صحافة البحث

خالد رفيق يكتب: البيان اليساري

- الإعلانات -

تلاسن وتراشق وتخوين واتهامات متبادلة ميزت خطاب ما تبقى من أهل اليسار “المتعدد” في منطلقاته وخلفياته…

عقم فكري، وتخبط إيديولوجي، وتيه تنظيمي، يكرس متاهات المنطلق وترهٌُل المشروع، وصار “تجربة حلم وغبار” ، بعد أن انبثقت كفكرة نبيلة رامت تغيير الواقع والبنيات والذهنيات، والتأثير في مجريات ووقائع التاريخ والإنسان، اعتمادا على العلم والفكر والمعرفة.

أتحفنا اليسار السبعيني، بمطارحات فكرية و مناظرات معرفية قدمت إسهامات في الثقافة والفكر والتاريخ والاقتصاد والاجتماع والسياسة، 

وانبثق اليسار، فكرة ومشروعا، في سياق غليان شعبي، ونزوع نخبوي ” نحو الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ، وانتج فكراومفكرين لازالت الفضاءات المغلقة والمفتوحة ترتعد لوقع الكلمات والخطابات  والإنتاجات. 

تحول جزء من ذات  اليسار، إلى نخبة مدافعة عن العرش وأوراشه واختياراته، فيما تحولت البقية الباقية إلى أطراف تتقن اللغط وهدر الزمن والإمكان السياسي، وتهرول وراء رهانات انتخابية محدودة وفاقدة للأساس الديمقراطي. فيما وصل اليسار “التاريخيوالتقليدي” إلى منتهاه وموته الأكيد.

صار اليسار محرابا لإنتاج خطاب التلاسن والتراشق والاتهام المتبادل بين أطرافه وتفريعاته،  ومعقلا  يُمَجِد التاريخ والزعامات، وينتج العقم وإعادة إنتاج التقليد والمحافظة، تبخيسا للجديد والمتجدد، ومحاصرا للشباب، و كابحا للفعاليات الشابة.

تاه أهل اليسار وتشرذم، وصاروا تجليا للعجز والقبح والتطاول.

لن أكون أقسى على اليسار، من وقع خيباته وانكساراته،  ولا أفصح من  واقع انشقاقاته ومآلاته، وحقيقة عدم قدرته على إنتاجالتحول. ولكن واقع الحال والمآل، يدفع كل مواطن غيور عن الفكرة اليسارية، وعن نبل المشروع اليساري و قدرته على التغييروالتوجيه والتأثير، إلى التعبير عما يختلج كيانه وهو يرى حجم الانتكاسة والتمزق والسير الحثيث نحو الفناء المعمم.

بالصريح والفصيح، ماذا تبقى من فكر وفكرة اليسار ، قديمه وجديده ؟

لماذا كل هذا الإمعان في إنتاج الفشل، و “التمرغ” في وحل الصراع والتطاحن ؟

ألا يضجر أهل اليسار من جر الخيبات، ومراكمة النكسات ؟

ألا يضجر أهل اليسار من عدم قدرتهم على مراجعة الذات ، وإعادة قراءة الفكرة والمشروع، في أفق فتح آفاق التحول والتجديدوالتغيير ؟

ألا يخجل أهل اليسار من إعادة إعتماد نفس القراءات  والمنطلقات، واعتماد نفس الآليات، وشرعنة التحجر الفكري، والتيه التنظيميوالهدر القيمي والسياسي ؟

متى يفهم أهل اليسار أن “ثورة الفكر” سابقة ” لفكر الثورة” ومؤسسة لها ؟

متى يفهم أهل اليسار، انه اضحى قابعا في الانتظارية، اجتهد  في تسقيف أفقه السياسي بمطلب الملكية البرلمانية، والقبول بتوافقاتتفتقد لضمانات جوهرية، سياسية ودستورية، واللهث وراء تحالفات لا تتوفر على مقومات صمودها ؟

متى يفهم أهل اليسار أنه دخل في  “معارك كلامية ” لم تقدر نبل وتضحيات الفكرة اليسارية التي رافقت المشروع وحملته منلحظته التأسيسية، إلى سياقه الحالي، ولم تنتج غير الهامشية والعزلة والانقسام ؟

ألا يخجل أهل اليسار، من أن حصيلة التجربة، مشهد وصورة.

مشهد يساري تتنازعه تجاذبات و تقاطبات  ترنو إلى تٱسيس تحالفات تنظيمية هشة ومهزوزة لا ترقى  إلى تحقيق رهان تأسيسالحزب الاشتراكي الكبير.

وصورة عن اليسار، تنم عن تواجد تنظيمات وتيارات منهوكة، مرتبكة، غارقة في “صراع الشرعيات و تطاحن المشروعيات “، وهو ما يجعلها فاقدة لأي قدرة على الاجتهاد والخلق والإبداع.

ألا يعي أهل اليسار انه يعيش مأزقا  يترنح فيه ” تحت وطأة الانتقال ولعبة التوافق “، ويعاني تعنت وعجرفة  قيادات افتقدتشرعية التواجد والحركة، تناور، تنتظر، تدبر، وتفوت فرصا تاريخية بغية إعادة التوازن والتموقع في المشهد السياسي ؟

اليسار نُبْلٌ فكري، تفكير دائم و بحث متواصل عن الفكرة الجديدة والمتجددة، من أجل تدبير واع لمشروع التحول والبناء والتغيير.

اليسار أخلاق تهذب السلوك و المسلكيات، وتجعل منطوق الخطاب لا يخرج عن حدود اللباقة الأدبية والأخلاقية والسياسية

اليسار قوة تشخيص واقتراح و بدائل، قادرة على خلق شروط الصراع وشرعيته وتدبيره بما يتوافق وشروط بناء المجتمع البديل

تلاسن وتراشق بين ما تبقى من أهل اليسار وعزلة وهامشية  للمشروع اليساري تعمق من واقع عزلته السياسية  وترنحه التنظيمي .

هذه هي الصورة وهذا هو المشهد.

صورة ومشهد مربك للقراءات والحسابات.

في مقابل كل هذا وذاك، أكدت معطيات الزمن السياسي، أن التناوب والانتقال، انتج توافقا حول الملكية ونخبتها الانتقالية، أثمرمشهدا سياسيا محجوزا ومبتذلا، استبعد الصراع والتوتر، ويدبر الاحتقان ويبطل مفعوله

هو موت سريري لليسار وللسياسة.

وحدها عودة سؤال اليسار الفعلي والحركي، الجديد والمتجدد، في ارتباط وثيق وحيوي بفتح باب الاجتهاد الفكري والنظري، حولقضايا الخط السياسي والأداة والهوية، وكذا العلاقة بالشعب، حول العلاقة بالسلطة، حول تصور السلطة التأسيسية، وموقع الحزباليساري الكبير من الصراع.

عودة سؤال اليسار، مجرد تأكيد مطمئن على راهنيته وضرورته لقيادة معركة المستقبل، معركة لن تدار إلا بيسار حيوي، متجدد، متحرر من عقده، ومنبعث من رماد التتفيه والتنميط.

وهذا مرتبط بالقدرة على إثارة نقاش عام حول الأسئلة الحاسمة واللازمة لاستمراريته، وعلى تحيين وإعادة صياغة وبلورة جهازهالمفاهيمي، وجعله يتكلم لغة الجماهير ويعبر عن همومه وانشغالاته، بعيدا عن التراشق والملاسنات وصراع المشروعيات التي لاتضمن حتى الحد الأدنى من النقاش الديمقراطي.