية صلاحياتها كانت تؤكد على عدم راهنية إصلاح الدستور قبيل 2011، لتعود لتكييف مطالبها بعد ذلك مع إملاءات الحاكمين الفعليين الذين اضطروا لتقديم هكذا تنازلات.

كما فرضت حركة 20 فبراير على الحاكمين الفعليين، ولأول مرة في تاريخ المغرب، حكومة أغلب أعضائها منحدرين من عائلات شعبية غير تلك التي عهدناها، والتي تربت وترعرعت في أحضان المستعمر الفرنسي وحافظت على ثقافته وعنصريته تجاه السكان الأصليين وثقافاتهم وأشكال حياتهم  وعلاقاتهم فيما بينهم  وتفاعلهم مع أقاليمهم.

لكن للأسف، وبعد تراجع ثم موت حركة 20 فبراير، استعادت الطبقات المهيمنة المبادرة بالاعتماد على تقدم قوى الثورة المضادة في منطقتنا، خاصة حمام الدم السوري والدكتاتورية العسكرية بمصر٬ كما اعتمدت على خيانة وجبن حكومة الإسلاميين الذين انبطحوا متنكرين لأصولهم و لمن صوتوا لصالحهم وعقدوا آمالهم عليهم لإصلاح أوضاعهم.

لم ننته بعد..

رغم أهميتها البالغة، لا تشكل حركة 20 فبراير إلا مقدمة لبروز موجات نضال أخرى قادمة، قد تكون أكثر قوة وأكبر حجماً، مما شهدت البلاد حتى الآن، خاصة أن الدولة لم تفعل سوى الالتفاف على المطالب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية التي خرج المحتجون إلى الشارع من أجل انتزاعها، وذلك بتقديمها لتنازلات سياسية واجتماعية ما فتئت أن تراجعت عن معظمها بل والقيام بإجراءات انتقامية تجاه معارضيها. بالنظر إلى استمرار الوضع القائم مع حكومة الواجهة الجديدة، وإصرار الحاكمين الفعليين على رفض تلبية أبسط المطالب الشعبية الملحة، وتورطهم في وحل الكذب والقمع والتضليل، وإمعانهم في مواصلة السياسات النيوليبرالية القائمة على تصفية الخدمات العمومية، وضرب الحقوق الاجتماعية والديمقراطية، ومواصلة عمليات النهب والاستيلاء على أقاليم السكان المحليين من أراض جماعية و مياه و رياح و شمس ورمال، وبقاء الفساد الفعلي على حاله، باعتباره أحد الركائز الرئيسة للاستبداد السياسي و الليبرالية الاقتصادية، وتعمق الأزمة الاجتماعية سواء البطالة الجماهيرية أو الوضع الصحي المتردي والتعليم الرديء وأزمة السكن.. بالإضافة الى الأزمة الصحية والاقتصادية العالمية الحالية وأثرها المدمر على الاقتصاد المحلي التابع، فكل شيء يشير إلى أن الفعل النضالي المباشر لم يخرج بعد كل ما في جعبته.

كما تميزت الفترة الأخيرة بإبداعات شعبية من الأسفل لا من ناحية الشعارات أو أشكال الاحتجاج أو أشكال التنظيم الذاتي الديمقراطي، وخير مثال على ذلك حراك الريف ثم حراك جرادة ثم حملة المقاطعة الشعبية[8] في ربيع 2018 بالإضافة إلى الشعارات المعبرة والعميقة لجماهير كرة القدم الالتراس. كلها مؤشرات إيجابية تدعو إلى التفاؤل وتعبر عن القوى النضالية الكامنة ضد كل أشكال الظلم والقهر التي تعاني منها الأغلبية من شعبنا.

وجب علينا كمناضلات. لين الترحيب بها والانخراط فيها والتعلم منها بكل تواضع ووضع كل ما تعلمناه في منظمات النضال والتضحيات الكبرى التي قدمها خيرة بنات وأبناء هذا الوطن في خدمة التغيير الشامل لوضعية المقهورات والمقهورين من شعبنا. كما وجب علينا التهيؤ الجدي لموجات النضال القادمة، باستحضار دروس حركة 20 فبراير والحركات التي تلتها، ونفض كل ما أثبتته هذه التجارب من أوجه القصور في ممارساتنا، وفي المقدمة التخلص من كل صنوف العصبوية والوصاية والعجرفة والتي أضرت بتجارب سابقة وعرتها دينامية حركة 20 فبراير ومختلف الحراكات التي تلتها .


[1]صنف المغرب في تقرير دولي من بين أتعس دول العالم، وذلك وفقا لمعايير تقوم على تقويم أجواء الحرية السياسية والأمن الاجتماعي وقلة الفساد بالدول التي شملها المسح باعتبارها أهم من مستوى الدخل في تحديد سعادة الشعوب أو تعاستها. واحتل المغرب المرتبة 105 من بين 156 دولة شملها التقرير الذي يعد الأول من نوعه تصدره الأمم المتحدة تحت عنوان تقرير السعادة العالمي، أعده “معهد الأرض” التابع لجامعة كولومبيا الأمريكية بتكليف من الأمم المتحدة وشمل 156 دولة أجري فيها مسح منذ عام 2005 وحتى منتصف عام 2011. 

[2]الحكرة؛ مصطلح واسع الانتشار في المغرب، ويرمز إلى الاستعلاء و الاحتقار اللذان يمارسهما من يمتلك السلطة تجاه من لا يمتلكها، كما يعبر عن إحساس المواطن بالغبن، جراء الظلم الاجتماعي والسياسي الذي يتعرض له.

[3]جورج كاتسيافيكاس عالم اجتماع امريكي من أصول يونانية :  من أهم مؤسسي نظرية تأثير ايروسEroseffectالذي يعتبر أنه لا يمكن للاقتصاد والتكنولوجيا وحدهما تفسير اندلاع وانتشار الانتفاضات الجماهيرية، بل ان الميل او الحب الغرائزي والفطري للإنسان تجاه الحرية والعدالة و قرارهم الجماعي في لحظات تاريخية معينة تقديم التضحية من أجل وقف كل اشكال الظلم و القهر التي عانوا منها لسنين، هي المحركات الأساس لهكذا انتفاضات. يقول جورج في احد مقالاته : “عندما يشتغل تأثبرايروس٬ ياخذ حب الناس و تضامنهم بعضهم لبعض مكان القيم والمعايير السائدة : تفسح المنافسة الطريق امام تعاون، التراتبية امام المساواة، القوة امام الحقيقة”ـ كتاب “الاحتراق العفوي : تأثير إيروس والثورة العالمية” ـ2017

[4]للمزيد حول هذا التحالف الكارثي و دوره في تفسيير الوضعية المزرية للأغلبية من شعبنا اليوم انظر مقالي بعنوان : الشعب المغربي تحت تأثير الطواحين الثلاث : الاستبداد السياسي، و الليبرالية الاقتصادية/الاستعمار الجديد، والتغيرات المناخية

[5]   أنظر مقالي بالفرنسية بعنوان : هل تكون نخبتنا مازوشية ؟ Notre élite, serait elle ?masochiste

[6]هذه النواقص ثم استدراكها بشكل لافت للنظر في حراكي الريف و جرادة و التي اعتبرهما اهم محطتين نضاليتين و أقواها بعد 20 فبراير حيث ابتدع المواطنات و المواطنون اشكال متميزة من التداول الديمقراطي للمطالب عبر نقاشات في المقاهي و الساحات العمومية.

[7] آنظر مقال : كتاب “بيداغوجيا المقهورين” لباولو فريري أداة تحررية لكل المقهورين وللذين يناضلون إلى جانبهم

[8] انظر مقالي حول موضوع حملة المقاطعة الشعبية هاته بعنوان: أمام ظلم الحاكمين و طغيانهم يصبح عصيانهم و مقاطعة منتوجاتهم واجبا وطنيا ـ ابريل 2018

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.