فيلما “تقرير” و”هوس سري”.. المخابرات والإرهاب

- الإعلانات -

عندما كانت المخابرات الأمريكية بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 تعتمد أساليب تحقيق فاشلة ضد الإرهابيين في سجون سرية، برز طبيب يتوسل بمنهج جديد (فيلم التقرير 2019 إخراج سكوت زبرونس). أغضب رجال المخابرات فشككوا في قدرات ذلك الذي وصفوه بالمهرج وتحدوه: هل سبق لك أن حققت مع إرهابي؟ هل تتحدث العربية؟ هل تعرف تنظيم القاعدة؟ هل سبق لك القيام باستجواب أيّا كان؟  

أجاب الطبيب بثقة وسخرية: أبدا. 

كيف؟ 

أجاب الطبيب: إن الإرهابي إنسان، ومعرفة اللغة التي يتكلمها ليس ضروريا. 

يشتغل الطبيب المحقق على الجسد وعلاماته. ولديه منهج جديد: موسيقى مرتفعة، أعين معصوبة، منع من النوم، حبس انفرادي طويل الأمد وتطبيق تجارب “العجز المكتسب” التي جُربت على الكلاب.  

تعريض المعتقل لضوء شديد وحشرات مقرفة وماء البارد ووقوف لوقت طويل واحتجاز في مكان ضيق، وإيهام بالغرق… هذه أفعال تقهر كل البشر بغض النظر عن لغاتهم ودياناتهم.

اقتنع محققو المخابرات أن ذلك المهرج بارع في خلق الجحيم للمعتقلين بأساليبه البافلوفية الجهنمية في سلب الإحساس بالسيطرة.  

عندما جاء الطبيب النفسي المجنون لم يعد التحقيق عقلانيا وقانونيا. لماذا؟ لأن الطبيب النفسي داهية يشتغل على الغريزة. على الجهاز العصبي. يشتغل بقاعدة بسيطة “الناس المرهقون يفصِحون عن الحقيقة”.

في فيلم  بيتر سيلفان “هوس سري” 2019 ينقّب محقق أفرو-أمريكي حزين عن أسباب صدمة عروس لم يسْعد بها زوجها، تبذل جهدا لتتعرف عليه وهذا يعمق الأزمة النفسية للمحقق. تُقدّم كل هذه المعطيات في أقل من ربع ساعة بعد بداية الفيلم. ما الذي سيجري انطلاقا من هنا؟ للإجابة ينفتح السيناريو على آفاق جديدة…

الدافع للتحقيق هو الشك في الوغد. تحقيق مزدوج نفسي وبوليسي مكتوب بسرعة. تبحث العروس في ذاكرتها المفقودة عن ماضيها لتفهم حاضرها بعد الحادثة، ويبحث المحقق بمسافة شك في الحادثة التي يفترض أنها جريمة مدبّرة. 

نقل الوغد العروس إلى مكان معزول ليسيطر عليها… يتوهم أنه يمكن أن يقمع ويغتصب ويسيطر على شابة متعلمة متفوقة مستقلة اقتصاديا وواثقة من نفسها… 

يقف المحقق ليفحص “الحالة  le cas” فيلاحظ أن للعروس ماض تعليمي مجيد، ويستنتج أجوبة تفيد أن زوجها الحالي لا يلائمها. ثم يفحص الصور ويصوغ منها فرضيات تقود خطواته في المراحل الموالية ليكتشف الحبيب الحقيقي… حين يكتشف المحقق معلومة جديدة عن المجرم يعرفها هو والمتفرج فقط، بينما لا يعرفها المجرم. أي متعة  أن يشعر المتفرج بأنه يعرف أكثر من المجرم.

في فيلم “هوس سري” كان المجرم مريضا نفسيا وكان المحقق عاقلا بينما في فيلم “التقرير” يبدو أن المحققين هم المرضى ويتعاملون مع إرهابيين أشد عنفا ومرضا. 

في فيلم “التقرير” تحقيقين، تحقيق علني طلبه مجلس الشيوخ عن تحقيق سري أنجزته المخابرات باسم “برنامج  الاحتجاز والاستجواب” التي تسبب الألم للحصول على المعلومات لمحاربة الإرهاب.

يقود دانييل جونز (أداء أدام دريفر) تحقيقا جد موثق عن خروقات  المخابرات الأمريكية لكن بعد تحرير التقرير يتم طمس اسماء مسؤولين وبلدان استضافت سجونا سرية لتشجيع الإفلات من العقاب. يعكس جنريك النهاية فكرة الفيلم بشكل رفيع.  

يقدم الفيلم صورة ناصعة لعضوة مجلس الشيوخ (أداء أنيت بينين الماهرة في الضغط على الآخرين بدء من زوجها في فيلم American Beauty)، الشخصية العادلة والمحققة، وبفضل دعمها يكتشف المحقق أساليب تعذيب مارستها المخابرات وسمتها بأسماء أخرى للتمويه. هذا تعذيب بمنهج علمي نفسي مسموح به ضد أناس لا يؤمنون بقيم الحداثة الغربية. المهم ألا تخسر المخابرات ضد الإرهابيين مرة أخرى. وبما أن ابن لادن قد قتل فكل التحقيقات سليمة. الغاية تبرر الوسيلة. 

بمقارنة الفيلمين، يظهر أنه في جل أفلام التحقيق تعطى الأسبقية للحِبكة (متوالية الأحداث) على حساب رسم الشخصية… كل توقف لتعريف الشخصية يضر بإيقاع الأحداث. 

كل تحقيق في السلوكات والجرائم وردود الفعل هو تحليل لشخصية صاحب ذلك السلوك. هكذا تستثمر الكاميرا ثمار المدرسة السلوكية في علم الاجتماع.   

يضمن تصويرُ الحبكة السلوكية دوام شك المتفرج طيلة الفيلم.

كيف؟

بالتدرج في كشف المعلومات المتحصلة من المراقبة بواسطة كاميرات أو تسجيل صوت أو تقصي أثر أو مراقبة هاتف أو كشف بصمات أو استجواب حراس ونُدل لتنويع مصادر المعلومة ثم مقارنة أدوات الجريمة وتحليل حمض نووي من طرف الشرطة العلمية لإثبات الجريمة أو البراءة. وتأكيدا على اهمية المعلومات ففي حوارات أفلام التشويق جمل قصيرة فيها أرقام ومعطيات وتواريخ وأدلة و أدلة مضادة. لا مكان للجمل الإنشائية. 

يمكن لقارئ المقال أن يفحص هذا لأن الفيلمين متوفران على نتفليكس وبريم فيديو.

يركز التحقيق البوليسي على ما يجمع كل البشر بغض النظر عن لغاتهم وأديانهم. والتحقيق سواء كان بوليسيا أو صحافيا أو طبيا هو أرقى أشكال البحث في حالة محددة باستخدام كل ما حصلته البشرية من مناهج بحث لتجنب الخطأ وإدراك الحقيقة. كل بحث لا ينطلق من حالة محددة يظل مجرد ثرثرة. 

ما وجهة النظر التي يدرك بها المتفرج الأشياء؟         

حين يصل المحقق والكاميرا لموقع الجريمة لا يعرفان شيئا، وهكذا يُعتمد منظور كاميرا تجهل ثم تكتشف، تتقدم معرفة المحقق والمتفرج بنفس الوتيرة لكي لا يفقده في رحلة البحث، لذلك تستثمر المعرفة الأنتروبولوجية بالإنسان. وهو ما استعمله المحلل النفسي لإرهاق الإرهابيين المعتقلين. 

يعيش المتفرج  تجربة المحقق الذي يفاجأ ويتساءل في كل مرحلة “ماذا لدينا هنا؟”.

لدينا تقرير يدين المخابرات في عهد باراك أوباما عن أفعال جرت في عهد بوش جينيور.

ماذا لو نشر التقرير؟

الجواب: سيتسبب في ألا يصل رئيس ديموقراطي إلى البيت الأبيض مدة عشرين سنة.

كان المحقق يحمل مجسما صغيرا للكابيتول، لمبنى الكونغرس وهو صرح الديموقراطية الأمريكية. وحين دخل مبنى المخابرات وسمع المدير يقول بانه يجب أن تكون عند خبرة التعامل مع الأطفال حين تعمل في الكونغرس.

فوجئ المحقق الذي دخل مبنى المخابرات ليحقق في تغول صلاحيات المخابرات. في نهاية المحادثة نسي المحقق مجسم الكونغرس في مقر سي آي إيه. بقي المجسم هناك.

هكذا توجز لقطة صراع السلطة بين البوليس والمنتخبين، يتضح أن الفن صراع في ميدان معرفي راقي  محدد بدقة متناهية وليس مجرد حوار إنشائي يصور في لقطة في غرفة. وليس مسألة حلال أو حرام. مهمة الأدب والفن هي بناء الإنسان، وفي روح هذا الإنسان تعتمل مشاعر وخيالات تتجاوز فتاوي الفقهاء.

مشاعر وخيالات تتطلب ثقافة وبحثا وإبداعا وعمقا لتنجلي لمن يعيشها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.