#ولاش_السماح_ولاش؟.. استحضار الذاكرة والطروما بعد 10 سنوات على حركة 20 فبراير

- الإعلانات -

كان يتعين علي تحدي الكثير من المثبطات والكوابح النفسية و المخاطر الجنائية للقيام، عبر هذه الأسطر، لتقديم هذه الشهادة العاطفية جدا، رغم محاولات العقلنة. تمرين كان لا بد منه لأنني أحتاج بإلحاح للتوقف عند جوانب مضيئة قليلة وأخرى مظلمة ومتعبة طغت عليها كما يطغى اضطراب القلق على صاحبته. حاجة مدفوعة بقناعة مهمة أن لا مصالحة (والمصالحة ضرورة حيوية) ولا تقدم (والتقدم خيار حتمي) إلا عبر الاتفاق أولا مع الخصم (هنا الدولة) على ما لا نتفق عليه أي موضوع الخصام.

وأول خطوة لذلك هو التعبير المحظور المجرم، الذي ارتأيت انتزاعه رغم الخوف والقلق الطاغي في ظل هذه الحالة السياسية الطارئة جدا والمرعبة، من وجهة نظري على الأقل.

شهادة بتعبير صريح – لعله تلقائي – وخوف حقيقي – ولعله معقول – مما قد يجره علي التعبير من تهم وهمية، وهو ما أجبرني على عدم الإفصاح عن هويتي. على أي سوف، أتطرق لبعض جوانب تجربتي الذاتية والخاصة من داخل حركة عشرين فبراير بعد عشر سنوات على انطلاقها، ولا أدري كم سنة على انتهائها.

للذين يجهلون ماهيتها، نذكرهم أن هذه الحركة أتت في سياق يطلق عليه “ربيع الشعوب” أو “الربيع الديمقراطي” كما يحلو للبعض في صيغته المغربية المتعددة مثل هوية المغرب، وهي الدينامية التي انطلقت، كما يخبر عنها اسمها، يوم 20 فبراير 2011 ؛ على الأقل هذا التاريخ متفق عليه.

فلنتفق أيضا على أن ضرورة التوثيق ومسار “المصالحة” مع الخصم (الدولة) حتى لا تكون أحادية الطرف وينتفي معناها، يستلزمان الإقرار بمشروعية استحضار الذاكرة العاطفية والاعتراف بها في مختلف المراحل. أما أنا فيحيي في استحضار ذاكرة مشاركتي في هذه الدينامية الاحتجاجية طيفا متحركا من العواطف والأحاسيس، أستطيع التمييز بين نوعين منها:

أ- تلك المتعلقة بأثر هذه التجربة على شخصي وشخصيتي التي صقلت، أيضا، بفضل وضعيتي من داخل الحركة، كمشاركة فاعلة متفاعلة، أنتمي كليا للحركة. ترتبط هذه العواطف بالوعي بالجدل بين الإحساس بالانتماء مقابل الوعي بالغير ، بالفخر مقابل العار، بالمسؤولية الذاتية مقابل الإحساس بالذنب، بالأمل مقابل الإحباط.. إلخ.

ب- وتلك المتعلقة بوضعية أو دور الملاحظة لديناميات القوة بين مختلف المكونات السياسية للتنسيقيات المحلية والوطنية ذات الخلفيات الأيديولوجية المختلفة والمتناقضة أحيانا. وضعية سلبية مشروطة بموقعي الخارجي عن هذه المعارك التي لم تكن تعنيني إلا قليلا.

 لعل الطابع المتناقض لهذين الموقعين – الأول داخلي مع إحساس قوي بالانتماء لاحتجاجات معارضة لمنظومة الحكم وسياساتها والثاني خارجي عن الصراعات السياسية داخل الدينامية الواحدة – يجد تفسيره في الطبيعة الهلامية المرنة والمنفتحة للحركة ونموذج تنظمها الذي يتيح فضاء للتعايش بين المشاريع المجتمعية المختلفة (ولو مؤقتا ) رغم الصراعات وأحيانا الأخطاء التي تجتر معها.

من بين ما حفز ظهور حركة عشرين فبراير هو صعود ديناميات الحركات الاجتماعية الجديدة ذات الطابع المناهض لسياسات العولمة الاقتصادية والرافضة للسلطوية التي تقايض بها الأنظمة السلم الاجتماعي والاستقرار الأمني والسياسي. لم تكن لهذه الديناميات لتتحقق وتتعمم في بلداننا – التي لا تعترف بحقوق المجموعات المضطهدة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا في التنظم – لولا تطور شبكات العالم الرقمي، الذي سمح بالتقاء وتكتل وتنظم ذاتي لأصحاب مصالح ملتقية وتعابير سياسية متقاربة بفضل الذكاء الرقمي لشبكات التواصل الاجتماعي. فسرعان ما لقيت نداءات التضامن العابرة لحدود الأوطان صداها لدى مستخدمي هذه الشبكات بالمغرب، فتفاعلت معها التنظيمات السياسية المعارضة التي وجدت فيها نفسا جديدا لفعلها السياسي النضالي.

لقد شكلت الدينامية التضامنية العابرة للحدود، التي ترجمت واقعيا على شكل وقفات واحتجاجات تضامنية مع الثورات الإقليمية،  الفضاء الأول للانتقال من التنظم الوهمي (virtual) للتنظم الواقعي.  ومناسبة لانطلاق ديناميات محلية شعبية حاملة لمطالب المجموعات المعنية بالحيف الاقتصادي-الاجتماعي والبيئي كل حسب موقعه ومستوى تأثيره (محلي، بيمحلي ووطني). الحقيقة أن أشكال التنظم هاته وإن كانت جديدة وغير تقليدية لم تنج من تأثير علاقات القوة والاستقطاب الكلاسيكي للقوى السياسية المتواجدة في المشهد السياسي المغربي. فقد كانت المطالب من حيث المضمون وأشكال التعبير عنها وحتى فضاءاتها مشروطة باعتماد التنسيقيات على مجالس الدعم المكونة من أحزاب ومنظمات سياسية ونقابية ومدنية ذات قدرات تأثير غير متكافئة – وجدت نفسها أمام تمرين التعايش الذي فرضه السياق.

ليست المجموعات المنظمة سياسيا من فرض عليها التعايش مع النقيض، لكن أيضا المجموعات الاجتماعية ذات الوضعيات غير المتساوية بفعل انتماءاتها الجندرية والجنسانية. لذلك أود أن أضيف إلى موقعي (أ) و (ب) أعلاه، موقعي المشروط بوضعيتي الاجتماعي كامرأة من داخل الحركة :

ج- كنت من النساء اللواتي احتللن الفضاء العام، أي امرأة تمارس الفعل السياسي عبر تواجدها في الشارع. وأود أن أشارك معكم باختصار، بعض العناصر التي دائما ما كانت تعيدني بقوة لهويتي الجنسية والجندرية كامرأة :

الواقع أنه، منذ الصغر، قليلا ما كان تواجدي بالشارع حدثا سارا، كما هو الحال بكل الفضاءات المفرطة في الذكورة (espaces sur-masculinisés) سواء كانت عامة أو خاصة ؛ وذلك نظرا للثقل الذي كنت أعاني منه كجسد يجب عليه الالتزام بمعايير الظهور و ما كان علي كذات من واجب الالتزام بسلوكات وأدوار اجتماعية تليق بي كامرأة. لكن نضالي في حركة 20 فبراير أضاف بُعدا جديدا لهذا الفصل اللاإرادي غير المختار، للجنس، والجندر والفضاء. بعد جديد أحس به بقوة لكنه متخفي ودقيق.

صحيح أن الشوارع، حسب ذوقي أنذاك، لم تكن أكثر إغراءا وجاذبية واستقبالا مما كانت عليه خلال سنوات حركة 20 فبراير؛ ولا يمكنني إنكار ذلك لأن من كن يحتللنها هن أيضا نساء ورجال وآخرون أشبههم ويشبهونني وأنتمي إليهم، وخصوصا أن تلك الأزقة والشوارع كانت تشكل في تمثلي، آنذاك، تلك الفضاءات الأمثل لتحرير التعبير والكلمة كتمظهر للممارسة السياسية التي لم أكن منخرطة فيها قبل هذا الحدث الذي ميز ما بعده عما قبله. بالمقابل عزز تواجدي بالشارع حضو شبح القمع البوليسي، الذي كنت أحسه دائما يستهدف جسدي النسوي فيحيلني على هشاشته التي طالما داريتها وأخفيتها بشتى الوسائل.

ففي كل مواجهة مع القمع البوليسي، تصل الشتائم والوصم الميزوجيني إلى مسامعي قبل أن تصل العصا إلى جسدي، فكأني بهم يعدون جسدي السياسي لاستقبال الضربة مثنى وثلاث ورباع، وليكون وقعها مضاعفا بالكراهية المدفوعة والمبررة جندريا.

في كل مرة تم استهداف إحدانا بمجموعاتهم بالزي أو بدون زي (والأبشع تلك التي لا تلبس سلاحا يميزها عنا)، في كل مرة يتم عزل إحدانا بشكل مقصود، لنقع في أيديهم، تمر عليها عشرات الأيام من الانهيار الذهني ما بعد الصدمة، تعيشها في صمت ورعب ولوحدها. فكثيرات هن اللواتي، سيقرأن هذه الشهادة العاطفية جدا، سيتذكرن كم مرة اضطررن للحد من ظهورهن بالشارع وفرضن على أنفسهن الرقابة وتجنبن أخذ الكلمة أمام العموم، علهن ينسين مؤقتا؛ ريتما يستجمعن قواهن – إن تأتى لهن ذلك – لمقاومة فكرة أن أجسادهن سياسية وأنها أكثر من ذلك أدوات تقترف الخطأ السياسي.

لم يتوقف التعنيف اللفظي والجسدي البوليسي لأجساد النساء المجنسنة مع إنتهاء تواجدهن بالشارع، فكان يمتد إلى بيوتهن وعائلاتهن وحيواتهن الخاصة والحميمية على شكل حملات تشهير وتشويه سمعة، واستهداف عبر التحرش الرقمي من أرقام وحسابات مجهولة الهوية. ليثنيهن عن المشاركة في الحركة أو الديناميات التي خلقت ما بعد الحركة عبر استعمال الفكرة النمطية حول المرأة الفاعلة سياسيا، تلك المرأة السيئة غير المطيعة الفاجرة العديمة التربية التي تهدد القيم الراسخة للمجتمع الأبوي الطهراني جدا. والتي لا ينبغي التعاطف معها والاستماع لها أو حتى أخذها على محمل الجد.

لحسن حظ التاريخ، ولسوء حظ أجهزة القمع والعقاب، هناك شهادات وثقتها الصحافة وتقارير المنظمات و”الجمعيات الجادة” حول ما عانت منه النساء المعتقلات خلال الأشهر الأولى للعشرين فبراير من تعنيف جسدي وأحيانا جنسي، يذكرنا بشهادات النساء المناضلات اليساريات اللواتي تغلبن على اعتقالات سنوات الرصاص. كما شهدت الصحافة البوليسية على بوليسيتها عبر محتواها الرقمي والورقي الميزوجيني. كما شهدت الكاميرات التي أفلتت من الكسر والمصادرة على الضرب المرافق للشتائم الكارهة للنساء.

لا حاجة للخوض في تفاصيل الأحداث الصادمة، التي ما زالت آثارها تنهش في الصحة الجسدية والنفسية لنساء حركة 20 فبراير، لنقر بمعطى مسكوت عنه بالإجماع – لا يختلف عليه اثنان : في الفضاء العام وكل فضاءات الفعل السياسي كان المعنف الرئيسي للنساء هو قوات النظام، وكتائبها الرقمية، وصحافتها الصفراء. أخيرا فإني أعي أني بكتابة هذه الأسطر، ربما، قد يرى البعض أني وقعت في المحظور المسمّى “الإساءة لمؤسسات الدولة”. لكن الفيديوهات شاهدة على التجاوزات والخروقات، دون أن ننسى أن أبشع الانتهاكات كانت تحدث في غياب الكاميرات. ولعل شهداء وشهيدات العنف والحكرة البوليسيين، وكل التحقيقات غير المغلقة أكبر دليل على إساءة هذه المؤسسات لنفسها.

#ولاش_السماح_ولاش؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.