محمد بوطعام خرج ولم يعد: تهمة فضفاضة لإخراس صحافي شجاع

- الإعلانات -

حينما غادر منزله صباح يوم الثلاثاء الماضي، كان محمد بوطعام يعرف يقينا أنه ذاهب هذه المرة دون عودة قريبة، كان الصحافي الذي اشتغل لسنوات طويلة على قضايا الفساد في منطقته مقتنعا أن هذه المرة غير كل مرة.

أخبر محمد بوطعام أصدقاءه وزملاءه بشعوره قبل توجهه إلى مقر الشرطة التي وجهت إليه استدعاءات شفوية متكررة عبر الهاتف، ثم حمل غطاء ووسادة ومصحفا، ثم مضى، خرج محمد بوطعام ولم يعد، وها هو يقضي يومه الخامس في السجن.

خبر الهامش إلى المركز

بدأ محمد بوطعام الصحافي المحلي في تزنيت حياته المهنية في عمل خصوصي في شركة للنقل في مدينة أكادير، قبل أن يحول مساره كليا ويشتغل في مجال الصحافة رغبة منه في الدفاع عن القيم التي يؤمن بها ومساندة قضايا ناس بلدته، ليبدأ مراسلا جهويا لعدد من الصحف الوطنية الورقية، كان أبرزها صحيفة الأحداث المغربية في أيام مجدها ومصداقيتها، قبل أن يساهم في تأسيس نادي الصحافة في تزنيت سنة 2007، ويكون لاحقا من أوائل مؤسسي تجارب الصحافة الإلكترونية في مدينته.

لامس محمد بوطعام، 49 سنة، مواضيع شائكة ووصل تقصيه إلى مناطق خطيرة، وتميز عن باقي زملائه في الصحافة الجهوية في الجنوب بكونه كان له دائما له قصب السبق في عدد من الملفات، موصلا ملفات المداشر والهوامش إلى المركز.

اشتغل بوطعام مثلا على موضوع الدقيق المدعم في بلدة آيت الرخا، الملف الاجتماعي الحارق في سيدي إفني الذي انتهى بانتفاضة أنهتها السلطات بشكل قاس، قبل أن يتخصص في ملف “مافيا العقار”. ومؤخرا تناول بشكل مستفيض قضية نشاط التهريب في الجنوب، الذي يقول عدد من مقربيه-ممن تواصلنا معهم- أنه قد يكون السبب في تحريك هذا الملف الأخير ضده.

“قبل أيام قال لي محمد بوطعام: إن هؤلاء ينصبون لي كمينا.

قلت له كيف ذلك ، قلت له كيف ذلك؟

قال لي: منذ أن تطرقت لملف التهريب الذي انتعش في المنطقة أمام أعين السلطات أصبحت الأخيرة تترصدني”. كتب الصحافي محمد بحراني.

شغفه بالبحث عن الحقيقة والمعلومة أينما كانت ومهما بلغت درايته بارتباطاتها بمراكز نفوذ أو سلطة كان يجر عليه دائما الويلات، “قوة كلمته ورغبته في الصدع بالقول الرصين، والكتابة المتزنة، جنت عليه غضب مافيا العقار، وبعض من المسؤولين الذين لم يألفوا أن ينتقدوا، أو ينشر عليهم وعلى مؤسساتهم التي يشتغلون فيها، أو تدبيرهم لقضايا، ما هو سلبي. فما كان من هؤلاء إلا أن يتحالفوا فيما بينهم من أجل الإيقاع به في أكثر من مناسبة”، كتب زميله سعيد أهمان معلقا على اعتقاله.

في مواجهة “مافيا العقار”

يربط زملاء بوطعام ومعارفه اعتقاله بعمله المهني كأحد أكثر الصحافيين الذين اشتغلوا على موضوع “مافيا العقار” وشبكات تزوير الشهود المنتشرة في الجنوب المغربي بين إقليم تزنيت وسيدي إفني وكلميم.

تفجر هذا الملف وطنيا وإعلاميا، بعد أن قام بوطعام بنفسه بتصوير صرخة “إبا إيجو” السيدة المُسنة التي صرخت ضد الظلم والفساد أمام محكمة تزنيت سنة  2014  إثر الاستيلاء على منزلها. كان هذا الاحتجاج المؤثر الذي قام بوطعام بتصويره سببا رئيسيا في بروز واحدة من أكبر ملفات الفساد العقاري في البلاد، واكتشاف فظاعاتها.

تناسلت بعد ذلك التصريحات والصرخات وتحرر الضحايا من عقدة اللسان، وأشاروا جميعا بأصابع الاتهام إلى رجل واحد، حسن الوزاني المدعو بـ”بوتزكيت” الذي تلاحقه اتهامات بالاستيلاء على أراضي الغير بالتزوير والتزييف في محررات وأختام رسمية وإدارة شبكة سماسرة وشهود مزورين وفق شهادات متكررة لمواطنين.

كان بوطعام من بين أوائل من وظف توصيف “مافيا العقار” في المنطقة وفي سنة 2014 نال تنويها من منظمة ترانسبارنسي المغرب لمساهمته في تفجير هذا الملف ، كانت الضربة التي وجهها لهذه الشبكات المعقدة كفيلة بأن تجر عليه غضب عدد من الجهات المتضررة، لتبدأ متاعبه منذ ذلك الوقت، حيث أدانت النقابة الوطنية للصحافة المغربية المضايقات التي تعرض لها محمد بوطعام بسبب ممارسته لعمله.

“استعملت وصف مافيا العقار منذ سنة 2013، حتى قبل صرخة با إيجو، لأنني اكتشفت فعلا منذ ذلك الحين أن هناك مافيا اخترقت الجهاز القضائي”، صرح بوطعام قبيل 3 سنوات.

وسبق للصحافي أن نظم اعتصاما في أكتوبر من سنة 2014 أمام المحكمة الابتدائية بتزنيت، للتنديد بمحاولات إخراسه والضغط عليه وعلى عائلته، حيث اتهم حينها أشخاصا نافذين مرتبطين بلوبيات العقار بتهديد والده بالتصفية والترحيل من جماعة آيت الرخا التي تقطنها عائلته، علاوة على عدد من الدعاوى القضائية المرفوعة ضده بغرض تخويفه. 

ظل بوتزكيت يطارد محمد بوطعام وجعله هدفه الأول من خلال العديد من الشكايات التي قدمها ضده، وتعود أول شكاية قدمها ضده إلى سنة 2012 حتى قبل أن تفجر ” ابا ايجو” صرختها الشهيرة، وذلك إثر مقال نشره في صحيفة الأحداث المغربية اعتبره الرجل النافذ ماسا بشخصه ومصالحه، منذ ذلك الحين أصبحت المسألة شخصية بالنسبة إلى بوتزكيت.

قبل سنوات، أدانت محكمة الاستئناف في أكادير بوطعام بثلاثة أشهر سجنا مع وقف التنفيذ وغرامة قدرها ألف درهم وتعويض مدني قدره 5000 درهم، في شكاية تقدم بها بوتزكيت ضده يزعم فيها تعريضه للابتزاز في مقابل عدم الكتابة عنه. حكم اعتبره الصحافي ومحاموه حينها سرياليا ودليلا على اليد الطويلة للوزاني، خصوصا أن المحكمة كانت قد قضت ابتدائيا بتبرئة الصحافي لغياب أي دليل تلبسي أو إثباتي ضده، وتراجع عدد من الشهود الذين أراد المدعي تقديمهم للشهادة بعد ثبوت إدانتهم بالإدلاء بشهادات زور سابقة.

أدان المكتب الجهوي للنقابة الوطنية للصحافة المغربية حينئذ الحكم الذي اعتبره انتصارا للوبيات العقار، مطالبا وزارة العدل بفتح تحقيق شامل وعادل في هذه الإدانة، مستنكرا بناء الإدانة على شهادة شخص له ماض عريق في احتراف شهادة الزور.

“بوتزكيت” مجددا

قبل أن يقدم بوتزكيت، الذي بدأ حياته بائعا للخضر والفواكه، شكاية جديدة ضد الصحافي محمد بوطعام، خرج لحسن الوزاني “بوتزكيت” في فيديوهات مصورة يكيل الاتهامات يمينا وشمالا، في هذه الفيديوهات الذي حملت عنوان ” فيديو الحقيقة” هاجم الأخير الفرقة الوطنية للدرك الملكي وقضاة ورجال أمن. وزعم في إحداها وجود حماية ملكية له، شاكرا الملك على تمتيعه بالعفو في إحدى الملفات القضائية التي كان يتابع فيها.

وفي شهر فبراير الماضي كان أمن المحمدية قد أوقف م.أ الذي يوصف بكونه أحد أبرز مقربي بوتزكيت في قضية تتعلق بالنصب والاحتيال على مواطنين في وجدة.

رغم الاتهامات الخطيرة التي وجهها الأخير إلى مسؤولين أمنيين وقضائيين وتبجحه بقوته وتعهده بإدخال هذا أو ذاك إلى السجن لم يواجه حسن الوزاني أية متاعب تذكر. 

بدأت المحنة الأخيرة لمحمد بوطعام بتاريخ 27 يناير من هذه السنة، حينما وجه الحسن الوزاني شكاية إلى وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بتزنيت، يتهم فيها محمد بوطعام رئيس تحرير موقع تيزبريس الإلكتروني بالقذف والإدلاء ببيانات كاذبة في حقه وفي حق الوكيل العام للملك بأكادير، ملتمسا منه تقديم المشتكى به عاجلا أمام النيابة العامة لمواجهته بأفعاله وتمكينه من مقاضاته، وأرفق المشتكي شكايته بعدد من المقالات التي نشرها الموقع والتي تتناول عددا من القضايا التي يتابع فيها المشتكي بحسب ما اطلعنا عليه.

وبتاريخ الأول من فبراير، استمع ضابط للشرطة القضائية بتزنيت إلى أقوال المشتكي، فيما تعذر الاستماع إلى الصحافي محمد بوطعام حينها بسبب ظروفه الصحية، ليتم إرجاع الملف مجددا إلى النيابة العامة بتاريخ 30 مارس، التي وجهت بتاريخ 7 أبريل تعليمات تقضي بالاستماع إليه بكافة الطرق القانونية، بما في ذلك الضبط والإحضار.

بناء على ذلك تلقى محمد بوطعام سيلا من الاتصالات من الشرطة القضائية في تزنيت تدعوه إلى المثول الفوري أمامها للاستماع إليه بخصوص الشكاية التي تقدم بها الحسن الوزاني.

الشكاية الطعم..

حينما سيمثل محمد بوطعام، يوم الثلاثاء، أمام نفس ضابط الشرطة القضائية ستكون المفاجأة، إذ ستتحول الشكاية التي تقدم بها الوزاني الملقب بـ”بوتزكيت” إلى مجرد موضوع ثانوي، حيث سيجري سؤاله كذلك عن موقع تيزبريس الذي يديره ومدى ملاءمته للمقتضيات القانونية المتعلقة بالصحافة والنشر، رفض بوطعام الإجابة عن جميع الأسئلة واستخدم حقه في التزام الصمت.

وبعد جلسة استماع قصيرة تمت إحالته إلى النيابة العامة التي قررت تكييف متابعته في حالة اعتقال لخطورة الأفعال وانعدام ضمانات الحضور إلى الجلسة، وذلك بناء على الفصل 380 من القانون الجنائي، بتهمة “التدخل بغير صفة في وظيفة عامة نظمها القانون”، وهو الفصل الذي تصل عقوبته إلى 5 سنوات سجنا. 

كما طبقت النيابة العامة بحسب وثيقة اطلعنا علينا مسطرة التلبس بالجريمة وفقا للمواد 47 و73 و74 و385 من قانون المسطرة الجنائية، وكانت الشرطة القضائية قد أجرت محضر التحري والمعاينة بخصوص موقع تيزبريس بتاريخ 3 ماي أي يوما واحدا قبل مثول محمد بوطعام أمامها.

في المقابل تقرر حفظ الشكاية التي تقدم بها بوتزكيت ضده لانعدام عناصر المتابعة.

“من غير المفهوم بالنسبة إلينا لماذا تم استعمال هذا الفصل لمتابعة محمد بوطعام ولا طبيعة هذه الوظيفة العامة ولا نوعية الأفعال الخطيرة التي تفرض متابعته في حالة اعتقال، القانون واضح بخصوص مسألة عدم الملاءمة ولا توجد بشأنها عقوبات حبسية، فضلا عن أن الحكم الصادر سنة 2020 بحجب الموقع حكم ابتدائي كما أنه لم يجر تبليغه بهذا القرار بالطرق القانونية، كل هذه المعطيات تجعلنا نعتقد أن بوطعام يتابع من أجل عمله الصحفي المزعج في المنطقة وليس من أجل شيء آخر”، قال المحامي عمر الداودي الذي ينوب عنه.

وكان محمد بوطعام قد رفض بتاريخ 9 يناير من هذه السنة التسلم والتوقيع على الأمر القضائي بتنفيذ حجب الموقع الذي وجهه إليه باشا مدينة تزنيت بصفته ضابطا للشرطة القضائية بها، تنفيذا لحكم المحكمة الابتدائية بتزنيت، الذي قضى بحجب الموقع استعجاليا لمرور أزيد من 3 سنوات على دخول القانون المنظم حيز التنفيذ دون تسوية وضعيته.

وأثار محامو بوطعام أثناء جلسة محاكمته التي عقدت الخميس، وعلى رأسهم النقيب السابق عبد اللطيف أوعمو مسألة عدم تبليغه بالحكم وعدم توصله به، مشيرين إلى أن الباشا لم يقم بهذه المهمة وإنما أمر فقط بتنفيذ حكم لم يتم تبليغه للمعني بالأمر، الذي تعهد خلال محاكمته بتسوية الوضعية القانونية لموقعه.

وكانت المحكمة الابتدائية بتزنيت قد رفضت يوم الخميس الماضي طلبا قدمته هيئة دفاع الصحافي لتمتيعه بالسراح المؤقت، وينتظر أن يصدر حكم في قضيته يوم الإثنين المقبل، في الوقت الذي يستمر فيه بوطعام في خوض إضراب مفتوح عن الطعام منذ اعتقاله.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.