[رأي].. التقارب اليساري – الاسلامي: مَنْطِقُ الوَهْمِ، و وَهْمُ المَنْطِقِ.

- الإعلانات -

يعرف المشهد السياسي والفكري والقيمي بالمغرب، تحولات عميقة ومتسارعة، شكلت بؤرة للعديد من السجالات داخل منتديات الفكر ومعاهد البحث، إلى الحد الذي أضحت معه مسارات التحول ورهانات التغيير، بمحدداتها ومداخلها وتمظهراتها، محور الدراسات والأبحاث بغية رصد طبيعتها وحقيقتها، والكشف عن رهاناتها، والإحاطة بمآلاتها.

ويتيح التتبع اليقظ، والسؤال المنهجي الفاحص، مداخل لمقاربة وتحديد مسارات التحول في مجتمع تعددت فيه بؤر الاحتقان الاجتماعي والسياسي، والانغلاق الفكري والتوتر القيمي، كتجل واضح لانتكاسة وتأزم برامج التربية والتعليم والتنمية.

مؤشرات التحول

ولعل ما يؤجج اهتمام الراصد لمؤشرات التحول في هذا السياق، حقيقة ثلاثية الأبعاد : 

أولها، اجتياح خطاب الانتقال والتناوب والتوافق لكل مستويات المشهد السياسي، وصار إطارا موجها ومحددا للفكر والتفكير والحركة، كابحا لكل إمكانات التفكير في مسارات مختلفة لمشروع التحول والتغيير الديمقراطي.

ثانيها، الاجتياح الواسع للخطاب الديني، ولطقوس ورموز وأنماط التدين للفضاء العمومي، وتجاوز أشكال وممارسات المعتقد للجوهر الروحي التعبُّدي، ليأخذ شكل نزوع مُوَجَّه لتكريس قيم المحافظة وإعادة إنتاج بنيات التقليد، الرَافضة للتغيير، ولشرعية التفكير والعقلانية. وصار يؤكد واقع تغلغله الصامت، وحقيقة اختراقه الفعلي لمرافق ومؤسسات الدولة والمجتمع.

بل لن نغالي إن قلنا، أن هذا التصور، صار يراكم نجاحات على مستوى بوْصَلَةِ وتنميط الذاكرة الجماعية، اتخذ بعدا تحكُّمِيا، انطلق برهان “أخونة المجتمع”، وانتقل إلى سياق “عولمة الأسلمة”، بدعم إيديولوجي دولتي وإقليمي واضح. وانتقل خطابه الديني والسياسي، كما يؤكد أحد الباحثين ( عزيز لزرق، الدين والسياسة، الدعوة والثورة)، من “خطاب إصلاحي، تبليغي وتوحيدي، ليفصح، صراحة أو ضمنا، عن نزوع نحو الاحتجاج والتكفير والتعنيف، ليخرج بذلك من مرجعيته الدينية، ومظهره الدعوي، ويُعلِنَ عن غايته السياسية. وهو تحول ولَّده انكسارات الماضي، وهاجس البحث عن الأسطورة المُؤَسِّسَة”.

ثالثها، أن تحولات المشهد السياسي والديني، وتضخم خطاب التوافق والعهد الجديد، وتضخم تعبيرات ورموز وطقوس التدين، واجتياحها للفضاء العام، صاحبه تعدداً غيرَ مسبوقٍ في مظاهر وكيفيات استثماره السياسي، سواء من قبل أجهزة الدولة أو من قبل الحركة المتأسلمة بمختلف أطيافها وتعبيراتها.

على أن واقع الاستثمار هذا، شرعن انبثاق مسار آخر، بدأ يعرف ” تداولا ” و” التفافا ” بين أوساط ” أكاديمية، وصحفية وسياسية” تفتقد لمشروعية علمية ولأساس نظري واضح المعالم والرهانات، ويحاول “الزحف” لإيجاد فضاءات لترسيخ تصور معين للعمل السياسي، ونظرة مُحَوَّرَة ومنتقاة، لتجسير التقاربات والتحالفات، ويؤسس لمشروع حوار بين مُكَوِّنٍ يرفض آليات وأدبيات الحوار، يكفر منطلقاتها، يرفض حق التعدد والاختلاف، يُؤَلِّهُ الولي والشيخ والأمير، ويستند في خطابه على الأساطير والماورائيات، وطَرَفٍ يستند على العلم والمعرفة، على العقل والعقلانية، على الانسان، جوهر الانسان، على التحرر والانعتاق، على الحريات والتعدد والعيش المشترك، على التقدم والتحديث والعلمانية يؤمن بالحوار ويصبو إليه، بشروطه ومحدداته وأخلاقياته.

تعددت الأصوات المعبرة عن رهان التقارب والتحالف، بين بناءات وتصورات متناقضة، بل متنافرة إيديولوجيا ونظريا. يؤسس دعاة هذا التصور، مشروع التحالف من منطلق جوهري، “حددوه ” في عداء موحد للنظام السياسي واختياراته، و “اختلقوا ” له رهانا مرحليا، تمحور حول السعي إلى تقويض أركان النظام، وتشييد نظاما ومجتمعا بديلين، دون تحديد رهانات الثورة ومخرجاتها، متناسين تجارب التاريخ ومكر السياسة وخبث الجماعات الأصولية. تجارب تفيد، تزامن انقلابين في المشروع الواحد، انقلاب معلن وآخر ضمني، انقلاب الجبهة الموحدة ضد الأنظمة، وانقلاب الجماعات المُتأسلمة على اليسار والديمقراطيين والعلمانيين فور نجاح الثورة والاستحواذ على السلطة.

على أن التفاعل النظري مع حقيقة المشروع وتمظهراته ورهاناته، يفرض رصدا وإعادة تشكيل الأسئلة والاستفهامات. ما هي حقيقة هذه الدعوات والمشاريع، وما هو وقعها على صيرورة الدمقرطة، وبناء دولة الحق والقانون، الهادفة إلى فصل حقيقي وتحديد للسلط، وإلى فصل جوهري بين الدين والدولة، والسياسة، يتحقق معه إمكان عودة الدين إلى سياق الدعوة، دون استعجال الثورة والتبشير بزمن الخلافة؟ ألا تشكل هذه المقاربات، عاملا معيقا وكابحا لسيرورة دينامية العلمنة بالمجتمع المغربي؟ وهل كل توجه نحو الحداثة والتنوير يؤدي حتميا إلى تراجعٍ للدين في المجالين العام والخاص؟

وما هو مآل تقارب وتحالف بين مشروع ينبني على خلفية تستعمل الدين مرتكزا، وتصبو إلى “سلطة الفقيه والحكم الراشد” والمشروع التحديثي الهادف إلى العقلانية والعلمانية والتنوير ؟

وما السبيل لتسليط معاول النقد والسؤال على مسلمات وبناءات تحولت إلى” آلة لإنتاج الوهم، وعلى خلفية الوعد والوعيد” ؟

التقارب العلماني – الإسلامي

سأعود في هذا المسعى، إلى لحظة تاريخية مفصلية، استأثرت باهتمام الرأي العام الوطني والإقليمي ، وأضافت إلى النقاش العمومي، جدلا سياسيا وفكريا آخرا، وبوأت دعوات التقارب بين اليساريين والعلمانيين، والتيارات الإسلامية ، لَحْظَتِها المُؤَسِّسَة.

فالحوار  وجلسات” التقارب ” التي احتضنتها مؤسسة قرطبة بجنيف، والتي اعتُبِرت حصيلة لقاءات ومشاورات متعددة، شارك فيها جملة من الخبراء والفاعلين السياسيين الممثلين للتيارين،  بدءا  بالدوحة (مارس 2016 ) ، وتعريجا على إسطنبول ( شتنبر 2016 ، ثم مارس 2017) ، بمباركة قطرية وتركية ، وأثمرت رؤية تأسيسية تقوم على “أهمية إنتاج ثقافة سياسية جديدة مشتركة تستند إلى قيم الحرية والعدل والكرامة والتنوع والقبول بالآخر… وعدم الإقصاء، والمواطنة ، ونبذ العنف… من خلال بناء تحالفات عابرة للإيديولوجيات… تساهم في إنجاح الانتقال السياسي السلمي…”. كما تؤكد ، نفس الرؤية، على ” ضرورة تجاوز الجدل الفلسفي ، وضرورة خلق فضاء مشترك تؤطره توافقات متداخلة…”

كما تشدد المبادرة كذلك، وهنا مربط القصيد، على أن “الإسلام يفسح مجالا واسعا لإمكانيات العمل المشترك من أجل مصلحة المجتمع… وأن القواعد الدينية تشكل إطارا يوفر التوجيه ويسمح بالإبداع … وأن “صحيفة المدينة “، دليل عملي من منظور إسلامي على إمكان  التعايش والتفاعل الإيجابي في مجتمع متعدد الانتماءات القبلية والدينية… وأن الانتماء الجديد ينبني على ثلاث طبقات: القبيلة، الدين والمدينة …وأخيرا، وليس آخرا، ففضاء التواصل والعمل المشترك هو ” آلية مستديمة، تبدأ بمرحلة الانتقال السياسي، وتستمر طيلة مرحلة تشييد دولة القانون والحكم الراشد.

أفق ماضوي

إن منطوق الرؤية التأسيسية، كما تخريجاتها، تحدد إطارا واحدا وأوحدا، للحوار والبناء والانتقال : القبيلة والعقيدة وصحيفة المدينة والدولة الراشدة . بل تحدد من السلفية العقائدية  وعاء للتجديد وسندا له.

وواضح أنه، وحتى في إمكانات التواصل والحوارات المفتوحة، يتشبثون بأفق ماضوي تشكل “الخلافة الراشدة” إطاره ورهانه.  و يستأسدون، بدعم دولتي إقليمي وازن، في فرض رؤية لا تفيد نية حقيقية في رهان تأسيس الدولة المدنية وتحقيق الانتقال الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون.

والحقيقة، أن رهان التواصل والحوار والعمل المشترك من أجل الانتقال السياسي ، يتهاوى تحت وطأة عمق واتساع رقعة  الاختلافات الجوهرية الفلسفية والإيديولوجية والسياسية بين التيارين.

نتشبث بالحق والقانون، و يتشبثون بالعقيدة والشريعة.

ننهج أسلوب التربية المدنية والديمقراطية الهادفة إلى تسييد قيم المواطنة الحقة ، لمواطنين لهم حق الوعي والمبادرة والمشاركة، و تهدف إلى إطلاق  المبادرات وتحريرها . ينتهجون أسلوب تجييش مريدين يجترون ” حكايات الفقيه ” و” أوامر الداعية “،  ويقدسون النقل والاستنساخ والنهل من متون الائمة والفقهاء.

نتشبث ببناء مجتمع منفتح ومتعدد، تسود فيه قيم الاختلاف والتعايش، مجتمعا يتأسس على حرية العقيدة والمعتقد ، و يتشبثون ببناء ” أمة الإيمان ” ، تتأسس على العقيدة  الواحدة، وشريعة الورع والتقوى وطاعة أولي الأمر

نهدف  جاهدين، إلى زرع قيم التربية الديموقراطية و الأخلاق المدنية ، قيم المواطنة، لتوعية المواطن بحقوقه وواجباته ومسؤولياته تجاه نفسه ومحيطه. ويلهثون وراء تنميط للعقول والهمم ، ينبني على منهج الهداية، و فروض الطاعة والولاء ، على التخويف والترهيب ، واللهث وراء الجزاء والغنيمة والرضا الإلهي

نريد حكم الشعب وسلطة المؤسسات وفصل للسلط وتحديدها ، تكون فيها العدالة حامية للشرعية والمشروعية، ويريدون ولاية الفقيه والقائم بأمر الله، والمنفذ لسلطة “الصحيفة” ، والشريعة الماضوية الغير صالحة لكل الازمنة ولا لكل الأمكنة.

نرنو إلى فصل للدين عن الدولة و السياسة ، للقطع مع واقع تدخل العقيدة في أمور السياسة وتدبير الشأن العمومي، ولاستحالة بناء النظام السياسي والدولة الوطنية على مبادئ الدين وأعرافه.

ويريدونها دولة ودينا وسياسة ، تحقيقا للسيطرة على مفاصل الدولة والمجتمع . نريد نزع القداسة عن الدين والدولة ، و يتشبثون بنزعة التقديس لأحاديث وفتاوي أئمة الماضي، ولأحداثه ووقائعه وشخصياته.

ننهل من مرجعيات فكرية وتجارب إنسانية متعددة، تضمن خصوبة التفكير واتساع آفاق التحليل والنقد، ويقبعون في أصولية عقائدية ” تقصي العالم والتاريخ وتصمت عنه، وتلحقه بكون أخروي يحقق طمأنينة النفس والروح، لكنه لا يخلق أي سبب من باب القوة والمناعة.

نرنو إلى العمل داخل حقل سياسي تعددي، يعرف منافسة برنامجية شريفة بين فاعليه الحقوقيين والمدنيين والسياسيين…من أجل  الديموقراطية والحرية والكرامة و العدالة الاجتماعية. نرنو إلى فضاء عمومي خصب بالنقاشات الحرة حول قضايا التنمية والمواطنة والوطنية، حول قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية. ويتشبثون بحقل سياسي أحادي، برنامج وحيد، لا أحزاب ولا هيئات حقوقية ولا مدنية ولا نسائية.

نقدس الحق والقانون، العقل والبحث العلمي والتقني، ويقدسون التفكير الرجعي، نقلا و استنساخا ، لما تواتر في متون وهوامش مجلدات العقيدة  الشريعة والدين.

ننهج نضالا ديموقراطيا جماهيريا، يتوخى بناء دولة الحق والقانون، دمقرطة الدولة والمجتمع وتوسيع نطاق الحريات العامة وترسيخها. ويسعون الى العمل الدعوي، لتحشيد الهمم وتشييد جماعة الأخوة الإيمانية.

نسعى إلى تعميم فكر تقدمي تحرري، ويسعون إلى إغراق المجتمع وقواه الحية في سياقات ظلامية ماضوية  تلجم الحريات والطاقات، وتكفر العقل والفكر وتعادي العلم

نؤمن بالفكر الوضعي الذي يجعل الإنسان في قلب المعادلة، وفي قلب دينامية الفكر والإبداع، ويؤمنون بالفكر الغيبي الذي يزخر بالخرافات والأساطير.

نتوق إلى خلق دينامية مجتمعية في شكل “شبح يساري تقدمي”، يشكل سلطة مضادة لهيمنة وعجرفة الدولة . ويريدون جماعة من المريدين ، تتقن الخضوع والخنوع والطاعة، وتخضع لمنطق الراعي والقطيع وكلب الحراسة.

نريد تقدما ورُقِيّا، ويريدون نكوصا واستنساخ  تجارب  مهترئة في بناء الدولة والمجتمع، شكلت دولة الخلافة أفقها، على الرغم مما يثار حولها من استفهامات متعلقة بطبيعة تدبير أمر الخلافة نفسه كما يؤكد أحد جهابذة الفكر الإسلامي حين قال” ما سل سيف ، مثل ما سل حول مسألة الخلافة في الإسلام.

نصبو إلى غد مشرق ، يصون الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ويقدسون ماضيا بني على منطق القبيلة والعقيدة والغنيمة . نتوق الى تعميم قيم الاختلاف والنقد والنقاش العميق حول قضايا الدمقرطة والتنمية والعدالة  وينهجون أسلوب القمع ومصادرة الرأي وحق التعبير، وتكفير الآخر

نتطلع إلى إحداث ثورة ثقافية وفكرية وسياسية، ويريدون تحقيق استمرارية الفكر العقائدي والسلفي . يحطون من قيمة العلوم والتقنيات ، و يكنون العداء للتنوير والعقلانية، ويسفهون الديموقراطية والعلمانية، ويبخسون الفن والثقافة والإبداع.

يعلنون استعدادهم لتقبل الاختلاف والتعدد السياسي والحزبي ، لكن مع عدم المس ب  “الأسس والثوابت “، ويقبلون، بمكر، بشرعية الانتخاب و الاقتراع ، كسبيل ل ” التمكن والتمكين ” قبل الانقضاض على السلطة والدولة والمجتمع ، و” لتخرج الدعوة من ميدان الايديولوجيا الى ميدان السياسة والبدء في الجهر المادي بالرسالة السياسية، بعد إنضاج شروط التغيير خارج الدولة ومن داخل المجتمع، ثم الانتقال الى الدولة ، بعد توسل دعوي وشرعي لتأييد المجتمع في المنافسة الانتخابية.

ثم  يعلنوها قومة  وعصيانا، وزحفا مبينا، “حتى يتوب الأمير ثوبة عمرية “، ولنا في التجربة الإيرانية  والمصرية والتركية خير مثال على نذهب إليه.

لن أجد عناء من أجل تبيان كل الاختلافات العميقة التي تكرس تباعد  وتنافر وجهات النظر بين الطرفين ، فهي كثيرة وجوهرية، ولا في تعداد كل ملفات العنف والتصفيات الجسدية،  ومسلسلات التكفير والاستئصال للفكر الآخر، التي تورطت فيها الجماعات المتأسلمة منذ عقود.

لقد عودنا سياسيونا على خلق  “الحدث “وجعله يتصدر واجهة النقاش العمومي. فبين وازع الانصياع والانبطاح  والقبول بأدوار و بمشاركة على المقاس وتحت الطلب ، وبين الترويج لأطروحات ملغومة ولا تتوفر على أدنى مقومات النجاح كالانتقال الديمقراطي و التناوب التوافقي والعدالة الانتقالية. والحدث هذه المرة هو الخروج عن الإطار المحدد لأي حوار و عمل مشترك.

كفى هرولة وراء السراب. والحوار لا يمكن أن يكون إلا في إطار الديموقراطية الحقة، والدولة المدنية، ودولة الحق والقانون كخيار استراتيجي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.