فاطمة الزهراء البلغيتي: لنستخلص الدُّروس بعد عقد عن 20 فبراير ولنستعد للقادم من نضالات شعبنا

- الإعلانات -

فجّرت الموجة الثورية التي انطلقت من تونس 2011 آمال عظيمة لدى شعوب المنطقة، وانطلق شعار الشعب يُريد ينتشر في الأرض ويعلو في سماء حجبتها ظلمات أنظمة مستبدة ظالمة لعقود طويلة. في هذا السياق انبثقت حركة 20 فبراير في المغرب فاتحة صفحة جديدة في تاريخ البلد السياسي، وأحيت في أعماق الشعب المغربي تطلعات كبيرة لطالما دفنتها سلطة سياسية مطلقة  ومُستبدة لسنوات عديدة.

شكلت حركة 20 فبراير طورا نضاليا  مهما ونوعيا، لقد سلكت الحركة في الدفاع عن مطالبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، طريق النضال الميداني  بدلا من الاستجداء ورفع الملتمسات. انخرطت أقسام كبيرة من الشعب المغربي خاصة الشباب في كل أشكال الاحتجاج التي تنظمها الحركة في  المدن والقرى، وحفزت ديناميتها النضالية احتجاجات  فئات شعبية تطالب بالحق في السكن وفي تجارة الرصيف وانعشت أيضا نضالات الأجراء في منظماتهم النقابية. أيقظت نضالات المعطلين ضد البطالة والمطالبة بالتشغيل،  ولازالت شعارات الحركة تردد في التجمعات والوقفات الاحتجاجية، خاصة  المركزية منها،” عاش الشعب، جلالة الشعب”: حرية، كرامة، عدالة اجتماعية و” الشعب يريد اسقاط الفساد والاستبداد” مع تكييف الأخير مع نوعية المطالب وطبيعة الفئات المنخرطة أو المنظمة للاحتجاج. هذا جانب قد يبدو بسيطا لكنه يبرز الوقع الإيجابي الذي أحدثته حركة شباب 20 فبراير، بحيث أصبحت شعاراتها تعبيرا نضاليا شعبيا مشتركا لرفض الظلم والحكرة.

كانت حركة العشرين من فبراير حلبة صراع  سياسي حقيقي  اقتحمها شباب وشابات يحدوهم ويحدوهن عزم وآمال في تحويل شعارات الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية لواقع ملموس، وفرض دستور ديمقراطي يحرر الشعب المغربي من حياة العبيد والقهر، ومثلت علاوة على ذلك أول تجربة نضال سياسي واجتماعي لجزء كبير من المناضلين والمناضلات الشباب سواء المنظم في أحزاب وجمعيات أو غير المنظم، وأول احتكاك لقوى اليسار الإصلاحي والجدري مع قسم من الحركة الاسلامية التي تشكل خصما سياسيا وبرنامجيا.

تميزت الصيغ التنظيمية للحركة إجمالا بالمرونة والديمقراطية في اتخاذ القرارات، مثال حركة 20 فبراير أكادير الكبير، حيث كانت الجموع العامة هي الفضاء  الجماعي الذي ينظم فيه النقاش، وتقرر فيه مواعيد و أمكنة وشكل المسيرات وتحدد فيه لجن ولائحة الشعارات، و تفرز فيه لجن التعبئة اللوجستيك واللجنة التنظيمية عند النزول للشوارع، وحرصت مناضلات اليسار خاصة الجدري والمنخرط في الحركة محليا على تقاسم المسؤوليات بشكل مستاو بين المناضلين والمناضلات على مستوى التنظيم والتوجيه (لجنة التوجيه والتنسيق)، وصياغة البيانات والنداءات وإلقاء الكلمات التحريضية في الأحياء الشعبية والكلمات الختامية، وعرفت حركة 20 فبراير على المستوى الوطني انخراطا قويا لمناضلات اليسار المنتمي للحركة  وكن محرضات قويات في الساحات، وحاولن إبراز المطالب الخاصة باضطهاد النساء، لكن تواضع قواهن لم يسمح لهن بلف القاعدة الشعبية للنساء اللائي كن يشاركن في المسيرات خاصة في الدار البيضاء وطنجة حول تلك المطالب، وربطها بالمطالب الديمقراطية والاجتماعية والاقتصادية التي تشكلت عليها أرضية حركة 20 فبراير.  

أبان شابات وشباب حركة 20 فبراير خاصة في العشرة أشهر الأولى من انطلاقها عن قتالية كبيرة وتصدو-تصدين للقمع  والاعتقال بصمود كبير وواجهوا-وواجهن هجومات مجموعات البلطجية التي جندتها أجهزة الدولة لتكسير نضالات الحركة، وترهيب المواطنين والمواطنات في الشارع لتنيهم-هن عن المشاركة، لكن ورغم النفس الكفاحي لهذه الحركة التي ألهمت مقاومتها كل شرائح الشعب المغربي المكتوي بسياسات نيوليبرالية  والطامح لمغرب ديمقراطي تقتسم فيها الثروة بشكل عادل، استطاع نظام الاستبداد الالتفاف على مطالب الحركة، ودشن خطاب 9 مارس بداية الانقضاض على حركة 20 فبراير بالأساليب التي ألفتها السلطة السياسية الحاكمة، فرض لدستور ممنوح يُديم الاستبداد السياسي، وتنظيم انتخابات قبل الأوان وتحميل حزب العدالة والتنمية الإسلامي مسؤولية حكومة الواجهة، ومنح بعض الامتيازات الاجتماعية الطفيفة للحركة النقابية سرعان ما تم  استردادها بفرض سياسات تقشفية تعمق بؤس الشعب المغربي، وأخيرا استدراك هامش الحرية الذي فرضته الحركة في سياق اقليمي كان حافزا سرعان ما تحول إلى كابح بعد إغراق النِظامين الديكتاتوريين للثورة في ليبيا  وسوريا في بحر من الدم.

مر على الحركة عقد من الزمن، استعاد فيها النظام الحاكم زمام المبادرة، ويشن اليوم هجوما ضاريا على حقوق الشعب المغربي الأساسية، وتصاعدت موجة قمع كافة أشكال الاحتجاج والتنكيل بالأصوات الحرة المعارضة، وتوسعت حملات الاعتقال  وتمثل الأحكام السجنية الصادرة في حق معتقلي حراك الريف وجرادة شكلها الأكثر جورا وقسوة.

إن هذا الوضع القاتم المخيّم على البلد والخانق للأنفاس لا يجب أن يكسر فينا  آمال النهوض من جديد وبقوة أشد من ذي قبل، وعلينا أن نتسلح بالدروس المستخلصة من معاركنا السابقة مع الاستبداد، لقد خبرنا معمعان النضال ونُدرك اليوم أن إلحاق الهزيمة بالاستبداد لن يتأتى إلا  بتنظيم من هن وهم في الأسفل لأنفسهم وأنفسهن، ولنمضي في بناء ميزان قوى شعبي عمالي يقوى على انتشال حياة الشعب المغربي من قاع الظلمات والفقر، وعلينا نحن المُنحازين والمنحازات لقضايا شعبنا أن نتسلح بالأمل الدؤوب وأن ننخرط بعزيمة لا تقهر في كل أشكال المقاومات سواء كانت تثقيفا سياسيا تنويريا ضد تشويه الاستبداد للوعي الشعبي أو فعلا نضاليا مباشرا. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.