الكساد الديمقراطي ورهان عودة “الشبح” اليساري

- الإعلانات -

حلقة أخرى، من حلقات  هدر الزمن السياسي، تنضاف إلى مسلسل تبديد  فرص دمقرطة البلاد ومؤسساتها السياسية والدستورية، وتزداد رهانات التوتر و الاحتقان، وتتواصل صيرورة مراكمة مؤشرات التأجيج لتصل درجة تنذر باحتمالات غير مضمونة  المآلات.

كثيرة هي تجليات الكساد والفساد والهدر السياسي.

عديدة هي التراجعات والانتظارات، وكذا الإشكالات المرتبطة بسؤال الديمقراطية والمواطنة والعدالة.

وكثيرة هي الاستفهامات المتعلقة بحضور السياسة، معرفة وممارسة، في الفضاء العمومي.

حضرت السياسة في صيرورة  البناء الديمقراطي والتنموي. وشكلت رافعة لكشف خلفيات التصورات والمرجعيات، ورهاناتها المتعددة والمتناقضة، فتَمَّ تجريم السياسة وتحييدها من معترك الصراع، وَتَمَّ إخضاعها لتحكم السلطة،  ولسلطة التحكم، ثم أُقْحِمت السياسة في معترك التهدئة، جعل من مطلب السلم والمسلسل والإجماع شرطا للتهدئة. قبل أن يتم تكبيل السياسة برهان الاستخلاف والانتقال، وانتهى بهيمنة منطق التوافق حول الملكية بنخبها وأوراشها، على السياسة والسياسي، عبر تحييدها وإبطال مفعولها، وافراغها من كل محتوىً توعوي وتربوي، مطلبي أو احتجاجي.

إن الحراك والفوران الشعبي والزخم الاحتجاجي، كامتداد لدينامية العشرين من فبراير 2011، وما رافقه من حملات التضامن والالتفاف، سيعيد رسم تمثلات علاقة الحركة الجماهيرية مع الدولة واليسار . والرهان هو كيفية استلهام دروس اللحظة الفبرايرية ولحظة الحراكات الشعبية، من أجل تحويلها إلى أيقونة للأفق التغييري.

إن إعادة تشكيل هذه العلاقة تنطلق من مدخلين أساسيين:

الأول، إطلاق مشروع تنظيمي يهدف إلى إعادة هيكلة وترتيب أشكال الدفاع الذاتي وآليات المقاومة لدى التنظيمات المجتمعية. مشروع من أجل مجتمع حركي ودينامي،  رهانه الرئيسي تأصيل وتأهيل دينامية مجتمعية متحررة من السلطة وكافة أشكال الهيمنة.

الثاني، توفير إطار تنظيمي حاضن لهذه الدينامية. هو إطار اليسار. وهذا مرتبط بقدرة هذا اليسار على إحداث نقلة نوعية على مستوى الفكر والأداء والامتداد.  يسار متحرر ومتجدد، ينبثق من نبذ لتجارب تنظيمية لم تنجح في تطوير أدائها السياسي وتجديد آلياتها التنظيمية،  يشكل تجاوزا للأطروحات السياسية “الوطنية والتاريخية ” التي جعلت من التوافق  حول ضرورة الحفاظ والمحافظة على الأشكال والتشكيلات المؤسساتية التقليدية، رهانا استراتيجيا. يسار يرفض كافة أشكال المركزية والوصاية. متحرر من عقد الماضي ودوغمائيته، ويملك قوة لتجديد الفكر والممارسة،  و له وعي أكيد بأن بناء فعل ودينامية جماعية، هي صيرورة طويلة، بطيئة ومعقدة، وتنطلق من وعي بالذات وبالإمكانيات، من رفض للتيئيس وتبخيس العمل السياسي، ومن القدرة على التعبئة والتنظيم .   فأي مستقبل للفكرة والمشروع اليساري؟   وما هو وقع توافقات العهد الجديد  على اليسار؟ وما هي مآزق اليسار  السياسية ؟ وما السبيل لانبثاق الشبح اليساري، كسلطة مضادة تعيد تشكيل التوازنات، اللازمة لإعادة هيكلة حقل سياسي تعددي، تحترم فيه قواعد التنافس الحر، وتحفظ فيه إمكانيات المشاركة، وقيم الحق والقانون والمواطنة ؟       

في تمثل السلطة والحكم

مؤشرات الكبح المانعة للتغيير الديمقراطي الحقيقي، متعددة  وتتمحور أساسا، حول تَمَثُّلاً للسلطة والحكم يمكن إجماله في تجلياته التالية :

 أولها، نجاح العهد الجديد، و نخبته الانتقالية، بعد إتمام ترتيبات الاستخلاف والانتقال، وترسيخ سلوك التخليق، تخليق الحياة العامة، كصيغة توافقية لإعادة تشكيل وتمظهر المجال العمومي، والمجال السياسي على وجه الخصوص. وارتهن تخليق المجال السياسي والتوافق حوله، بشرط إعادة تنظيم مكوناته ، وتشكيل رهاناته،  وإعادة هيكلته وضبطه، دون تسييسه، و إفراغه من حمولة الاحتقان الاجتماعي والسياسي،، وتحول سلوك التخليق، إلى ألية للوصول إلى السلطة بالنسبة للمعارضة التاريخية، وعدم التفريط فيها عبر ضياعها أو اقتسامها بالنسبة للملكية.

ثانيها، استمرار نفس التمثلات المعتمدة في مقاربة السلطة والحكم. فنظامنا السياسي ينتج تمثلا  للسلطة يؤكد استحالة صدورها عن جماعة من البشر، باعتبارها خارج المجتمع وفوقه، فهي سلطة مضمرة في المجتمع، تتموقع فيه بقوة وتَسَلُّطٍ  [1] هذه القدرة على التواجد خارج المجتمع وفوقه، تمنحها قوة خاصة، تستقيها من معرفة دقيقة بالأفراد والجماعات، معرفة بالاضطرابات، بالتمردات ، والمساومات والتحالفات  [2]

ثالث هذه المرتكزات، أن العهد الجديد انبنى على أولوية المؤسسة الملكية في توزيع الأدوار السياسية، وتحديد مجالات المنافسة بين الفرقاء السياسيين، ووفق توافق على اقتسام المجال العمومي، بين الملك وبقية الفاعلين. وهو توافق تمكنت الملكية، عبره ومن خلاله، من فرض تصورها للحياة السياسية:  ملكية  دستورية وتنفيذية، يخضع فيها الدستور لإرادة الملك، نظام برلماني يلعب فيه النواب دور المشرعن لاختيارات النظام وتوجهات نخبته الانتقالية، مشهد سياسي تعددي، والدخول إليه يكون بإعلان ولاء تام للنظام  [3]

 رابعها، مُتَعَلِّقٌ  بمنطق تأبيد الاعتماد على تصور إيديولوجي للشرعية في علاقة السلطة والحكم بقوى المجتمع الحية،  شرعية لا تمتح  شرط وجودها  من صيرورة تحديث سياسي،  ومشروع  ديمقراطي حقيقي، يتأسس على دولة الحق والقانون، بل ” منحة تعطى للقوى التى ترى فيها السلطة خير ضامن للاستقرار الاجتماعي والسياسي،  شرعية ممنوحة  قائمة على تعهد لا يمكن العمل به إلا في مقابل تنازلات سياسية مختلفة ، ترتضيها السلطة، سواء تعلق الأمر بتشريع حق الوجود لقوة معارضة، أو بولاء غير مشروع لقوى محافظة ورجعية.  وبهذه الصيغة،  تعرض السلطة على صعيد المجتمع، شرعية، تنبع من قوتها وتفرض اختياراته، وتقوم على ركنين ثابتين:  الولاء والخضوع فرضا، والتبرير والإصلاح وجوبا “. وهو ما يجعل  السلطة،  “تتصرف في هذه الآلية، الشرعية، ليس  كمشروع ديمقراطي لتنظيم العمل السياسي والنقابي، بل كأسلوب لتقييد الحريات العامة، وترسيخ الوصاية والحجر”  [4] 

خامسا،  يبرز إحدى الخصائص الجوهرية  للنسق السياسي المغربي ، الذي يتميز بالتداخل وتبادل الأدوار بين  بنيات الثبات والتحول. فمنذ أواسط سبعينات  القرن الماضي،  ونظامنا السياسي  ” يعزز  الحق في الثباتية  والتي يتم التفكير فيها باعتبارها وفاء للماضي “  [5]  . بل إن التحولات التي يعرفها النظام، بشكل دوري، لا تلغي استقرار النسق السياسي العام الذي تنخرط فيه، بل أن الاستقرار لا يمكن أن يتحقق بدون تَغيُّر، على الأقل، من أجل التأقلم والتفاعل مع مجموع التحولات الحاصلة في محيطه، وفقا لمقولة “الستاتيكو المتجدد، الذي يسعى إلى تأبيد النظام الحالي “  [6] .  بل إن التحول الدوري، يضمن تعميق بنيات الثبات، يحافظ على النظام القائم، ويعيد بناء التوازنات اللازمة لاستقرار النظام  [7] . واستمرت المؤسسة الملكية، في استخدام استراتيجية للبقاء قائمة على النزعة المحافظة، وعلى الترويض الدقيق على التغيير والتحكم في طبيعته ورهاناته. 

 سادسا،  تتعلق بمعادلات الانفتاح السياسي المحجوز الذي باشرته الملكية مع  انتقال العرش إلى محمد السادس. إن الانفتاح الذي جسده العهد الجديد، بإضفاء نزعة ليبرالية على شكل وطبيعة ممارسة السلطة السياسية، “لم يكن في عمقه وحقيقته، سوى مسلسلا جديدا لاستتباب الأمن، وتأكيدا لقوة المخزن وهيبة المؤسسة الملكية، عبر محاولات لإحياء ولاءات قديمة ، وأخرى جديدة، اتخذت شكل تشبيب سلطوي للحد من ترهل السلطة. لقد شكل ذلك الانفتاح وهذا التشبيب،  إجابة على استراتيجية ملحة، تهم إعادة رسم صورة النظام السياسي داخليا وخارجيا، عبر تنظيم  تناوب مراقب، ودسترة جديدة ونوعية لموقع  المؤسسة الملكية تجاه باقي المؤسسات، دسترة تعتبر النظام مركز النظام السياسي  ومحوره “  [8] .

 بموازاة كل هذا وذاك،  تتأكد حقيقة التراجع والانحسار الكاسح لأقطاب وشرعيات الأحزاب التقليدية، بتعميق أزمة التمثيل السياسي، وفشل الأحزاب في  مهمة التكوين والتأطير والتنشئة الاجتماعية والسياسية. فتحولت من مؤسسات مفترضة لدعم  والتأطير والتعبئة  والمشاركة، إلى قنوات انتخابية تغيب فيها آليات النزاهة والشفافية والممارسة الديموقراطية. وأصبحت إطارات تنتج  خطابات جامدة و متجاوزة، لا تجاري تحولات السياق والمحيط، واتسم “خطابها وممارستها السياسية بالوصولية، وتوقف أفق مشاريعها الإصلاحية عند عتبة التوافق والتسوية “  [9] .

 بتصاعد وتيرة التحكم والتسلط، وعودة مقاربة الأمننة في التعاطي مع الديناميات المجتمعية والحركات الاحتجاجية والمطلبية، والزج بخيرة أبناء الوطن في المعتقلات والسجون، على خلفية محاكمات صورية وغير عادلة، تقودها عدالة سياسية منحازة، يزداد اتساع دائرة الفساد الذي ينخر نظامنا السياسي، بشيوع الريع والزبونية السياسية.. وهي عاهات تؤكد هيمنة  السياسي وعجرفته، في تحد سافر للقانون، وعدم احترام قداسته. مع  ما ينتج عن ذلك من توسيع وتعميق مجالات السلطوية، وتقزيم قيمة السياسة والسياسي، وإبطال مفعولهما، في مباشرة مهام التنظير و التوعية والتأطير والتعبئة.

لبرلة في ظل نظام هجين

إن صيرورة الانفتاح، انتهت بتأكيد واستقرار الطابع السلطوي لنظام الحكم بالمغرب، بعد أن استكملت الملكية ونخبتها الانتقالية، رهان بناء العهد الجديد، بأوراشه وتحالفاته، وقاربت التحكم والسلطوية، باعتبارها  “مرحلة انتقالية ، كنظام مؤقت وشَرٌّ لا بد منه لإطلاق صيرورة الدمقرطة” [10] .  وهو ما جعل بعض الدراسات  [11] ،تتحدث عن الأنظمة السلطوية الهجينة، التي تمزج بين بنيات مخزنية وسلطوية عميقة، وآليات ديمقراطية حديثة، مزج يؤكد عسر وصعوبة الانتقال الديمقراطي ، ومن يصبح الاحتجاج آلية من آليات التعبئة والمشاركة والمواطنة [12] .  كما أن العهد الجديد بشرعياته  واختيارته، لم  يؤسس مقومات ومداخل مأسسة التحول والتغيير الديمقراطي، بل كرس تصورا للدولة في عملية التحول والانتقال الديمقراطي، لا يوفر حتى مقومات تأسيس التحول [13] ، واكتفى بإطلاق صيرورة انفتاح النظام ولبرلته [14] ، كمحاولة لتهذيب صورة المخزن البشع والمُعاقِب [15].

وبالموازاة مع هذه الصورة القاتمة، تنتصب مفارقة هامة تفيد متغيرا جوهريا. إذا وصل المجتمع السياسي إلى أفق مسدود وغير مضمون المآل، فإن المجتمع المغربي، بتنظيماته المدنية  والثقافية، والحقوقية والشبابية والنسائية، يعرف دينامية جسدت توسع رقعة الاحتجاج جغرافيا، وتتابعها زمنيا، وتعددها وتنوعها تنظيميا (تنسيقيات ، لجن دعم، مبادرات)، فتحولت إلى دينامية تحاسب وتساءل ثغرات ونواقص صيرورة البناء الديمقراطي والتنموي، ونقلت مطالب الحِراكات الشعبية، من بعدها الاجتماعي والاقتصادي، إلى بعدها السياسي والحقوقي والقانوني، وارتقت بسقف المطالب، إلى محاربة الفساد والاستبداد، والمطالبة بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، فأصبح دور الدولة واختياراتها موضوع متابعة، مساءلة واعتراض من طرف الإرادة العامة [16]

لقد أصبح خطاب التوافق والانتقال،  لغة السلطة بالمغرب [17]. فبعد أن ارتبط بواجب الإجماع على تأمين أمور الاستخلاف وانتقال العرش، وتنويع مصادر شرعياته، صار استراتيجية لضبط مكونات الحقل السياسي المغربي، ينظم علاقات القوى والأطراف فيه،  يؤطر ويوجه طرق الالتفاف والاشتغال حول أوراش العهد الجديد ( العدالة الانتقالية، المفهوم الجديد للسلطة، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية…)، التي راهنت على إبطال مفعول الاحتقان الاجتماعي والسياسي، وطي “الملفات”  حتى قبل إتمامها، حفاظا على الانتقال، “النموذج والاستثناء “، بتوافقاته الكابحة، والذي لا يمكن التمادي في الدفاع عنه، أخلاقيا، لكونه لم يعد مُنتجا سياسيا.

على أن أهم نجاحات العهد الجديد، تكمن في قدرة  “مهندسو العهد الجديد” على تحقيق نقلة نوعية على مستوى  تصور المؤسسة الملكية للصراع. إن الملكية تطورت فكريا، وتجددت سياسيا.  فمرحلة التناوب والانتقال، كمرحلة فارقة، قد رسخت العهد الجديد، بشرعياته واختياراته، وكذا أطرافه وفاعليه، وكرست استراتيجية إعادة رسم صورة المخزن والملكية داخليا وخارجيا. ولذلك كان التوافق والانتقال صوريا، اتخذ بعدا مصلحيا، وحافظ على الجوهر المخزني للسلطة.

فالناظر المتبصر،  يعي أيضا أن الملكية، نجحت إلى حد بعيد في إحداث نقلة نوعية على شكل وطبيعة ممارسة  السلطة السياسية بالمغرب. فبعد أن شكل البعد السياسي  محور الصراع على السلطة طيلة عقود، عمدت الملكية على اقتحام المجال الاقتصادي ليشكل الرافعة الضامنة للتحكم في أبعاد ومجريات الحياة السياسية. لقد أدركت الملكية، في سياق التحولات الجارية في صلبها ومحيطها، أن إغفال البعد الاقتصادي، في مجال ممارسة السلطة السياسية لن يخرجها عن مجال الارتجال، وأن التساؤل الجوهري، لم يعد تساؤلا حول من يمتلك مشروعية الحديث عن رهان البناء الديمقراطي والتنموي، بل أضحى استفهاما حول من يمتلك قدرة تدبير، تمويل وتنزيل المشروع التنموي. وبالتأكيد ، فالتحكم في بنيات ووسائل الإنتاج ، تمكن من تحديد، وضبط وتوجيه تحولات النسق السياسي. وبالتالي، فالاستحواذ على الثروة ، يضبط القرار السياسي، ويتحكم في مجرياته ويوجه أطرافه وفاعليه.

من  هذا المنطلق ، يفسر اهتمام الملكية ، بالثروة، النفوذ والسلطة. إن مراكمة الثروة هي تعميقا للنفوذ، وضمانة للاستحواذ على السلطة ، وتكريسا للهيمنة على نسق سياسي مهترئ وفاقد لأية مصداقية ومشروعية. نسق سياسي يتقن فاعلوه اللغط والترحال، وينتجون خطابا سياسيا يفرط في الاسهال الكلامي والتمييع لكل مقومات السياسة والتربية المدنية والديموقراطية.

ونجح الملك محمد السادس في تحويل المؤسسة الملكية من مؤسسة تاريخية، راكدة وغير منتجة، و مثقلة بالجراح والنكسات، إلى مؤسسة تهيمن وتنعش كافة مستويات الثقافة والاجتماع، السياسة والاقتصاد. وليتحول ” أمير المؤمنين ” إلى رجل أعمال ، ينعش الاقتصاد، يطلق المشاريع التنموية ويمولها، ويعيد هيكلة بنيات البلاد التحتية والانتاجية. وكل هذا وذاك، تطلب إطارا شكلت أونا ( أومنيوم شمال إفريقيا) وتفريعاتها  واجهته الإدارية والتنظيمية.

والحقيقة أن الملكية أدركت، أكثر من غيرها، أن توسيع وتعميق  الاهتمام بالثروة هو ضمانة للنفوذ والسلطة وإمكانية لممارستها وفق مصالحها ورهاناتها، ووفق متطلبات السياق والمرحلة.

واستكمال رهان الاستحواذ على الثروة ، والانفراد بالسلطة وتكريس النفوذ، مكن الملكية من بعث  ” زمن المحلات السلطانية “، بحملاته التأديبية ، و “غزواته ” الغاضبة على الأحزاب والوزراء والهيئات المنتخبة ورجال السلطة. وهو سلوك يترجم حقيقة هامة : إصرار الدولة العميقة على تبرئة ذمتها من مآلات الفشل التي تطبع الاختيارات والسياسات العمومية، وتصديرا للقصور بعيدا عن مركز القرار، وصارت ترمي بمسؤولية الفشل في جميع الاتجاهات . متناسية مسؤوليتها الصريحة في تمييع المشهد السياسي والعمل الحزبي، وتقزيم قيمة العمل السياسي والسياسة  في مباشرة مهام التأطير والتوعية والتعبئة كشرط للتربية المدنية والسياسية. وبإقصائها للنخب السياسية والمثقفة من معترك التدبير العمومي، و بخلقها سلسلة من الهيئات السياسية والنقابية والمدنية الجوفاء ، احترفت التظليل و الاغتناء الفاحش.

زمنية الاحتجاج، الحراكات الشعبية وعودة الاحتقان

لقد أصبح الاقتناع بانتكاسة أوراش العهد الجديد، واقعا، بعد أن انقشع بريقها، وقل مفعول الافتتان الذي مارسته على الرأي العام الوطني والدولي طيلة عشرية 1999 – 2010، وتأكد مأزق و فشل النموذج التنموي، وصار دليلا على هدر الفرص السياسية، وتبديد الموارد المادية والبشرية، بدل تعبئتها خدمة لمشروع البناء التنموي والديمقراطي.

وبقدر تعدد تجليات الهدر السياسي، وتوسع مجالات تبديد  الموارد، وفشل الأوراش ومحدوديتها، بقدر ما  تعددت تعبيرات الرفض والشجب والاستنكار،  وتوسعت مؤشرات الاحتقان الاجتماعي والسياسي، أزهرت حِراكا شعبيا، شكلت حركة 20 فبراير 2011، أولى تعبيراته المضيئة، رفعت سقف مطالبها إلى حدودها القصوى، مطالبة بمجلس تأسيسي يتولى إعداد وثيقة دستورية، وبإسقاط الفساد والاستبداد وإبعاد رموزه، وإحقاق العدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للثروة، وفصل السلطة عن الثروة، وفصل السلط وتحديدها، وإعمال نظام  الملكية البرلمانية، حيث يسود الملك ولا يحكم. ونجحت في فرض خطاب 9 مارس 2011، المؤسس، ” للهندسة الدستورية الجديدة” . وهو نفس الحراك الشعبي الذي تأكد مع توسع رقعة الاحتجاج الجغرافية والمجالية ( حراك الريف، جرادة، بوعرفة، سيدي إفني، زاكورة، الخميسات  …) وتنامي  مطالب الحراكات القطاعية ( صحة، تعليم، نقابات، موظفي وزارة  الداخلية، ووزارة العدل….)

 وبقدر توسع رقعة الحراك الشعبي، وتعميق مطالبه، وتزايد أشكال التضامن والالتفاف الجماهيري حوله، بقدر ما تفننت الدولة في حشد التوافق والإجماع من أجل قمعه، وتحييد مفعوله، وإفراغه من محتواه. فصارت الأمننة والسلطوية آلية من آليات تدبير الشأن العمومي ، وتحديدا في التعامل مع الحركات الاحتجاجية والمطلبية

لقد أكدت زمنية الاحتجاج، وصيرورة الحراكات الشعبية، حقيقة مؤكدة، أن هذه الدينامية المجتمعية، استمدت شرعيتها من فعل الرفض والامتعاض من ممارسات وسياسات منتهجة من قبل الدولة، ومن فعل التغيير كشرط مؤسس لوجودها، ومن عنصر الوعي  بالقضية المولد لها ( الوعي بالحقوق، بالاحتياجات  وبالمطالب). ومن الفعل المستمر لتواجدها، كجهود منظمة وعابرة، تروم كتابة زمن آخر، ينتفي فيه واقع، ويتأسس فيه أخر. [18]

إن  رهان الدمقرطة الأسمى، هو تحويل السلطة، من أداة تشرعن القهر والإكراه والقمع الجماعي، المادي والجسدي، إلى سلطة تنظم  وتشرعن التفكير والحركة والفعل الجماعي، وأن تصبح ملكا جماعيا محفزا، وقوة دافعة ورافعة للدينامية الاجتماعية ولحركية المجتمع والتاريخ.

كما أن السلطة السياسية هي، أولا وقبل كل شيء،  هي سلطة في خدمة المواطن، يتمتع بها ويستعملها في كل المجال العمومي، الذي بدونه، تعتبر سلطة الدولة من منظور ديمقراطي، غير شرعية.

وتساعد هذه السلطة، وذاك المجال، في خلق رأي عام حر، وتوسيع نطاقات التداول والنقاش الحر، الهادئ والبناء.

ولا غرابة، حين يؤكد جهابذة السياسة، على علاقة التأثر والتأثير والترابط  بين  الفكر والسلطة والفعل، حين تصبح السلطة، كما تؤكد حنا أرندت، “هي الشرط اللازم لتحرك وتعبئة الجماهير، هي مُؤَسِّسَتُها، هي شرط عزيمتها وعزمها الداخلي “[19]

وأول البدايات، دمقرطة الدولة والمؤسسات، وهي صيرورة تؤشر بالواضح انه لا يمكن التفكير في الدولة، ولا تحديد مجالات تدخلها وصلاحياتها، ولا تنظيمها إلا انطلاقا من قوة القانون و سلطة العدالة، للحيلولة دون عودة التحكم والسلطوية، ولمنع استخدام  الأوراش لتلميع الواجهة و تأثيث المشهد. 

صيرورة الدمقرطة، لا تعني الاستمرار في سياسة الآذان الصماء في التعامل مع مطالب الحركات الحقوقية والمدنية والسياسية المطالبة بإبطال مفعول الاحتقان الاجتماعي والسياسي، والبدء فورا، بإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين ، وكذا كل معتقلي الحريات الفردية والجماعية (التعبير،التجمع والتنظيم،  والفكر والرأي)، من صحفيين ومدونين، ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي،  دون قيد ولا شرط.

سؤال اليسار، وعودة الشبح اليساري

حَمَلَ خطاب الانتقال والتوافق، مِنْ تجليات الانفتاح المُوَجَّهِ والمحجوز،  ومِنْ مؤشرات  الكبح  المانعة لولوج عتبة الإصلاح السياسي والدستوري ، ما يدفع للتساؤل عن صدقية وشرعية البناء الديمقراطي المُعْلَن، وعن كيفية ممارسة مَعْرِفَةِ السياسة، في أشكال تدبير الشأن العام والعمومي.

وحمل أيضا سؤالا مؤرقا، كيف نجح العهد الجديد، بأوراشه وتوافقاته، في مأزقة اليسار وإرباكه، من خلال تمكنه من إعادة هيكلة المشهد السياسي، حول  مقتضيات التهدئة والإجماع، و”أخرج” تناوبا توافقيا، عمل على إبطال مفعول التوتر والاحتقان، ومعالجة الأزمات  “بترشيد ” الصراع ،  وفق انفتاح محجوز،  وعدالة انتقالية منقوصة وانتقائية،  وبمباركة “يسارية “، جعلت  “أطيافا ” من ذات اليسار مدافعة عن العرش” بشكل “تقوت معه قاعدة الدولة و تجذرت، فيما تآكلت قاعدة اليسار  وتلاشت” [20]

على أن هذا  التلاشي، لم يكن فُجائيا، بل سبقته مراحل متعددة من المراجعات والانعطافات، أنهت مفهوم الصراع، وأحدثت القطيعة مع الاختيار الثوري. 

دخل اليسار، قديمه وجديده،  في تجربة “الاشتراكية الديموقراطية ” ، كإجابة على بشاعة  الجمر والرصاص، وعلى واقع الأزمة والانكسار، وكمرحلة تشرعن ضرورات”  المراجعة والتقييم وإعادة البناء” . اختيار جسد مقدماته النظرية والسياسية ، التقرير الإيديولوجي المقدم للمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، 1975، وهو التقرير الذي كان موضوع نقد لاذع من طرف تنظيمات اليسار الجديد، لكون أطروحة التقرير وفرت مصالحة مع النظام ومع الدولة، وكرست نزوعا إصلاحيا وتوجها نحو الدمقرطة والاشتغال وفق شروط وقواعد الشرعية، وحمل شعار تطوير النظام السياسي عبر آلية المشاركة، والقبول بمكونات المشهد السياسي.

 كما شكلت انعطافة أنوية داخل منظمة 23 مارس الماركسية، إلى الشرعية، وإصدارها لجريدة أنوال ، التي ستشكل الأرضية الفكرية والايديولوجية  لمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي 1979 ، ثاني معالم التحول داخل اليسار المغربي، وهي انعطافة سوغت الاشتراكية منهجا للتحليل، والنضال الديمقراطي الجماهيري الجذري استراتيجية في الممارسة السياسية.

ورافق هذا التحول، وتلك الانعطافة، تحولا على مستوى خطاب اليسار السياسي. وتغيرا في جهازه المفاهيمي، فلم يعد مثلا، طرح مسألة  السلطة السياسية طرحا ثوريا، يسعى إلى الثورة على السلطة بدل إصلاحها، وكذا، قبولا بنسق سياسي لا يعترف إلا بشروطه وتوافقاته وتحالفاته، انتهى بتجربة التناوب التوافقي، وبالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إلى الانتكاسة، لأنه “لم يترك بصماته الاشتراكية على الحكومة، ولم يحقق البرنامج الذي نادى به ووعد به الجماهير، بل تفاقم وضعه والوضع العام، سواء بازدياد نسبة العزوف السياسي أو بتشتت تنظيمه وبتعميق مستويات الأزمة “[21]

أصبح اليسار “قابعا في الانتظارية، بعد أن عمل على “تسقيف”  أفقه السياسي بمطلب الملكية البرلمانية، والقبول بتوافقات تفتقد لضمانات جوهرية، سياسية ودستورية،  واللهث وراء تحالفات لا تتوفر على مقومات صمودها” [22]

و دخل  في معارك كلامية، لم تقدر نبل تضحيات الفكرة اليسارية التي رافقت المشروع منذ لحظته التأسيسية إلى لحظته الجارية، وانطلق في سجالات رفعت سقف المزايدة من الملكية البرلمانية  إلى رهان  بناء حزب الطبقة العاملة، والرجوع إلى الاختيار الثوري، أو العمل على انجاز  “تجميعا ” لما تبقى من اليسار، في إطار فيدرالية تحمل بذور ضعفها وفشلها، أو الدخول في تحالفات  يرفضها المنطق لافتقادها أسسها النظرية والفكرية.

لقد أضحت التجربة اليسارية  حتى وهي  بصدد إطلاق دينامية تنظيمية تجميعية، تواقة إلى تقديم البديل، جزء من  سياقات الهدر السياسي. وألية من أليات الإفساد، وعرقلة تجذر الديناميات الاحتجاجية، وتحولها إلى حركات اجتماعية.

أضف إلى ذلك، فشلها في تحديث آليات الممارسة، وتجديد البنيات التنظيمية وصيانتها من التشردم، و فشلها في إعادة إنتاج النخب السياسية، جديدة ومتجددة ، كذات واعية و فاعلة قادرة على مقاومة التكلس والدوغمائية، والحجر الايديولوجي، وتحرير قوى التغيير داخل التنظيمات الحزبية.

تراجع قطبية اليسار الإيديولوجية،  ساهمت في انحباسه وانتكاسة إحدى اطروحاته المركزية،  لأنه لم ينجح على الأقل، في تكوين حركة سياسية واجتماعية، تتولى انجاز رهان التجذر الجماهيري

لقد أكدت معطيات  الزمن السياسي أن التناوب والانتقال، أنتج توافقا حول الملكية ونخبتها الانتقالية، أثمر مشهدا سياسيا محجوزا ومُبتذلا، انتقل معه” الصراع من الشارع إلى البرلمان، وعودة السياسة إلى مؤسسات الدولة، واستبعاد الصراع والتوتر، وتدبير الاحتقان وإبطال مفعوله، واللجوء إلى إصلاحات سياسية ودستورية ممنوحة ومتدرجة “[23] ،  وتراجعا خطيرا في الإيمان بدور وقيمة السياسة في  التوعية  والتأطير والتنوير، وفي تشكيل وتدبير رهانات  التحول والتغيير.

إن عدم جدوائية الأحزاب التقليدية ومحدودية رؤيتها الإصلاحية والتوافقية ، وتحولها إلى قنوات  وآليات للريع السياسي، جعل حياتنا السياسية تعرف  تراجعات مهولة،  عجلت بموتها السريري، وأشرت لنهاية تجربة التوجه الإصلاحي، وبداية مرحلة جديدة عنوانها يسار متصالح من ماضيه، ومظهر من عقده وتعقيداته، مستشرف لآفاق التحول والتغيير.

هي استفهامات ضرورية، جوهرية وسابقة، لأي تفكير في المشروع الاستراتيجي والمجتمع البديل، وهي مسالة حيوية تتطلب فتح باب الاجتهاد الفكري والنظري حول قضايا الخط االسياسي، والهوية الايديولوجية، وكذا حول العلاقة بالشعب والجماهير، حول العلاقة بالسلطة، وموقع ” الحزب اليساري الكبير” من الصراع.

عودة سؤال اليسار المغربي دوريا، ليشكل أرضية لسجالات فكرية وسياسية، تطرح مسألة إرث هذه التجربة السياسية، بنجاحاتها وانكساراتها و ألامها. في عمق معركة الفكر والتفكير والمساءلة [24].  وهي  عودة  مرتبطة أولا، بحصيلة التجربة اليسارية، (هامشية، عزلة،  انقسام ، مزايدات)، وتأرجحات إيديولوجية  ومواقف سياسية خاطئة، تزيد من تعميق شروط عزلته السياسية.

حصيلة التجربة اليسارية، مشهد وصورة.

مشهد يساري تتنازعه تجاذبات وتقاطبات، ترنو إلى تأسيس تحالفات  وتجميعات تنظيمية هشة ومهزوزة، مهما تعددت نعوتاتها وتسمياتها، يسارا اشتراكيا، حزبا موحدا أو  وفيدرالية ..

صورة عن اليسار،  تنم عن تواجد تنظيمات منهوكة، مرتبكة، تترنح تحت وقع الانتقال و لعبة التوافق [25]. وتعاني تعنت وتحكم قيادات تفتقد تدريجيا شرعية التواجد والميدان.  تناور،  تنتظر، تدبِّر، وتفوت فرصا تاريخية من أجل تحقيق الهيمنة وإعادة التموقع.

أربك العهد الجديد، اليسار المغربي ، فارتبكت قراءته وحساباته،  وعرفت رهاناته وتحالفاته ريبة وتشكيكا. وصار ، بعد أن كان مبادرا في خلق شروط الصراع وشرعنته وتدبيره، يكتفي بموقع الحضور والمواكبة ، في زمنية الاحتجاج، التي شكلت حركة 20 فبراير 2011، والحراكات الشعبية (الريف، جرادة، زاكورة، سيدي إفني…)، أهم  تجلياته المُشرقة والمُضيئة.

لقد فوت اليسار فرصة تاريخية، خلال العشرية الأخيرة ، لقيادة دينامية مجتمعية تعددت فيها آيات الدفاع الذاتي للمجتمع، بتعدد مظاهر الاحتجاج والشجب والاستنكار.

وفيما ارتبطت مبررات تشكل اليسار السبعيني، بواقع “تفسخ الحركة الوطنية التقليدية،  وبروز أجنحة راديكالية من صلبها، لم يتمكن النظام من إرضاء مصالحها ديموقراطيا، في التحرر”  [26]، شكلت دينامية حركة 20 فبراير والحِراكات الشعبية المُفاجئة والمُربكة، صيرورة أكدت الموت البطيء لأحزاب الشرعية التاريخية التقليدية، وأعلنت عن بزوغ  دينامية مجتمعية  بعمق مطلبي و احتجاجي، كان لليسار فيها حضورا ومواكبة، وهو ما يؤكد  إيمانا بالفكرة اليسارية  المرتبط بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية،  ويعطيه امكانية لإعادة التشكل و التموقع. 

عودة  اليسار، تثير ملاحظات و استفهامات متعددة: 

عودة سؤال اليسار اليوم، مجرّد تأكيد مُطمئِن على راهنيته وضرورته لقيادة معركة المستقبل، معركة  لن تدار إلا بيسار حيوي، متجدد، متحرر،  ومنبعث من رماد التنميط و التتفيه.  وتجدد سؤال اليسار مرتبط بالقدرة على إثارة نقاش عام حول الأسئلة الحاسمة واللازمة لاستمراريته، حول الرهانات الآنية والمرحلية.

أليس الزمن السياسي الراهن، رغم كوابحه ومعيقاته،  هو زمن انبعاث اليسار، في صيغة متجددة ومجددة للصراع الاجتماعي والسياسي، يجعل من سلوك الاحتجاج والرفض والاستنكار، كفعل يفكك  التحكم الدقيق في أشكال ورهانات  الصراع، وينهي توازناته الكابحة، ويتيح توازنات وشرعيات جديدة تتأسس على مشروعية البناء التنموي والديمقراطي؟

هل اليسار المغربي، قادر على تحدي تفاصيل وحيثيات وإجراءات ورهانات تجميع ما تبقى من أطيافه وتنظيماته وفعالياته،  وإخماد المعارك الضارية، الخَفية والمُعلنة، بين زعامات متآكلة لم يعد، ما تبقى لها من رأسمال نضالي و سياسي، كافيا لتبوُّؤ مهمة القيادة والتأثير و التعبئة الجماهيرية ؟

هل لليسار جرأة  وقدرة على خوض وتقوية النضالات الجماهيرية، ورفع مستواها من مطالب فئوية محدودة، إلى مستوى مطالب وأهداف نضالية وسياسية وجذرية؟

ما هي القوى والتنظيمات القادرة على المساهمة في  تشكيل الحزب اليساري الكبير وتهييء شروط خوض وإنجاح معركة قيادة  الحركة التحررية ونصرة تطلعات الجماهير الشعبية؟

هل اليسار قادر على تحيين وإعادة صياغة وبلورة جهازه  المفاهيمي، وجعله يتكلم لغة الجماهير، ويعبر عن همومهم وانشغالاتهم ؟

هل اليسار قادر على تعميق الاهتمام بالمعرفة، والتأكيد على حيوية التكوين والتثقيف والانتصار للتنوير والتحديث، وتطوير الأبحاث والدراسات المرتبطة بقيم اليسار والتقدمية المُثْلى؟

هل اليسار مستعد لتحيين واعادة صياغة قضايا التحرر الوطني والديمقراطية،  الانتقال الديموقراطي، مسألة الدين والتدين، العدالة، المجلس والسلطة التأسيسية، فصل السلط، الدولة الوطنية، الدولة المدنية، التقدمية، قيم التضامن، التعدد والاختلاف، والهيمنة؟

هل اليسار قادر هزم الوشم في جيناته الخاصة (المقصود هو التقاليد، وكل ما علق بالفكر ولم يكن ايجابيا)، قادر على التحرك و إدارة معركته على أرضية معادية، ويفوز ؟

هل يعي اليسار أنه لكي يكسب المعركة، لا بد أن يتوقف عن التفكير بأنه دين يحمل الخلاص، وأن يصبح أداة في يد الناس ؟[27]

 هل الرهان هو بلورة  “راديكالية جديدة ” ، تنتصب كسلطة مضادة، لها وزنها في دينامية السجال الفكري والايديولوجي، وقادرة على التأثير وتوجيه الصراع الاجتماعي والسياسي؟ أم أن الرهان هو المساهمة في تشكيل حركة احتجاجية جماعية؟   هل لا زال  اليسار في حاجة إلى عدو وخصم سياسي، لتأجيج الصراع والتناقضات؟  ألا تفرض التحولات السوسيوثقافية والقيمية، والتوازنات الجديدة ، الانتقال من الصراع حول السلطة السياسية، إلى  تأسيس جبهة وازنة ، عبر تجميع، تأطير وتوجيه كافة روافد وتشكيلات الحركة المطلبية والاحتجاجية؟

هل اليسار  قادر على أن يصبح يسارا أقل إيديولوجية، أكثر أخلاقية وبراغماتية، لا يخضع لتوجيهات الحزب، أقل مركزية، ويفعل التشبيب وتجديد النخب؟

هل اليسار قادر على الاشتغال بعيدا عن ردود الأفعال، وفق برامج ومخططات  تمكن من تأسيس مبادرات قادرة على احتلال الفضاء العمومي، وامتلاك القدرة على الفعل والتوجيه والتأثير في الرأي العام؟

هل اليسار قادر على إنجاز التحول من يسار راديكالي ، تمردي وعصياني، هدف إلي تقويض البُنى ومحاصرة المجال والمؤسسات من أجل إعادة تشكيلها وهيكلتها، إلى يسار دعوي، احتجاجي، توعوي، ينظم ويوجه حركات المقاومة والممانعة،  ويسعى إلى تعميم وتعميق التثقيف السياسي للجماهير، واعتماد منطق التنشئة الديمقراطية كرافعة للتعبئة والتغيير، و إعادة الاعتبار للدور التنويري والتعبوي للفكر اليساري ، والانفتاح على كل المقاومات السياسية، والعمل على تجسير التقاربات والتقاطعات مع جبهات الاحتجاج والممانعة ، اليسارية والتقدمية والديمقراطية ؟

 وبالجملة، هل اليسار  قادر على أن يعتبر أن كل تغير في الظروف ، يجب أن يرتبط  أولا بتغير ذاتي، لكي يتمكن من التأثير والجذب والتوجيه، وبالتالي  تكوين “الشبح” اليساري الواسع ، القادر على خلق قوة وهيمنة منافسة ومشاكسة للسلطة، للسياسة والسياسي ؟

يسار يدرك أن المنطلق الموجه لديناميته، هو الاستفادة من تاريخ اليسار، دون الوقوع في نفس الأخطاء، والتمكن من التأقلم مع سياق إيديولوجي  وقيمي، اجتماعي دائم التغير والتبدل.

يسار يثير استفهامات متعددة تمس الموروث، وتعيد صياغة الفعل والحركة ،  يتخطى الموانع الكابحة لضرورة إعادة التفكير والتأمل اللازمة لتجديد الفكر اليساري

يسار عازم  على  المساهمة في خلق شروط موضوعية  ليسار اجتماعي وسياسي يبدأ مشروعه السياسي ب ”  لحظة تأسيسية ”   تطلق صيرورة  ثورة فكرية “استراتيجية” ، تتأسس على مرحلة من  التفكير والتأمل النظري العميق، الهادف إلى  خلق نقاش عمومي حول القيم والتمثلات الجديدة

يسار ليس كآلية لمراقبة الدولة فحسب،  ولكن أيضا صيرورة تنظيمية مُهَيْكَلَة و مُهَيْكِلَة لآليات الدفاع الذاتي للمجتمع، تسعى  إلى التحول والانتظام  كسلطة  وصيرورة  فاعلة من أجل مجتمع  حركي،  ويؤمن بأن الرهان هو تأهيل دينامية مجتمعية متحررة من العلاقات السلطوية،  وتقْعيد حركة  تؤسس لأفق بديل، أفق يساءل الهوية، التاريخ، الذاكرة والمجال، أفق  يتمفصل فيه السياسي والثقافي والإيديولوجي، أفق يشاكس فيه القانون السياسة ويجابهها.

يسار يراهن على الصراع الفكري من  أجل إنجاز التحول  وتحقيق الهيمنة،  مقتنع بضرورة إحداث نوع من “التصحيح الاستراتيجي ” في منظومة  التفكير والمفاهيم والأسس النظرية. تصحيح  يعتبر صراع الأفكار، وأهمية التثقيف السياسي والتنشئة الديموقراطية تجل حقيقي من تجليات ممارسة الصراع، وهو ما يمكن من تشكيل “وحدة ثقافية مجتمعية  ” تجعل من ” الإنسان الجماعي ” أساسها ومركزها. وحدة  يتم من خلالها تجميع وربط مجموعة متنوعة من الإرادات والتصورات المتعارضة ، وذات أهداف غير متجانسة، للوصول إلى خلق دينامية في النضال من أجل التحول، وخلق إرادة جماعية جديدة ودائمة، وتوفير شروط تحولها وتطورها إلى قوة قادرة على التأثير والتوجيه، وتحقيق توازن وهيمنة جديدين.

يسار مقتنع بأهمية الأفكار والقيم والمعايير الجديدة، التي تحقق إجماعا تمكن من خلق وتطوير “قوة جذب سياسية “، أخلاقية وثقافية، تمتد وتنمو خارج محيطها، وتأثر بشكل موجه في تفكير وطريقة معيشة الناس.

يسار متمكن من قدرته على جعل العمل الديمقراطي الجماهيري  يتطور في ظل سيادة سلطة تمنع هذا التطور أو تجعله في حكم المعاق،  ولا  يعيد إنتاج خطاب الإصلاح الوهمي،  كمصالحة مع الواقع السائد، ولا يجهض مبررات التغيير الجذري. [28]

يسار يحمل رهان المساهمة في خلق ونشوء فلسفة حياتية جديدة بأهداف وتطلعات مجتمعية ، وتصورات قيمية، ومعايير سلوكية ، فردية وجماعية، جديدة وموجهة، ناقدة لما سبقها ومطورة له، خصبة على مستوى تقديم المقترحات و الأفكار والبدائل، قادرة على تنفيذها، وأيضا، على الاستحواذ على اهتمام الجماهير وتعبئتها، لإنضاج الشروط الذاتية والموضوعية لتحقيق الانتقال والتحول.

إن إحلال وعي جديد، يمر عبر تنظيمه ومَنْهَجَتِه وعَقْلَنَتِه ، اعتمادا على أساليب التربية والتنشئة والتعليم، وهي مهمة ثقافية بالتحديد ، تتطلع إلى تأهيل المتلقي وتربيته سياسيا، وتنتهج صيرورة التعلم المتبادل، وتعزيز عملية التمكين الذاتي للجماهير،  لتمكنهم من القدرة على العمل السياسي، واعتماد التواصل والتبادل المنهجي للخبرات والمعارف.

يسار قادر على فك عقدة  “أزمة التحول “(غرامشي) ، وإنجاز نقد ” الموروث القديم ” وإعادة صياغة أفكار الماضي أو تجاوزها، وتمكين “الوعي الجديد” من البزوغ والترسخ، وتنويع إمكانات تداوله وانتشاره بين فئات ومجالات المجتمع.

هل اليسار المغربي قادر على إنجاز التحول والتحرر من عُقَدِ الماضي وكوابحه؟

هل يستطيع اليسار أن يكون تعبيرا عن تحول نوعي في دينامية الحركة الاحتجاجية والجماهيرية قد يكون الجواب تأييدا للتكلس والانكسار، أو  بداية لعهد جديد يفتح آفاق التحول، والبناء والتغيير.

المراجع:


[1] Hammoudi, Abdellah : Eléments d’anthropologies des monarchies à partir du cas marocain. 2002, Monarchies arabes, transitions et dérives dynastiques.Paris. Institut Français des relations internationales.

[2]  Cherifi,  Rachida. 1988, le Makhzen politique au Maroc,  hier et aujourd’hui. Casablanca. Afrique Orient.

[3]  روسيون، ألان : مغرب التحولات. التحولات الاجتماعية بالمغرب. 2000 . الرباط. مركز طارق بن زياد للدراسات والأحاث.

[4] الشاوي، عبد القادر.  اليسار في المغرب ، تجربة الحلم والغبار.  1992. منشورات على الأقل. الدارالبيضاء.

[5]   لوفو، ريمي. الفلاح المغربي المدافع عن العرش. ترجمة محمد بن الشيخ. 2011. الرباط. منشورات وجهة نظر.

[6]    Santucci,  Jean-Claude. 1992. La Maroc actuel. CNRS. Paris.

[7]   Saaf, Abdallah. 1987. Continuité et changement dans le système politique au Maroc,  in Images politiques au Maroc. Editions Okad. Rabat

[8]   بوجداد،  أحمد. 2000. الملكية والتناوب، مقاربة لاستراتيجية تحديث الدولة وإعادة إنتاج النظام السياسي بالمغرب. مطبعة الصباح الجديدة . الدارالبيضاء.

[9]   العوني، عبد الحميد  .1998.  أبراهام السرفاتي والتناوب الرمادي. منشورات عربية.ع 8- مطابع التكتل الوطني.

[10] Dabène Olivier. 2008.   Autoritarismes démocratiques  démocraties autoritaires,  Paris .La Découverte.

[11] الحراك الاجتماعي في المغرب والمشرق، الاتجاهات الراهنة والآفاق. [مؤلف جماعي]. منشورات مختبر الأبحاث القانونية والسياسية والاقتصادية، 2015

[12] ٱحمد بوجداد، مسارات التغير، الهجانة السياسية والاستقرار السلطوي، الحراك الاجتماعي، مرجع سابق.

[13] الساسي محمد، التحول وخطاب التحول، آفاق التحول الديمقراطي بالمغرب، مجلة نوافذ،  أبريل 2000

[14] بنيس، محمد أحمد. لبرلة من دون ديمقراطية ،دور العوامل الخارجية في استقرار السلطوية بالمغرب. مجلة سياسات عربية.ع 34/2018

[15] Cubertafond Bertrand.2001 . la vie politique au Maroc. Paris. L’Harmattan.

[16]  يوسف أشلحي. 2018.  المجتمع المدني ومولد الفضاء العام، الدولة وحراك الريف، مؤلف جماعي، سلسلة بدائل قانونية وسياسية،

[17] Vairel, Frédéric: la transitologie,  langage de pouvoir au Maroc. 2007/4 . Pomitix( N° 80).

[18] العطري، عبد الرحيم. الحركات الاحتجاجية بالمغرب، مؤشرات الاحتقان، ومقدمات السخط الشعبي، دفاتر وجهة نظر ، 14/ 2007

[19] Arendt,  Hannah. 2008.  la condition de l homme moderne.Paris. Bussière.

[20] المصلوحي، عبد الرحيم. اليسار المغربي المدافع عن العرش، تحولات المعارضة المؤسساتية ، مجلة سنة المغرب 2009

[21] المصلوحي، مرجع سابق.

[22] النوضة، عبد الرحمن. غشت 2011.  أين نحن، إلى أين  ذاهبون، منشورات فيدرالية اليسار الديمقراطي.

[23] بوجداد،أحمد. ماي 2010. اليسار المغربي، مسارات وتحولات، جريدة المساء.

[24] آخرها، ملف حول اليسار الجديد في المغرب، قراء في نصف قرن من التجربة، مجلة النهضة، عدد 21 – 22، خريف 2020 – شتاء 2021

[25] El Mossadeq, Rkia. 1995.  consensus ou jeu de consensus au Maroc, pour le réajustement de la pratique politique au Maroc.  Dar Najah El jadida. Casablanca

[26] عبد القادر الشاوي، مرجع سابق.

[27] هذه إحدى الأسئلة الجوهرية  التي ميزت قدرة وقوة بوديموس الإسباني على خلخلة التوازنات السياسية التقليدية.

[28] عبد القادر الشاوي. مرجع سابق: 152

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.