النموذج التفتيتي الجديد للطاقة

- الإعلانات -

قطاع واحد، من بين التي تسمى في القانون الإداري ”بالقطاعات الإنتاجية“، تم وضعه على منصة التشريح بعناية استثنائية، ونال حيزا مُعتَبرا ضمن مخرجات اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي؛ إنه قطاع الطاقة الذي ”يُعتبر المحرك الرئيسي للقطاعات الاقتصادية ببلادنا“، كما تقول وزارة الطاقة لكن ليس بهذا الاعتبار فقط، وإنما لكونه إحدى الجواهر الوطنية الأخيرة على لائحة التحويل الشمولي إلى القطاع الخاص بإزاء التزامات اتفاقية قدمها المغرب للمانحين الدوليين بشكل ثنائي أو متعدد الأطراف.

وإلا كيف يفسرون غياب شبه كامل لقطاع الفوسفاط؟ الذي هو أكبر إنتاجية وحيوية في معادلة الاقتصاد الوطني المفترضة. كيف يحضر مديره العام، مصطفى التراب، بقوة في عضوية اللجنة الملكية المكلفة بإعداد النموذج التنموي، ويستثنى مجمع الفوسفاط ومادة الفوسفاط من الإشارة إليهما في التقرير العام بشكل غير مفهوم. وأما في المذكرات الموضوعاتية فإنها حين تعترف بأن الفوسفاط ”يتوفر المغرب على أهم احتياطاته على المستوى العالمي“، فإنها تكتفي بعرض بعض الأرقام القليلة لتخلص إلى كون ”المغرب ثالث منتج عالمي وأول مُصدر لهذه المادة“. وبعد ذلك صمت مُطبق عن كل توصية في استراتيجية اللجنة حول هذا القطاع الإنتاجي الحيوي. وبذلك توضع علامة استفهام أولية على شعارات اللجنة في المنهجية المعتمدة: تشخيص صريح وشفاف؟ من أجل ميثاق وطني جديد؟

مدخلات التشخيص

رغم أن قطاع الطاقة حضي باهتمام فريد من لدن اللجنة المكلفة بالنموذج التنموي، إلا أن التشخيص اعتمد حصريا على مدخلات محسومة سلفا. حيث يؤكد أصحابها عن توجهات تم التعبير عنها منذ أن أخضعت الدولة قطاع الطاقة إلى منهجية التفتيت في بنياته ومجالاته وأنشطته. ولقد اقتصرت اللجنة على مذكرات رسمية (وزارة الطاقة والمعادن والبيئة، والوكالة المغربية للطاقة المستدامة، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئـي، المندوبية السامية للتخطيط) وعلى توصيات دولية (البنك الدولي، الوكالة الدولية للطاقة، برنامج الشراكة الطاقية المغربي الألماني). وأما في جانب الخبراء فكان الاقتصار على ثمانية أفراد فقط (خمسة منهم مدراء ينتمون لمؤسستين عموميتين، واحد مدير لمركز بحثي، والثاني أستاذ جامعي، والأخير خبير).

ورغم أن مذكرة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئـي أوصت بإشراك الكفاءات المغربية في المجال، ذكرت من بينهم الدكتور خليل أمين الذي تسلم من الرئيس الروسي الجائزة العالمية للطاقة في سنة 2019، إلا أن أمثال هذه الكفاءات المتخصصة إلى جانب مئات الأطر العليا في المكتب الوطني للكهرباء والمؤسسات العمومية التي تنشط في مجال الطاقة، لم تجد مكانها في صياغة نموذج تنموي قطاعي تعرف مشخصاته وإكراهاته معرفة عميقة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن مجموعة من الأطر العليا في المكتب الوطني للكهرباء، عددهم 19 بين نشيط ومتقاعد، قدموا مذكرة من 58 صفحة في دجنبر 2020 تحت عنوان ”صيرورة قطاع الكهرباء بالمغرب مساهمة في الحوار حول النموذج التنموي الجديد“ لكن مساهمتهم غير موجودة في الملحق الثالث المتعلق بلائحة جلسات الاستماع، المساهمات وأنشطة اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي.

إذا كانت هذه الكفاءات الوطنية المهاجرة من أرض الوطن، غير معنية بهذا القطاع وكانت الكفاءات القطاعية مُغيَّبة عن الحوار حول صيرورة القطاع.. فهل سنبحث عن دور للمواطن العادي في الحوار، باعتباره شريك في سيرورة القطاع حالا ومستقبلا؟ وباعتبار معاناته مع الفاعلين العموميين والخواص، للاستماع إلى اقتراحاته حول مستقبل القطاع ! وهل هذا التغييب المُركّب يعطي للنموذج التنموي صفة التشاركية والشفافية وبأنه جاء من المغاربة ومن أجل المغاربة؟

علة التضييق في الحوار القطاعي

تقول وثائق اللجنة، بين سطورها، بخصوص قطاع الفوسفاط أنه وجد نموذجه القطاعي ولا مصلحة في فتحه على الجمهور الواسع، كما لا حاجة لتطويره خارج قرار الفاعلين المقربين من المؤسسة الملكية. رغم أنه ”يمثل 90 % من حجم الإنتاج المعدني“ الموجه إلى الخارج تصديرا. وأما بخصوص قطاع الطاقة الذي يعتمد على الخارج استيرادا بنسبة 90 %، فقد أوجدوا له نموذجا تنمويا منذ مدة، ولا حاجة إلا لبعض الخبراء ليعيدوا صياغة عبارات جديدة لقرارات قديمة محسومة، وهي : التحرير الشمولي للقطاع والخصخصة القاتلة لمؤسساته العمومية.

ولقد تكرر التأكيد على هذا التوجه في النموذج التنموي القطاعي خلال 7 توصيات، داخل التقرير العام والمذكرات الموضوعاتية الملحقة، ترسم الأبعاد المتعلقة بسياسة التحرير والخصخصة كما التالي:

  • بُعد الحكامة: ”على مستوى الحكامة التي تتميز بكثرة المتدخلين مقارنة مع الحجم المحدود للسوق المغربي مما ينتج عنه تعارض وضعف في الشفافية وعدم تشجيع للمبادرات الخاصة“.
  • البُعد التنظيمي: ”غير أن ضعف المتابعة والمرونة والقدرة على التأقلم خلال تنفيذ السياسات لا يترك فرصة لتطوير المحتوى المحلي أو لمبادرات القطاع الخاص أو لولوج شركات مستقلة للشبكة أو لمواكبة فرص الأعمال في القطاع مستقبلا“.
  • البُعد الهيكلي: ”يتعين لزاما إعادة هندسة التنظيم المؤسساتي للقطاع الطاقي بالمغرب قصد تشجيع استعمال أكبر للطاقات النظيفة وتعزيز دور القطاع الخاص في هذه الديناميكية“.
  • البعد المهني: ”والأولى أن يركز المكتب المعني على قطاع نقل الطاقة وأن ينسحب تدريجياً من الإنتاج الذي يمكن تفويته إلى القطاع الخاص وفقاً لمخططات تنافسية“.
  • البُعد الترابي: ”سيتعين على المجموعة المحدثة إنشاء شركة التنمية الجهوية.. أو المساهمة في رأسمالها بالاشتراك مع شخص أو عدة أشخاص اعتباريين خاضعين للقانون العام أو الخاص بما فيهم المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، بحيث يوكل لها مهمة توزيع الطاقة“.
  • بُعد التكلفة: ”ويمكن للتحكم في تكلفة الطاقة والعمل بتعريفة مناسبة تثمن بكيفية أفضل قيمة مورد الماء أن يجعل هذا القطاع جاذبا للاستثمارات الخاصة وللشراكات بين القطاعين العام والخاص“.
  • البُعد البيئـي: ”لا يجب على الدولة اعتماد خيارات تكنولوجية غير ناضجة علاقة بالتنقل الكهربائي أو في أسوء الأحوال دعمها، ولكن يجب عليها توفير إطار مناسب يسمح للقطاع الخاص الوطني والدولي بتجريب الاختيارات الراجحة على المستوى التكنولوجي“.

هذه التوصيات ليست جديدة. ولم تنبعث من تفكير جماعي ولا تأمل عميق من طرف خبراء اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي. وإنما هي توجهات مُسطرة منذ عقدين ونصف عندما قررت الدولة المغربية التخلي عن محطة الجرف الأصفر لإنتاج الكهرباء لصالح الأمريكان، ووكالة توزيع الكهرباء في الدار البيضاء لصالح الفرنسيين. ومنذ ذلك التاريخ والمخططات تأتي تباعا وعلى مراحل لتفتيت قطاع الطاقة على وحدات صغيرة تُنهي الاحتكار العمومي للدولة على هذا القطاع الاستراتيجي والحيوي.

يظهر بوضوح هذا التوجه في المذكرات التي تسلمتها اللجنة من المؤسسات المالية الدولية، وكذا من الهيئات الرسمية والمؤسسات الدستورية المشار إليها أعلاه، فلا حاجة لتكرار الشواهد، إذا كانت مذكرة وزارة الطاقة كافية لإعطاء صورة واضحة عن هذا التوجه في تفتيت القطاع عبر ”خلق نسيج من الشركات الصغرى والمتوسطة له القدرة على تقديم خدمات ومنتوج بجودة عالية… “. طبعا، ليتم ذلك التوجه، ستقوم الدولة بتقديم تنازلات مالية وضريبية قصد ”تشجيع القطاع الخاص على المزيد من الاستثمارات في مجال الطاقة وتحفيزه ليصبح أول مستثمر في البنيات التحتية للقطاع“. بل وسيتعدى ذلك إلى مجال التشريع والتنظيم ”بهدف توفير المناخ والإطار الملائمين لتشجيع المستثمرين الخواص، وطنيين وأجانب، وكذا تحقيق انسجام أكبر بين الفاعلين“.

ذريعة تفتيت القطاع

على نفس منوال الوزارة الوصية على القطاع، ذهب تقرير اللجنة في تعداد العناصر التشخيصية لأزمة القطاع في أبعادها البنيوية والاقتصادية والتنظيمية. وكأنها المادة الخام الوحيدة التي تدخل إلى ماكينة التفكير لتعطينا نفس المخرجات: التحرير والخصخصة التي هي الحل السحري لكل الأزمات.

في ظل التزامات الدول المُصنّعة بخصوص الانتقال الطاقي، المعبر عنها في مؤتمرات الأمم المتحدة للتغير المناخي، والتي يتصارع فيها الكبار الذين يتسببون في ظاهرة الاحتباس الحراري، بعوامل متعددة منها الانبعاثات الغازية من صناعاتهم المكثفة أساسا، يدخل المغرب – غير المتقدم وغير المُصنِّع والذي يستورد جميع التكنولوجيا من الخارج، أو يفتح أرضه للشركات الكبرى الهاربة من دول تحترم قوانين الشغل والبيئة والتنافسية والضريبة – ومن خلالها يريد أن يقف مع الكبار لكي يعلن أنه في أفق سنة 2030 سيرفع مجموع إنتاجه الكهربائي من المصادر المتجددة (الماء والهواء والشمس) إلى نسبة 52 % ضمن المزيج الكهربائي الوطني من المصادر الملوثة (الفحم، الفيول، الديزل، الغاز الطبيعي). وهذا الطموح سيصاحبه ”تكثيف وتشجيع تحول الإدارة العمومية في كل الأبعاد المتعلقة بقطاع الطاقة“.   

هذا الوجه الأول للطموح المغربي، وأما الوجه الثاني فهو كون حاجيات المغرب من المصادر الأولية للطاقة (البترول ومشتقاته، الفحم، الغاز الطبيعي) تأتي جلها من الخارج لذلك يصفونها بالتبعية الطاقية والتي تحددت في 91.7 % خلال سنة 2018، وهي تمثل إنجازا حين تراجعت بنسبة 5.8 % عن سنة 2008. بمعنى أنه خلال 10 سنوات خفضنا نسبة التبعية الطاقية للخارج بأقل من ستة في المائة، فكم ستلزمنا من عقود زمنية لكي نقف في نصف طريق التبعية! مع التنويه أن المصادر الأولية للطاقة لا تتعلق فقط بمحطات إنتاج الكهرباء، ولكن أيضا وأساسا بتحريك وسائل الصناعة والنقل الطرقي والجوي والبحري.

المستفيد الأول من التحول

على مراحل عديدة كسّرت الحكومات المتعاقبة احتكار المكتب الوطني للكهرباء لوسائل الإنتاج، التي كانت حصرية لصالح هذه المؤسسة العمومية والتي تمكنت، منذ إنشائها في بداية الستينيات من القرن الماضي، من تطوير هذه الوسائل لكي تستجيب للطلب المتزايد في ربوع المغرب، الذي تمت تغطيتها بشكل شبه كامل بمادة الكهرباء. النتيجة الأولية لهذا التكسير بدأت بالتمظهر خلال سنة 1997 حين تم تفويت المحطة الحرارية للجرف الأصفر للأجانب، شركة مختلطة من الرأسمال الأمريكي والسويدي، والذين لم يتأخروا لأكثر من عشر سنوات فسلموها لشركة طاقة الإماراتية، في فبراير 2007، بأضعاف مضاعفة للقيمة التي أخذوا بها صفقة الامتياز من المغرب.

أن يستغل الأجنبي، كان أمريكيا أو إماراتيا، محطاتك لتوليد الكهرباء خلال مدة تجاوزت 30 سنة باتفاقية تعاقدية. فأن تتكلف باستيراد الفحم الحجري الذي تعمل به المحطات، وتلتزم أن تشتري إنتاجها كاملا.. لا يدخله خبراء الوزارة والنموذج التنموي في ما يسمى بالتبعية الطاقية؟

ونفس الاستفهام يطرح على الخبراء بخصوص محطة آسفي لإنتاج الكهرباء، التي يشترك فيها الهولدينغ الملكي عبر شركته ناريفا ورؤوس أموال أجنبية، وهي المحطة التي انطلقت في أواخر سنة 2018 وتمكنت خلال سنة واحدة فقط من مضاعفة إنتاجها بنسبة 267 % وهو التطور الذي تزامن مع تراجع الإنتاج في محطات تابعة للمكتب الوطني للكهرباء وهي على التوالي: القنيطرة بنسبة -100 %، العيون – طانطان -45 %، المحمدية -27 %، جرادة -5 %. لا شيء يضيع ولا شيء يخلق كل شيء يتحول ! ولكي يتم التحول بسلاسة فقد أعلن المكتب الوطني للكهرباء عن توقيف الإنتاج في محطة جرادة ومحطة القنيطرة بشكل كامل وفي محطة المحمدية بشكل جزئي.

سيعتبر الخبراء هذا التحول إنجازا كذلك بدعوى أن هذه المحطات قديمة وتستعمل محروقات ملوثة، فماذا عن محطة آسفي؟ هي كذلك تعمل بالفحم الحجري لكنهم سيصفونه بالنظيف ! لكن سكان مدينة آسفي تعرفوا جيدا على “نظافة” هذا الفحم وهذه بعض المتابعات الصحافية التي أفحمت ادعاءات الحكومة: المحطة الحرارية تبدأ الاشتغال رسميا وآلاف الأطنان من الفحم تخترق المجال الحضري لآسفي؛ المحطة الحرارية لآسفي تضرب حصارا على منطقة أولاد سلمان؛ اعتداءات بالحجارة على شاحنات نقل الفحم الحجري بآسفي؛ المحطة الحرارية لآسفي تتخلص من نفايات سامة عبر شاحنات بدون لوحات ترقيم؛ محطة آسفي الحرارية الجديدة.. إنجاز طاقي أم قنبلة بيئية؟.. والذي يزيد الحجة إفحاما أن وكالة المغرب العربي للأنباء الرسمية، في تغطيتها لخبر انطلاق الإنتاج بالمحطة الحرارية بتاريخ 18 دجنبر 2018 لم تأت بصورة لمحطة آسفي وإنما بصورة كبيرة لتوربينات هوائية (عنفات) من شمال المغرب التي تدخل ضمن الطاقات المتجددة !

صورة من مقال “لاماب” عن تشغيل المحطة الحرارية لأسفي مرفوقة بصورة لمولدات الطاقة الهوائية

مصير القطاع العمومي

عن سؤال المصير، جاء الجواب من النموذج التنموي الجديد، حيث يقول تقريره العام ضمن فصل تحت عنوان الاختيار الاستراتيجي الثالث: إحداث صدمة تنافسية ” إعادة هيكلة المنشآت العمومية العاملة في قطاع الكهرباء، وخاصة المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب بهدف تمكينه من القيام بمهمته الاستراتيجية المتمثلة في تحديث شبكة نقل الكهرباء ومواكبة إصلاح هذا القطاع “. هنا الصدمة الأولى للقطاع العمومي، حيث سيحذف من قانون هذه المؤسسة مستقبلا وبشكل متدرج المهام الاستراتيجية المتمثلة في إنتاج الكهرباء وتوزيعه، والتي تعتبر إلى جانب مهمة النقل الثلاثي الوجودي للمكتب تاريخيا ومستقبليا. وهكذا سيوزعون تركة المكتب حتى قبل موته :

  • مهام النقل: يقصد بها شبكة الجهد العالي (60 ألف فولط فما فوق) وهي تتطلب استثمارات ضخمة وكفاءات متخصصة للمراقبة والصيانة، لذلك يجب أن ”يركز المكتب المعني على قطاع نقل الطاقة وأن ينسحب تدريجياً من الإنتاج الذي يمكن تفويته إلى القطاع الخاص وفقاً لمخططات تنافسية“؛  
  • مهام الإنتاج: ضمن الطاقات المتجددة هي لصالح مازين كمؤسسة عمومية مرحليا ثم تتحول هي كذلك إلى القطاع الخاص بعدما تتعفف ناريفا التي تمتلك الإنتاج من المصادر الحرارية التقليدية وكذلك الطاقات المتجددة؛
  • مهام التوزيع: في سياق الجهوية الموسعة سيمنحون نشاط التوزيع لشركات جهوية تحت وصاية وزارة الداخلية مرحليا ثم تتحول إلى القطاع الخاص لكن فقط المحظوظ. وهكذا حدد التقرير العام عناصر هذه المهمة الاستراتيجية: ”من بين الخدمات التي يمكن إسنادها للجهة على المدى القصير تجدر الإشارة إلى: … الشركات الجهوية لتوزيع الماء والكهرباء“ وفي المذكرات الموضوعاتية: ”إن التقسيم الجهوي للتوزيع سيتيح الفرصة لإعادة النظر تدريجيا في احتكار شركات التوزيع للجهد المتوسط من خلال السماح بتطوير التوليد الكهربائي، بالتوازي مع إعادة هيكلة المكتب الوطني للكهرباء والماء وتخلّيه تدريجيا عن الإنتاج“.

هكذا إذن ستتحول المؤسسة العمومية ذات المهام الاستراتيجية الثلاثية ”إلى شركة مساهمة، مستقلة عن الوصاية الاستراتيجية وعن هيئة التقنين“ يقول التقرير، ومعناه أنها شركة وطنية لنقل الكهرباء لا دخل لها في الاستراتيجية أو تقنين القطاع، وحالها سيكون كشركة مكلفة بإنشاء وصيانة سكة الحديد لكنها ممنوعة من تدبير القاطرات المتحركة على طول خطوطها الشبكية، كما يمنع عليها الاقتراب من محطات المسافرين. وأما عن دورها الرقابي فلا يعدو قريبا من مهام مراقبي الطرق الوطنية لكن تحت الوصاية الرقابية لهيئة الضبط الكهربائي. 

كل ذلك يُعد الصدمة الأولى فقط لنموذج التفتيت القطاعي، وأما الصدمة الثانية فهي متعلقة بحقوق المستخدمين، التي يؤطرها نظامهم الأساسي والذي سيتم التحلل منه عبر مراحل، ولقد ألمح تقرير اللجنة لإشكالية التقاعد حيث أوصى ”بتدبير صناديق التقاعد لموظفي المكتب“ ليس لأنها الإشكالية الوحيدة بل لأنها العاجلة من كل الإشكاليات الاجتماعية في القطاع.

وأما الصدمة الثالثة؛ فهي التي تصيب الأسر ذات الدخل الضعيف بسبب التراجع عن التعريفة الاجتماعية، التي يضمنها المكتب حاليا، عندما سيحل محله القطاع الخاص الذي هو غير معني بالمسألة الاجتماعية وكل هدفه عوائد الاستثمار. ولتصور هذا الحافز المالي يمكن التأمل في هذه الفقرة من النموذج التنموي الجديد بخصوص ماء السقي، فرغم كونه مادة أساسية مُشاعة فقد أوجدوا له توصية لاسترجاع الاستثمار القديم تقضي ”بإدماج تكاليف البنيات التحتية لتعبئة الماء ضمن تكلفة هذا المورد، كشرط أساسي لوضع حد للوضعية الحالية المتسمة بمجانية خدمات السدود، والسقي التي تؤدي إلى تقدير منخفض لتكلفة المورد المائي… مما سيمكن الجهات المكلفة بتدبير هذا المرفق من تحصيل مداخيل تساعدها على ضمان الصيانة والقيام بالاستثمارات اللازمة“. هذا بخصوص الماء فكيف سيكون الوضع مع مادة الكهرباء؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.