الفلاحة العائلية في النموذج التنموي: يجب عدم حصر التنمية القروية في الفلاحة.. والحداثة والعائلة في مردودية المزرعة !

- الإعلانات -

في البداية، يجب أن لا ننسى أن هذا اقتراح لنموذج تنموي وليس برنامج تنفيذ. وهذا يعني، التأكيد منذ البداية على أن كل شيء سيعتمد على قراءة مضمونه و كيفية اعتماده من قبل مختلف الفاعلين. منذ نشر التقرير وهناك تكرار حول دور السياسيين والمجتمع المدني والدولة من أجل جعل هذا التقرير “ميثاقًا” يتبنونه. لكن ماذا عن عالم البحث؟

في الحقيقة، فإن هذا الأخير مكانه هامشيا في البلد وهذا على الرغم من حقيقة أنه من بين أعضاء اللجنة، نجد العديد من الباحثين والأكاديميين الذين منحونا الأمل في أن تتمكن الجامعة من المساهمة في وقت حاسم في تنمية البلاد؛  لقد استمعت اللجنة أيضا إلى مجموعة من الباحثين من أفق مختلفة. في مجال الفلاحة والمناطق القروية، أنتج البحث العلمي قدرًا كبيرًا من المعرفة المتراكمة حول السكان والمناطق القروية مما يشير إلى أن التشخيص قد تم إجراؤه بشكل عام. يهدف تقرير النموذج التنموي الجديد إلى العودة إلى هذا التشخيص مع تقديم اقتراحات حول هذا النموذج، من خلال التأكيد على الطابع العائلي للفلاحة المغربية. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما هو توازي المقترحات الجديدة للجنة مع السياسة الفلاحية التي تم إطلاقها للتو؟

الفلاحة العائلية: الوضعية الراهنة

أول شيء يجب التركيز اليه هو ان هذه واحدة من المرات القليلة التي تتطرق هيئة بهذا الحجم الاستراتيجي الى الفلاحة العائلية تسميتها كذالك. فالسياسات العمومية مثلا تشير الى الفلاحة التضامنية. فلهذا تطرق مخرجات اللجنة للفلاحة العائلية هو معطى مهم. و بالمناسبة فالفلاحة العائلية لا تتعارض لا مع الاقتصاد التضامني ولا مع اقتصاد السوق.مما لا شك فيه أن الفلاحة المغربية تتميز بقوة بطابع أسري يتميز بهيكلة زراعية حيث تقل مساحة 70٪ من المزارع عن 5 هكتارات. من خلال إجراء حصيلة، دون أي ادعاء للتقييم، يؤكد تقرير النموذج التنموي الجديد على ضعف تمكين الفلاحة الأسرية، من خلال العودة بشكل خاص إلى ثنائية الفلاحة المغربية: التقليدية والعائلية من جهة والحديثة المصدِّرة من جهة أخرى. لاحظنا أن هناك تشجيعا لدعم كليهما. ومع ذلك ، فإن النظر إليهما بهذا الاعتبار البسيط وعدم إحداث الفارق بينهما، من شأنه أن يخفي حقائق معقدة للغاية. لأن “العائلة” ليست تقليدية تماما والحديث ليس له الفعالية لمجرد أنه يسمى كذلك .   

الأمثلة التي تظهر في النموذج التنموي الجديد، والتي تستخدم أيضًا كمعيار من قبل السياسات العامة الأخيرة ، تشهد على ذلك. كوباك، وهي تعاونية تم بناؤها أساسًا على شبكة كبيرة من الفلاحين العائليين، هي إحدى هذه الأمثلة ، وتُظهر أن الفلاحة العائلية يمكن أن تكون ذات مردودية وتضمن الأمن الغذائي في البلاد. علاوة على ذلك ، فإن المزرعة العائلية لا تتناغم مع كلمة “تقليدية” لأن الفلاحة العائلية يمكن أن تكون كثيفة للغاية من ناحية الإنتاج، بل والتصدير أيضا. يتضح هذا من خلال المزارع في المناطق المسقية حول إنتاج السكر والفواكه الحمراء ومنتجات الألبان، وكذلك المزارع التي تدور حول عدد قليل من المنتجات المجالية المتخصصة. النماذج الدولية تثبت أيضًا مدى مردودية الفلاحة العائلية واهميتها للأمن الغذائي.  ومع ذلك ، فإن حقيقة وجود مزرعة في منطقة مسقية لا يمنعها من أن تكون في وضعية هشة. في هذا كله ، يجب أخذ مسألة الفروق الدقيقة في الاعتبار حتى لا يتم وضع كل شيء في نفس السلة العائلة التقليدية، من جهة، والمقاولة الحديثة من جهة أخرى. كما تعيدنا لعبة الفروق الدقيقة إلى عدم حصر الحداثة والعائلة في المعيار الوحيد لحجم المزرعة!

الفلاحة البورية و النظم البيئية الهشة  الوظائف المتعددة المنسية

يُشير تقرير النموذج التنموي الجديد إلى عدم المساواة والتفاوتات المجالية التي تعاني منها المناطق القروية. نجد أيضا في التقرير عدة إشارات لمراعاة تنوع النظم الفلاحية. مرة أخرى، هذه هي الحلقة الضعيفة في الاستراتيجيات الفلاحية منذ استقلال البلاد، على الرغم من البرامج والمشاريع المحددة. اليوم، من الملح للغاية النظر في اتجاه الجبال والواحات والسهوب النظم البيئية الهشة. إن ربحيتها المنخفضة لا يمكن رؤيتها فقط من خلال قراءة أداء المحاصيل الفلاحية أو قدرتها على توفير العملة عن طريق تصدير المنتجات الفلاحية أو الحيوانية. إن تعدد وظائفها يتجاوز هذا بكثير: إنها مسألة: 1) التوازن البيئي، وهو أمر مهم للغاية للأجيال القادمة، كما يتضح من موقع المغرب الاستراتيجي دوليًا حول تغيّر المناخ. 2) إعالة الساكنة القرية التي لا تستطيع الدولة استيعابهم في المدينة ؛ 3) الحفاظ على الطبيعة والمناظر الطبيعية؛ ودعونا نتذكر قوة التصحر في الواحات الجافة التي هجرها السكان و هم يفتقرون إلى سبل العيش والخدمات الأساسية.   في حين أن هؤلاء السكان يقدمون خدمات النظام البيئي الحيوية دون أن يكون ذلك واضحًا في السياسات العامة. وقد تم إثبات ذلك من خلال البحث على المستوى الدولي لمدة ثلاثين عامًا تقريبًا. هناك تطرق لهذه الحيثيات  في ملاحق تقرير النموذج التنموي . 

البيئة والموارد الطبيعية: العرض والطلب والأقلمة

يمكننا قراءة بعض المفارقات في فقرات معينة من التقرير. من ناحية، هناك تأكيد على المنعطف البيئي والمستدام الذي يجب أن يتخذه البلد. هذا له ميزة أنه أثير، حتى لو بدا طبيعيا في ضوء السياق والتحديات المتعلقة بتغير المناخ. ومن ناحية أخرى، نذكر بالتوجهات الاستراتيجية التي تجد تأثيرها في استراتيجية تعبئة الموارد لتلبية احتياجات البلاد. في هذا الصدد، سوف نقوم بدعم سياسة العرض، التي تم تبنيها منذ السبعينيات. ولكن يجب إعطاء نفس ترتيب الأهمية للطلب. هذا هو التحول الحقيقي الذي يجب اتخاذه في النموذج، وهو تكييف نموذج التنمية مع الموارد التي لدينا. لأنه، نعم يمكننا تقنيًا تعبئة أنواع جديدة من الموارد عن طريق تحلية المياه وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي، ولكن بأي تكلفة ولأي استخدامات ولأي مستخدمين؟ لذلك أصبح من الملح أن نكون أكثر اتساقًا وأن نضع المزيد من التدابير لتكييف الطلب.

وينطبق التكييف في الأخذ بعين الاعتبار التنوع الشديد في المناطق القروية والنظم الإيكولوجية الفلاحية ، لأنه بين بعض السهول ذات الأمطار الغزيرة والواحات ذات الجفاف المتكرر، هناك ما يكفي لرسم خرائط بيئية فلاحية حقيقية. في تقرير النموذج التنموي الجديد، يمكننا قراءة بعض الرافعات حول تكييف أدوات التمويل مع النظم البيئية ، ولكن لا ينبغي لنا “التكيف” فحسب، بل يجب “توجيه” آليات التمويل لاحترام البيئة وحمايتها، تمكين أولئك الذين يوفرون خدمات النظام البيئي، أخذ في الاعتبار الصحة العامة في الممارسات، وما إلى ذلك. لأنه، في النهاية، لا يوجد بلد في العالم يتجاهل دعم الفلاحة و فلاحيها، لكن هذا التمويل يجب أن يكون واضحًا في التأقلم مجاليا مع تنوع النظم الإيكولوجية الفلاحية .

القرية ليست مجرد الفلاحة 

هناك إجماع على أن المناطق القروية لا يمكن أن تقتصر على القطاع الفلاحي حتى لو كان هذا الأخير هو المحرك الرئيسي للتنمية. من المستحيل أن نتخيل اليوم أن النشاط الفلاحي وحده هو القادر على استيعاب الطلب على الشغل. إن أي خطة قطاعية مخصصة فقط للتنمية الفلاحية من شأنها أن تخفي أبعاداً أخرى لا تقل أهمية: 1) المنطقة القروية كمكان للحياة حيث توجد التفاوتات الإقليمية القوية ونقص الخدمات الأساسية الجيدة 2) إن تنويع الاقتصاد القروي أمر ملح، لكن هذا سيتطلب تكوينا مهنيًا محليًا وإعادة تنشيط الاتصال بالمراكز القروية والحضرية الناشئة.

  في تقرير النموذج التنموي الجديد، توجد مسألة التفكير في مقياس “حضري متوسط” حيث لسنا في الدواوير، هذه المناطق الكثيرة من أجل بلورة جميع الخدمات الأساسية، لكننا لسنا أيضًا في مراكز الأقاليم  والتي تبعد عن الحياة اليومية لسكان القرى . يقترح تقرير النموذج التنموي جعل 228 دائرة على أنها “منصات خدمة عالية الجودة للعالم القروي”. لكن سيتعين علينا أن ننتظر كيفية تحقيق هذا الأمر، وأيضا كيف ستحتوي هذه المنصات القضايا السياسية والمحلية الخاصة بكل منطقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.