مسلسل “حديدان” سلطة الحكاية على الشاشة

- الإعلانات -

 الحكاية هي قصة لها بداية ونهاية،  تحكي عن التاريخ والتراث أو عن الحياة المعاصرة. تحمل رسالة تربوية… الحكاية الشفوية في طريقها للانقراض في عصر السمعي البصري. لذا فكل اقتباس تلفزيوني للتراث الشفوي هو خدمة ثمينة للإنسانية.    

من ذلك حكايات حديدان، وهو شخصية شهيرة في الأدب الشعبي الأمازيغي، خلدته حكايات تُصور رحلة ذات مقهورة من خلال بطلها الذي لا مقام له. وغالبا ما يسمى “حديدان لحرامي”، وفي منطقة معربية أخرى يسمى “حمو لقران”، أو حديدان القران بالأمازيغية. الحرامي هنا ليس بمعنى ابن زنا بل بمعنى المحتال. ومن باب الحذر يقال “إنه حرامي بأفعاله لا بنسبه”.   

في مسلسل “حديدان” قام السيناريست إبراهيم بوبكدي والمخرجة فاطمة بوبكدي باقتباس وتعريب الحكايات الأمازيغية على الشاشة. اقتباس مس المحتوى والأسلوب.

بفضل ذلك تعيد القناة الثانية بث حلقات المسلسل باستمرار، يشاهده الكبار والصغار، يشاهدون حلقات سبق لهم مشاهدتها بنفس الشوق، يرددون الأمثال، يقلدون شخصيات المسلسل الذي استثمر سلطة الحكايات لإمتاع الجمهور، حكايات ذات قدرة عالية على ترميز التجارب وتكثيفها لتسهل استعادتها. 

لقد نجح المسلسل بفضل حفره العميق في الوعي الشعبي على مستويين، تاريخي وفني. المستوى التاريخي حيث يسترجع سنوات القحط والجوع التي عرفها المغرب لقرون طويلة مع ما رافقها من بؤس. حتى الشبان الذين يجهلون هذا التاريخ يستضمرونه في لا وعيهم، في هذه الأيام التي صار فيها الحصول على الأكل صعبا، يظهر حديدان بطلا، يحتال ليطعم نفسه وأولاده رغم أنه بلا عمل. وهو يمثل سر الوعي الشعبي، وعي يعلن عن نفسه بوضوح في الحملات الانتخابية. المستوى الثاني أسلوبي، فحديدان يستثمر الحلقة كفن شعبي رسخت مميزاته في الوعي الجمعي للمتفرج المغربي. 

لنعرض لموضوع الحلقات.  

يحكى أنه في أيام الجوع، كان الرجال يتخلصون من بناتهم، لذا اخذ حديدان بنتيه ليتخلص منهما. أخذهما إلى نهر وأعطى كل واحدة صوفا. أمر البنت الكبرى أن تغسل الصوف الأسود ليصير أبيضا، والثانية الصوف الأبيض ليصير أسودا… وللتمويه، وضع الأب قربة تضرب الشجرة وتظن البنتين ان الأب يحطب. يقطع الخشب ليصنع “الدقاق”، ومن هنا المثل الأمازيغي “إلا بابا لا يتبي ثيزذزين”. 

حل الليل ولم يرجع الأب فأخذت أمّنا الغولة البنتين، في حوار تساءلت البنت الكبرى “متى تنام أمنا الغولة؟” 

أجابت “عندما تصرخ البهائم التي أكلتُها في بطني”…. مصير ابن حديدان أفضل، له طريقة حلاقة غريبة لصد عين الحسود، يتعلم الإبن حيل أبيه… يسرق البيض، الدجاج، التفاح والطماطم… يسرق أولاد الزوجة الثانية البيض ليأكلوا، أولاد الزوجة الأولى سرقوا ثورا… وهنا يتكشف للمتفرج أن للحكاية مستويات دلالية عديدة… 

يعيش هؤلاء في منزل مقفر، مخزن البيت فارغ، لا قمح ولا سمن ولا عسل فيه… ضجر أبناؤه من أكل “التشيشة” وهي دقيق شعير مغلي في الماء… لا إدام فيها. 

 حديدان ليس له قبيلة، يقال “رُبّ حيلة أنفع من قبيلة”، إنه جوّال، هرب من زوجته الأولى، تزوج ثانية ليسعد بالحب ثم لحقت به الأولى وصار في جحيم، يتحمل زوجتيه عيادة ودواحة، من حسن حظه أنهن لا يتحالفن ضده، يستفيد من الصراع بين الضرتين المتناقضتين في الشكل والمصالح… تسخر منه حماته الشرسة، التي تنقنق طيلة الوقت… 

يطوف بين القبائل بحثا عما يسد به رمقه، يتحايل من أجل الأكل بكبرياء، وبذلك لا يقع في النذالة التي ستفقده تعاطف المتفرجين… كلما شمَت قبيلة انتقل إلى غيرها، ينْصب الفخاخ للآخرين للحصول على الملابس، على الأكل، على وسيلة نقل. يطلب من ضيوفه أن يجلبوا أكلهم معهم، أقام عرسا لم ينفق فيه مثقالا واحدا، يبيع الأوهام ليشتري الطعام… صار مطلوبا للعقاب، يريد البقاء في السجن ليستريح، هنا يداهمه كابوس زوجتيه… لذ  يفضل البقاء في السجن. وهنا يمرر المسلسل نظرة نمطية تقليدية تجاه النساء.  

لم تبدأ علاقتي بحكايات حديدان القران على الشاشة، ذلك أن حكايات حديدان ترويها الجدات للأحفاد في مختلف مناطق المغرب بصيغ مختلفة، وقد كنت أثناء المشاهدة أفحص درجة وفاء كاتب السيناريو للأصل الشفوي للحكاية. 

في إحدى الصيغ، تحكي جدتي أن أمّنا الغولة وهي تتأهل لافتراس بنت حديدان  تسألها:

 من أين سأبدأ العض؟

تجيب البنت: من رأسي العاصي.  

في رواية أخرى، كان حديدان يستغل غياب أو نوْم أمّنا الغولة ويركب حمارها، وعندما تعود يهرب، تُطارده فينجو، وقد نصحها رجل عجوز بأن تدهن ظهر حمارها بدماغ رجل ليلتصق حديدان فتمسكه. فورا قتلت أمّنا الغولة صاحب النصيحة واستخدمت مخه الذي اخترع النصيحة المهلكة.   

 هذا هو موضوع الحكايات. وهي تقدم الوقائع في قالب كوميدي، حتى أن ابنة حديدان تشترط  في العريس أن يملك طماطم لتأكلها بمتعة، هذا سقف أحلام بنت فقيرة.

ببحثه عن الطعام بالحيلة فإن حديدان يشبه بطل المقامة (أبو الفتح الاسكندري)، وبطلي حكايات كليلة ودمنة أيضا.  

المقامة نوع أدبي سردي ظهر في العصر العباسي. والمقامة وصلتنا مكتوبة رغم أن نصها يحمل بصمات الشفوي “حدثنا عيسى بن هشام قال أن أبا الفتح الإسكندري…”.

ما الذي يجمع حديدان بأبي الفتح الإسكندري؟

كلاهما فقير مشرد جوّال ذكي يفهم الكون لكن ليس لديه ما يأكله، لذا يستخدم ذكاءه ليحصل على طعامه. كلاهما يحضر أي وليمة دُعي إليها أم لا، يأكل كجاهل ويتحدث كعالم، لا يهتم بالحديث إلا بعد انتهاء الطعام… يشمل التشابه اللغة أيضا، حيث يستخدمان الجناس والسجع والتعابير المسكوكة والاستعارات بكثافة. 

فيما يتعلق بكليلة ودمنة، ما يهُم بطليْ ابن المقفع هو تأمين طعامهما من فضلات الأسد. وليس هذا هو التشابه الوحيد، ففي حكاية الثعلب الذي يفترس فراخ الحمامة تلجأ هذه إلى اللقلاق الذي قدم لها نصيحة أنقذتها. لكن النصيحة أهلكت مُقدّمها. فقد افترس الثعلب اللقلاق بعد أن سأله أين تضع رأسك حين تأتيك الريح من الجهات الأربع. يضعها تحت جناحيه، سأله الثعلب: أرني.

ثم قفز عليه ووبخه: كيف ينصح غيره من لم يُنقذ نفسه؟ 

هذه هي العبرة، وهي خاصية أساسية في السرد الشفوي القديم، هذا السرد الذي خصص له الباحث عبد الفتاح كيليطو كتبا عدة منها “الأدب والغرابة”. وفيه يُعرف كيليطو النص في الأدب الشعبي بأنه قول يُستشهد به لقيمته. وهو قول يفسَّر ويؤول لأن فيه عسرا وغموضا. وينسب إلى مؤلف حجة، مؤلف مجهول قديم لكن معترف بقيمته ومرجعيته. وهو يجسد الحكمة، الموعظة والأمر والنهي.

ويحْصر كيليطو قواعد السرد التي تحكم الحكايات في ثلاث نقط:

أولا ارتباط السابق باللاحق، أي تسلسل الأحداث وارتباطها بعلاقات سببية يشعر المروي له بصدقيتها. مما يضمن سيولة السرد. أضيف هنا أن الحكايات القديمة لا تعرف الفلاش باك، لذا تتسلسل الأحداث وتتطور تصاعديا متجهة نحو المستقبل. للحكايات القديمة بنية متشابهة، مع ذلك تتميز الحكاية الشعبية بالتشويق ولا يسْهل على المتفرج معرفة النهاية قبل حصولها… في الحكاية الشعبية تظهر قوة النهاية ووضوحها…   

ثانيا، خصائص النوع التي تفرض صفات خاصة يجب أن تطابق النوع. فإذا قلنا حكاية هزلية يجب أن يكون فيها سوء تفاهم، وأخطاء في النطق وعادات شخصية لا يمكن التخلص منها. وهكذا فإن مذلة الجوع التي تستوجب البكاء، تصير بفضل أسلوب الحكي كوميديا.  

ثالثا، أفق انتظار القارئ، فعندما تحكي له يضع توقعات تناسبه ويجب على الراوي أن يجاريها مع إحداث تغييرات صغيرة فيها. لشد اهتمامه ليتفاعل ويتوقع ويتأثر. في الحكاية للمتلقي قيمة كبيرة، تجري استثارته للمشاركة بفضل طرح الألغاز التي يتعين عليه حلها ليفهم.

هذه القواعد هي التي تُلزم اللاعب والمتفرج. هي السنن (code) المشترك بينهم. في الأدب والحكاية الراوي هو اللاعب والمستمعون هم المتفرجون. كيف يكتب سردا من يجهل هذه القواعد التي حصرها الروسيان فلادمير بروب في “مورفوليجة الخرافة” وجوليان غريماس في programme actantielle البرنامج العاملي؟   

بفضل توفر تلك القواعد في حكايات حديدان، وهي قواعد كونية كما أثبتت المقارنات، فإن هنالك سهولة في استهلاك المسلسل من طرف جمهور متنوع.

لقد اقتبس السيناريست محتوى كتابته من التراث السردي الشفوي، واقتبست المخرجة أسلوبها في الإخراج من الحلقة الشعبية. فالمحتوى والأسلوب راسخان في الوعي الشعبي. وهكذا، ورغم التصوير في ديكور خام فقير للاقتصاد في تكاليف الإنتاج، رغم كاميرا ثابتة تصور حوارات طويلة  في مواجهة الممثلين… رغم هيمنة المبالغة على أداء الممثلين، كما في حال كمال كاظمي الذي يُغلظ صوته ويُضيق عينيه ببشاعة لا تضيف له… وهذا يعرقل التسويق الخارجي للمسلسل. 

 رغم ذلك حقق المسلسل نجاحا محليا كبيرا، وهذه مزية لأعمال الأخوين بوبكدي اللذان تميزا بأسلوب مؤثر منذ تجربتهما الأولى. لقد أنقذا الحكايات الشفوية من الانقراض، وكان نجاح مسلسلاتهم دليلا على أن الجمهور المغربي يريد قصة، بل الجمهور العالمي كذلك. ففتنة الحكي تسري في عروق كل الثقافات. وهذه رسالة لكل مخرج يصور حكاية غير متماسكة وغير مقنعة حتى لو كتبت في عشرة أسطر. ويصنع منها مسلسلا يغطي عيوبه بحيل المونتاج وبألعاب الإضاءة والإيطالوناج على حاسوب آبل. 

بتجربتهما القصيرة في الزمن والعميقة في ذهن الجمهور، أكد مبدعا مسلسل “حديدان” أن أزمة التلفزة المغربية هي أزمة سيناريو أساسا، أزمة محتوى، أزمة معنى لا أزمة أسلوب وتقنيات . 

عندما سيؤخذ هذا بعين الاعتبار، وعندما سيجري التعاقد على كتابة وتصوير مسلسلات تلفزيونية سنتين قبل عرضها، حينها سينتهي الارتجال والتسرع، وبذلك يتصالح المغاربة مع تلفزتهم. وهذا مطلب ملح سياسيا وثقافيا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.